غانية ملحيس - منظومة الفساد لا تواجه إلا بمنظومة مقابلة

الفساد ليس مجرد فعل فردي يرتكبه شخص جشع، ولا مجرد خلل في قانون يمكن إصلاحه بتعديل مادة أو استبدال مسؤول. إنه، حين يستفحل، يتحول إلى منظومة لها ثقافتها، وآلياتها، ومبرراتها، وشبكاتها، وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها.

ولهذا فإن مواجهته لا يمكن أن تنجح بمنظومة جزئية أو بإجراء منفرد، وإنما تحتاج إلى منظومة مقابلة تقوم على ثلاثة أركان متكاملة: ثقافة لا تبرر الفساد، ومؤسسات لا تكافئه، ومجتمع لا يتسامح معه.
المشكلة، إذن، ليست في غياب عنصر واحد، وإنما في العلاقة بين هذه العناصر جميعاً. فالفساد يصبح أكثر قدرة على الاستمرار حين تتواطأ البيئة الأخلاقية والمؤسسية والاجتماعية، ولو بدرجات مختلفة، في إعادة إنتاجه.
من هنا تبدأ الحاجة إلى النظر إلى الفساد باعتباره مشكلة متعددة المستويات، لا مشكلة أخلاقية أو قانونية منفردة.

أولًا: الإنسان الذي لا يبرر الفساد
تبدأ المواجهة من الإنسان، لا بمعنى تحميله وحده مسؤولية الفساد، وإنما بمعنى بناء وعي أخلاقي لا يمنح الفساد أسماء جديدة تخفف من قبحه.
أن يتعلم الطفل منذ البداية أن الحق لا يصبح باطلا لأن الجميع يفعلون غيره، وأن الواسطة ليست فضيلة، وأن الكذب ليس ذكاء، وأن المال الحرام لا يصبح حلالا لأنه دخل الجيب، وأن النزاهة ليست بطولة استثنائية وإنما قاعدة يومية.
المشكلة تبدأ حين تتغير أسماء الأشياء. حين تسمى الرشوة «قضاء مصلحة»، والواسطة «فزعة»، والتحايل «شطارة»، والصمت «حكمة»، والاستفادة من النفوذ «تدبيرًا للأمور».
عندها لا يعود الفساد بحاجة إلى الدفاع عن نفسه؛ لأن المجتمع يكون قد بدأ بتجميله لغويا قبل أن يعتاد عليه عمليا. لكن التربية الأخلاقية لا ينبغي أن تتحول إلى وعظ مجرد.
فالمطلوب ليس أن نعلم الناس أن يكونوا صالحين ثم نتركهم يواجهون وحدهم نظامًا يكافئ السلوك المعاكس.
المطلوب أن تتوافق التربية مع البيئة التي يعيش فيها الإنسان، حتى لا يتعلم الطفل في المدرسة أن النزاهة قيمة، ثم يكتشف في الحياة العامة أن الواسطة هي الطريق الأسرع إلى حقه.

ثانياً: المؤسسة التي لا تكافئ الفساد
إذا كان الإنسان هو أحد عناصر المعادلة، فإن المؤسسة هي العنصر الذي يحوّل القيم إلى قواعد عملية.
المؤسسة النزيهة ليست تلك التي تكثر فيها الشعارات عن النزاهة، وإنما تلك التي تجعل الفساد صعبا، ومكلفا، وقابلا للكشف، وتجعل الالتزام بالقانون هو الطريق الطبيعي للحصول على الحق. ينبغي أن يصبح الوصول إلى الحق أوضح وأسرع من الوصول إليه بالواسطة. وأن تكون الصلاحيات محددة، والقرارات قابلة للمراجعة، والمعلومات متاحة، وتضارب المصالح مكشوفا، والمساءلة ممكنة، والرقابة مستقلة وفعالة.
والأهم من ذلك كله ألا يكون صاحب السلطة هو نفسه من يقرر حدود محاسبته. فحين تتركز السلطة دون رقابة، يصبح القانون قابلاً للتطويع بحسب الأشخاص. وحين تصبح المحاسبة انتقائية، يفقد القانون معناه الأخلاقي قبل أن يفقد معناه القانوني.
لذلك فإن مكافحة الفساد لا تعني فقط معاقبة الفاسد بعد اكتشاف فساده، بل تعني أيضاً تصميم المؤسسات بطريقة تقلل فرص الفساد قبل وقوعه. فالوقاية هنا ليست أقل أهمية من العقوبة. ولكيلا يظل هذا التوازن مجرد حلم أخلاقي وشعار، فإن تجلياته العملية الفورية تظهر بوضوح في تطبيق نموذج "الموازنة التشاركية وإتاحة البيانات المالية المفتوحة".
إن الفساد ينشأ غالبا في المساحات المعتمة التي تُحجب فيها الأرقام تحت ذريعة "السرية الإدارية"؛ لذا فإن إجبار المؤسسات على نشر بيانات الإيرادات العامة والإنفاق العام، وتفاصيل المشتريات والعقود الحكومية بصيغ علنية وقابلة للتدقيق، يحول المجتمع من مجرد متلق للخدمة إلى شريك في حمايتها. فحين يُتاح للمواطن والمؤسسات الأهلية والإعلام المهني تتبع كيف تُنفق الإيرادات العامة (المساعدات وأموال ضرائبهم في مشاريعهم المحلية، ومقارنة كلفة المشروعات بجودتها على الأرض، تتسع دائرة المساءلة لتشمل مجتمعا بأكمله.
هنا تنكسر احتكارية الرقابة؛ فلا يعود الكشف عن الانحراف مرهونا فقط برغبة الأجهزة الرسمية أو صحوة ضمير المسؤول، بل يصبح نتاج بيئة مجتمعية واعية تملك المعلومة، وتملك الحق في السؤال، وتجعل كلفة الفساد أخلاقياً وسياسيا أكبر بكثير من عوائده.

ثالثاً: المجتمع الذي لا يتسامح مع الفساد
هناك طرف ثالث لا يقل أهمية عن الإنسان والمؤسسة: المجتمع.
والمجتمع لا يواجه الفساد بمجرد التذمر منه في المجالس، أو إطلاق عبارات الغضب بعد كل فضيحة، ثم العودة إلى الحياة اليومية وكأن شيئاً لم يحدث.
المجتمع الذي يريد مقاومة الفساد عليه أن ينتقل من الشكوى إلى المساءلة. أن يسأل. أن يطلب المعلومة. أن يراقب المال العام. أن يرفض تبرير الانحراف. أن يحمي من يكشف الخلل بدلا من معاقبته اجتماعيا. وأن يفرق بين النقد المسؤول والتشهير، وبين الرقابة والرغبة في الانتقام.
فالمجتمع المدني والرقابة العامة والإعلام المهني والمواطن الواعي ليست أدوات لمنافسة الدولة على سلطتها، بل وسائل لضمان ألا تتحول السلطة إلى مساحة مغلقة لا تخضع للسؤال.
المجتمع السليم ليس ذلك الذي لا يوجد فيه فساد، فهذا أقرب إلى المثالية منه إلى الواقع؛ وإنما ذلك الذي لا يسمح للفساد بأن يصبح أمراً طبيعيا أو مقبولا أو محصنا من المساءلة. وهنا لا يعود السؤال فقط: كيف يواجه المجتمع الفساد؟ بل: ماذا يحدث للمجتمع نفسه عندما يطول به التعايش معه؟

أخطر ما يفعله الفساد
أخطر ما يمكن أن يفعله الفساد ليس أن يسرق المال العام فقط، بل أن يغير تعريف الناس لما هو طبيعي.
حين يصبح السؤال: «كيف أقضي مصلحتي؟» بدلا من: «ما حقي؟» وحين يصبح السؤال: «من أعرف؟» بدلا من: «ماذا يقول القانون؟» وحين يصبح الصمت حكمة، والمخالفة شطارة، وتجاوز القاعدة دليلا على القدرة على تدبير الأمور، يكون الفساد قد انتقل من ممارسة إلى ثقافة.
وعندما يصل الفساد إلى هذه المرحلة، تصبح مواجهته أصعب؛ لأنك لم تعد تواجه مجموعة من المخالفات، بل تواجه تصورا اجتماعيا يقول إن القاعدة شيء، والحياة الحقيقية شيء آخر.
وهنا يصبح الإصلاح أعمق من محاربة الفاسدين. إنه إعادة بناء الثقة بأن الطريق القانوني يمكن أن يكون هو الطريق الأسهل، وأن النزاهة ليست سذاجة، وأن احترام القاعدة لا يعني التخلي عن المصلحة، بل يحمي مصالح الجميع على المدى الطويل.

لا يكفي أن نغير الإنسان أو القانون
هنا نصل إلى نقطة جوهرية. قد يكون من الصحيح أن نقول: «غيّروا الإنسان». وقد يكون صحيحا أيضاً أن نقول: «غيّروا القانون». لكننا نحتاج إلى إضافة ثالثة: غيّروا العلاقة بين الإنسان والقانون.
فلا يكفي أن نطلب من المواطن أن يكون شريفا، بل ينبغي أن نجعل شرفه محميا من الابتزاز والتمييز.
ولا يكفي أن نضع قانونا صارما، بل ينبغي أن نجعل تطبيقه عاما، واضحا، وقابلا للمراجعة، لا استثناء فيه لمن يملكه أو يمتلك النفوذ.
ولا يكفي أن نحاسب الفاسد بعد أن يكبر فساده، بل ينبغي أن نبني آليات تمنع تضخم السلطة، وتكشف تضارب المصالح، وتقطع الطريق على تحويل النفوذ الشخصي إلى امتياز دائم. إن العلاقة السليمة بين المواطن والقانون هي التي تجعل المواطن يشعر أن احترام القانون ليس تضحية بمصلحته، وإنما هو الطريق الطبيعي إلى حماية حقه.

لا نحتاج إلى شعب مثالي
الخلاص لا يبدأ، في ظني، من البحث عن شعب مثالي، أو مسؤول مثالي، أو لجنة من «الصالحين» تفرز لنا من يستحق ومن لا يستحق.
فكل سلطة تمنح جهة ما حق تحديد «الصالح» و«غير الصالح» تحتاج هي نفسها إلى قواعد وضمانات تمنع تحول هذا الحق إلى وصاية على المجتمع.
المطلوب ليس مجتمع الملائكة. المطلوب نظام قادر على العمل في وجود البشر كما هم، بمصالحهم ونقاط ضعفهم وطموحاتهم وأخطائهم، دون أن يسمح لهذه الطبيعة البشرية بأن تتحول إلى منظومة فساد.
ولهذا يبدأ الإصلاح الحقيقي من بناء قواعد يستطيع الإنسان العادي أن يعيش باستقامته داخلها، ويستطيع المجتمع أن يراقبها، وتستطيع المؤسسات أن تحاسب من يخرقها، أيا كان موقعه.

المعادلة
ربما يمكن اختصار الفكرة كلها في معادلة بسيطة: إنسان لا يبرر الفساد، ومؤسسة لا تكافئ الفساد، ومجتمع لا يحمي الفساد بالصمت، وقانون لا يميز بين من يملك النفوذ ومن يخضع له.
وعندما تجتمع هذه العناصر، لا يعود الإصلاح مجرد تغيير في الوجوه أو تعديل في القوانين، بل يصبح تغييرا في قواعد إنتاج الفساد نفسه.
وهنا ربما يتغير السؤال الأول. بدلا من أن نسأل فقط: «من أفسد البلاد؟» نبدأ بالسؤال الأعمق: «ما الذي صنعناه معا، وجعل الفساد قادرا على النمو بيننا؟»
ثم نذهب إلى السؤال الذي يفتح باب المستقبل: وكيف نستطيع معا أن نبني نظاما يجعل النزاهة ممكنة، والفساد صعبا، والانحراف مكشوفا، والسلطة قابلة للمساءلة؟
وعندها لا تكون مواجهة الفساد مجرد حملة ضد أشخاص، ولا مجرد إصلاح للقوانين، وإنما تصبح إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان والمؤسسة والمجتمع والسلطة.

وهذا، في النهاية، هو الفرق بين أن نحارب الفساد كلما ظهر، وبين أن نبني منظومة لا تسمح له بأن يصبح قاعدة.

وعندها لا تكون مواجهة الفساد مجرد حملة ضد أشخاص، ولا مجرد إصلاح للقوانين، وإنما تصبح إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان والمؤسسة والمجتمع والسلطة.

وهذا، في النهاية، هو الفرق بين أن نحارب الفساد كلما ظهر، وبين أن نبني منظومة لا تسمح له بأن يصبح قاعدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...