أحمد رجب شلتوت يقرأ: رواية (سبع شداد) حين تصبح الذاكرة طريقا للعودة





[HEADING=2][/HEADING]

​

تتناسل المآسي والنكبات في رواية "سبع شداد" للفلسطينية "نردين أبو نبعة"، فالنكبة الأولى تعيد إنتاج نفسها في أماكن وأزمنة أخرى؛ وما يحدث في مخيم اليرموك يستدعي ما سبق حدوثه في فلسطين، وما يحدث للأبناء يستعيد حكايات الجدات، فيبدو الماضي حاضرًا لا ينقطع، ويصبح التهجير خبرة تتوارثها الأجيال. ومن هنا تبدو دلالة العنوان أكثر اتساعًا من الإحالة القرآنية المباشرة إلى سنوات القحط؛ فالـسبع الشداد في الرواية ليست مجرد سنوات محددة بقدر ما هي زمن طويل من المحنة.

تبدأ الرواية من حكاية "ظريف الطول"، في بناء يبدو قريبًا من الحكاية الشعبية، ثمة رجل غريب يأتي إلى قرية فلسطينية، يحبه أهلها ويثقون به، ثم تتحول القرية إلى فضاء للحصار والجوع والمقاومة.

هذه الحكاية الشعبية تأتي بوصفها طريقة لفهم الواقع، فالحكاية التي تتوارثها الأجيال تحفظ الماضي، وأيضا تساعد على تفسير الحاضر. لذلك حين تتكرر صورة الجوع والحصار في مخيم اليرموك، تستعيد بيسان حكاية الصبية التي واجهت الجواسيس والعملاء، وتتساءل إن كانت أمها ستصبح بدورها الشرارة التي تغيّر كل شيء.

هكذا تصبح الحكاية نفسها وكأنها شخصية من شخصيات الرواية، فالأم خزامى لا تترك لابنتها بيسان ميراثًا ماديًا، وإنما تترك لها الكتب والأوراق والقلم وطريقة النظر إلى العالم. والابنة، بعد غياب الأم، تستعيد ذكرياتها، وتبدأ في الكتابة إليها، وبالتالي تتحول الرسالة إلى وسيلة لمقاومة الغياب، تقول بيسان إن القلم يمكن أن يكون شراعًا حين يشتد الموج، وتكتشف تدريجيًا أن ما ورثته عن أمها ليس مجرد حب للكتابة، وإنما قدرة على تحويل الألم إلى معنى.

وهنا تتشكل واحدة من أهم جماليات الرواية، "قصة داخل القصة"، فالأم كاتبة، والابنة تكتب إليها، والأب يقرأ أوراقها، ومؤيد وخزامى يتبادلان الكتب والهوامش والتعليقات، والشعراء الذين تقرأهم مهجة يصبحون جزءًا من الذاكرة الجماعية. فيصبح الكتاب وسيطًا للعلاقات بين البشر. وحين تكتب خزامى ملاحظاتها على الكتب التي قرأها مؤيد، ثم يقرأ هو تعليقاتها، يصبح الكتاب مساحة للقاء شخصين قبل أن يجمع الحب بينهما. تقول الرواية عن هذه العلاقة إن الكتب المتبادلة والكتابات على الهوامش كانت مرايا، يرى فيها كل منهما الآخر بوضوح أكبر.

وهذا الاستخدام للكتاب يوازي استخدام الجدار في جزء آخر من الرواية. فحين تبدأ بيسان في رسم ظلال الشهداء على جدران المخيم وكتابة عباراتهم، تتحول الكتابة من الورق إلى المكان. وكأن الرواية تستعيد بالكتابة المكان نفسه. فيصبح الجدار الذي يحمل آثار الحرب سطحًا للذاكرة، ويعود الشهيد في شكل صورة وكلمة، يبقيان الاسم حيا في الذاكرة.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة التي تقيمها الرواية بين المقاومة والكتابة. خزامى ترى الكتابة وسيلة للإمساك بالوطن وتثبيته في الذاكرة، والقلم عندها أشبه بالمحراث الذي ينبش الأرض ويعيد للجذور رطوبتها. هذه الاستعارة ليست عابرة؛ فالأرض والكتابة والجذور والذاكرة تنتمي في الرواية إلى حقل دلالي واحد. الوطن الذي تعجز الشخصيات عن الوصول إليه جغرافيًا يمكنها أن تستعيده لغويًا ووجدانيًا.

والجوع، تحديدًا، أحد أهم الأدوات التي تستخدمها الرواية لاختبار الإنسان. ففي المخيم نجد الجوع قوة قادرة على تفكيك العلاقات والقيم. وقد تصير ربطة الخبز سببًا للموت، وقد تدفع المجاعة إنسانًا إلى بيع الجنة بكيلو من الأرز، لذلك يتساءل مؤيد كيف استطاع بعض الناس أن يحتفظوا بإنسانيتهم وسط الحصار، هنا تعلن الرواية أن "الحرب اختبار حقيقي للنفس الإنسانية".

تكشف الحرب أسوأ ما في الإنسان، لكنها تكشف أجمل ما فيه أيضًا. الجوع قد يجعل الإنسان وحشيًا، لكنه قد يجعله أكثر إحساسًا بآلام الآخرين. ومن هنا تأتي صورة الرجل الذي يقسم الأرز القليل مع الآخرين، ثم يموت قبل أن يأكل منه. الأرز الذي كان يمكن أن يكون وسيلة للبقاء يصبح علامة على إنسانية صاحبه. وحين يوزع مؤيد نصيبه على مستحقيه بعد موت صديقه، يصبح الطعام نفسه رمزًا أخلاقيًا، وليس مجرد وسيلة للبقاء.

وفي مقابل الجوع تأتي الأمومة باعتبارها أحد أشكال المقاومة. خزامى أم، لكنها كاتبة، ومثقفة، وصاحبة موقف، وتدفع ابنتها إلى امتلاك أدواتها الخاصة في مواجهة العالم. وحين تغيب خزامى، تنتقل قوتها إلى بيسان. وبالتالي تبدو بيسان وكأنها الذاكرة الجمعية.

في البداية تقوم بالأدوار التي فرضتها عليها الحرب، مثل رعاية إخوتها، البحث عن الطعام، ومواجهة الخوف. ثم تكتشف الكتابة والرسم، وتبدأ في إعادة بناء ذاتها. تقول إن الدموع نفسها دليل على أنها ما زالت حية، ثم تكتشف أن القلم يمنحها القدرة على استئناف المعركة.

لكنها لا تصبح نسخة من أمها دفعة واحدة؛ بل تتشكل تدريجيًا من خلال التكرار. تتعلم طريقة أمها في الكلام، وفي النظر، وفي الجلوس إلى المكتب، وفي ترتيب الحكايات. حتى عملية السرد نفسها تنتقل إليها. تقول إنها أصبحت تشبه أمها في نبرة الصوت والحركات والإيماءات وطريقة الإمساك بالقلم.

وإذا كانت الأم تمثل الكتابة، فإن الأب يمثل الوجه الآخر اللازم لها، الحماية والاعتراف، فتصبح العلاقة بين خزامى وزوجها مساحة للتكامل. الأب لا يخاف من كتابة زوجته ولا يحاول احتواء صوتها، بل يرى مهمته في حماية هذا الصوت. وفي أوراق الأم تكتشف بيسان أن أباها كان يرى في كتابتها قوة، وأنه كان مؤمنًا بأن الكلمات يمكن أن تصبح أرواحًا تقاتل وتضيء الطريق. بهذا المعنى، تقدم الرواية تصورًا خاصًا لدور المرأة في مقاومة المحو.

ليست المرأة في "سبع شداد" مجرد ضحية للحرب؛ إنها حافظة للذاكرة، وراوية للحكاية، وأمّ تربي، وكاتبة توثق، وامرأة تقرر البقاء، وأخرى ترسم على الجدران. ولذلك تأتي العبارة التي تجعل الوطن قد يذبل ثم تعيده «كف امرأة» لتحمل تصور الرواية للمقاومة بوصفها فعلًا إنسانيًا يتسع للأمومة والكتابة والرعاية بقدر اتساعه للسلاح.

ويبرز المكان في الرواية بوصفه ذاكرة حية، فمخيم اليرموك عالم كامل، شوارعه، مكتباته، مقاهيه، مساجده، أعراسه، جنازاته، باعة الطعام فيه، وطبلة السحور. وعندما تتحدث خزامى عن عدم قدرتها على مغادرة المخيم، فإنها تدافع عن تاريخ شخصي وجماعي. يصير المكان هنا امتدادًا للذات، ولذلك فإن الخروج منه يبدو اقتلاعًا جديدًا.

ولذلك نجد التهجير في الرواية موتًا مؤجلًا للذاكرة. فالإنسان الذي يخرج من مكانه يحمل بعض الصور والروائح والحكايات، ويفقد أشياء أخرى مع كل خطوة. ولهذا تتكرر مفردات البيت والمفتاح والرائحة والشارع والنافذة والجدة. وحين تصل خزامى إلى البحر في النهاية، لا يكون البحر مجرد طريق إلى أوروبا، وإنما يكون حاجزًا بين المنفى والوطن، وبين الحلم والاقتلاع.

وهنا يكتسب العنوان مغزاه، "سبع شداد" تحيل إلى القحط، لكنها في نهاية الرواية تصبح صيغة للأمل أيضًا. فخزامى، وهي تقف أمام البحر، تستعيد مسار أجدادها قبل سبعين عامًا، وتدرك أنها قد تكون على وشك أن تبتعد سبعين عامًا أخرى عن فلسطين. وربما تكون "سبعًا شدادًا" أخرى تقربها من فلسطين.

وهذه النهاية تشير إلى أن البحر هو طريق الخلاص وطريق الغرق في الوقت نفسه. إنه طريق المهاجرين إلى مستقبل مجهول، لكنه في المخيلة الفلسطينية بحر يقود إلى حيفا لأن البحار متصلة. وبين هذين المعنيين يتحرك مصير خزامى، هل تبتعد أم تعود؟ هل تهرب أم تبحث عن الطريق إلى البيت؟ ومن هنا تصبح العودة حلمًا بدأ أولًا في الذاكرة قبل أن يبدأ في المكان.

تقوم الرواية على التداعي والاسترجاع والحكاية داخل الحكاية والرسائل والأوراق والذكريات، والماضي يقتحم الحاضر باستمرار، وحكاية الجدة تدخل في وعي الحفيدة، وأوراق الأم تعود بعد غيابها، والصورة الفوتوغرافية تستدعي الحياة الماضية، والكتاب يستدعي صاحبه وقارئه. الزمن في الرواية إذن ليس خطًا مستقيمًا، وإنما شبكة من الأزمنة المتداخلة؛ لأن الذاكرة في عالم النكبة لا تترك الماضي خلفها.

وتساعد اللغة في تكريس هذا البناء. فالكاتبة تتحرك بين العربية الفصحى والحوار باللهجة الشامية، وبين السرد الوصفي والجمل التأملية والحكاية الشعبية والأغنية والرسالة. كما تحضر الحواس بقوة لافتة، رائحة الخبز، ورائحة الكتب، ورائحة الموت، ملمس الورق، مذاق الطعام الفاسد، برد المخيم، صوت القذائف. وكأن الرواية تمنح الذاكرة جسدًا حسيًا.

لكن هذه اللغة لا تكتفي بتسجيل الألم؛ إنها تبحث باستمرار عن الصورة التي يمكنها أن تحمل الألم، فالدم يختلط بالخبز، والنوافذ تتدلى منها أشواق الغياب، والجدار يحمل ظل الشهيد، والقلم يتحول إلى محراث، والقرآن إلى قنديل ومرساة. لذلك تتأسس جمالية الرواية على تحويل الأشياء اليومية إلى علامات، الخبز ليس خبزًا فقط، والكتاب ليس كتابًا، والجدار ليس جدارًا، والبحر ليس بحرًا.

وتبلغ الرؤية الفكرية للرواية ذروتها في سؤالها عن كيفية النجاة من المحو وصور كثيرة: الاحتلال، التهجير، الحصار، الجوع، الاعتقال، الاختفاء القسري، تدمير المكان، وكسر القلم. وفي مواجهته تقترح الرواية أدواتها الخاصة: الذاكرة، الحكاية، الكتابة، الرسم، الأمومة، التضامن، والإيمان.

ولهذا فإن المقاومة في "سبع شداد" شبكة من الأفعال الصغيرة التي تحول دون أن يفقد الناجون ذاكرتهم. فالوطن قد يُنتزع من صاحبه، لكن لا يمكن انتزاعه من حكايته. وحين يغيب الشخص، تستعيده الصورة والكتاب والرسالة. وحين يُهدم البيت، يبقى مفتاحه، وحين يغيب الجسد، يبقى الاسم، وحين يموت الشهداء، ترسم بيسان ظلالهم على الجدران.

وبالتالي تصبح المقاومة أيضًا مواجهة للنسيان واليأس والاقتلاع الداخلي. فالمعركة لا تنتهي ما دام هناك من يحكي، ويكتب، ويرسم، ويتذكر. هكذا تنحاز الرواية للأمل باعتباره قدرة على مواصلة الطريق رغم كل ما يبدو من انسداد.

وفي اللحظة الأخيرة، حين تقف خزامى أمام البحر،

في اللحظة الأخيرة، حين تقف خزامى أمام البحر، لا تكون أمام طريق جغرافي فحسب، وإنما أمام تاريخ كامل من الاقتلاع. إنها تحمل نكبتين وتهجيرين وبيتين ومفتاحين وجرحين، وتحمل قبل ذلك كله حكايات الجدات، وكتب الأم، وذاكرة المخيم. ولذلك لا يبدو البحر في هذه اللحظة حدًّا يفصلها عن فلسطين بقدر ما يبدو فضاءً معلّقًا بين احتمالين: الغرق والعودة، المنفى والوطن، الانقطاع والاستمرار.



لكن الرواية لا تمنحها يقينًا سهلًا بالعودة؛ إنها تمنحها ما هو أكثر أهمية: إمكان العودة. فالعودة تبدأ في الذاكرة قبل أن تبدأ في الطريق، والوطن الذي ظل حاضرًا في الحكاية والكتاب والصورة والاسم والمفتاح والجدار لا يكون قد غاب تمامًا. وإذا كانت «سبع شداد» قد امتدت في الرواية من فلسطين الأولى إلى اليرموك، ومن الجدات إلى الأحفاد، فإنها لا تنتهي بالضرورة عند البحر. ربما تكون هناك سبع شداد أخرى، وربما يكون هذا الزمن الطويل من المحنة هو نفسه ما يختبر قدرة الإنسان على الاحتفاظ بالبيت داخل نفسه.



هكذا تصبح «سبع شداد» رواية عن النكبة، لكنها في العمق رواية عن مقاومة المحو. فالاحتلال يستطيع أن يهدم البيت، والحرب تستطيع أن تقتلع الإنسان من مكانه، والجوع يستطيع أن يحاصره، والموت يستطيع أن يغيب الجسد؛ لكن الحكاية تستطيع أن تعيد بناء ما تهدّم، والكتابة تستطيع أن تحفظ الاسم، والذاكرة تستطيع أن تجعل المكان قابلًا للاستعادة. ومن هنا لا تكون العودة مجرد رحلة من المنفى إلى الوطن، وإنما استعادة لوطن ظل حيًا في اللغة والذاكرة.

ولذلك، حين تقف خزامى أمام البحر، تحمل تاريخا كاملا من الاقتلاع، ومعه نكبتين وتهجيرين وبيتين ومفتاحين وجرحين، وتحمل قبل ذلك كله حكايات الجدات وكتب الأم وذاكرة المخيم. ونحن لا نعرف إن كانت ستصل، ولا ماذا ينتظرها في الجهة الأخرى، فالبحر أمامها واسع، والمستقبل مجهول، لكن البحار متصلة، وتبقى العودة ممكنة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...