خالد عطية - حين تحتاج المراجعة إلى مراجعة من نقد البديهيات الفلسطينية إلى نقد البنية

ثمة ضرورة فلسطينية لا تحتمل التأجيل: أن نراجع تجربتنا السياسية، لا لكي نحاكم ما مضى بأدوات الحاضر، ولا لكي نحول الهزائم إلى اتهامات أخلاقية، وإنما لكي نفهم كيف تحولت حركة وطنية امتلكت زمناً طويلاً من التاريخ والتضحيات والخبرات إلى حالة سياسية عاجزة عن تحويل هذه التضحيات إلى قوة تاريخية متراكمة. لكن المراجعة الجادة تبدأ، في تقديري، من مكان أعمق من مراجعة الشعارات. فالمشكلة ليست أن الفلسطينيين آمنوا بالتحرير أكثر مما ينبغي، أو بالكفاح المسلح أكثر مما ينبغي، أو راهنوا على العرب أكثر مما ينبغي. هذه كلها نتائج ومسارات داخل بنية تاريخية أوسع. والمبالغة في تحميلها مسؤولية المآل الفلسطيني تشبه محاولة تفسير انهيار بناء طويل بالنظر إلى نافذة فيه. السؤال الأكثر قسوة هو: كيف نشأت بنية سياسية فلسطينية ظلّت، رغم اختلاف شعاراتها وأدواتها، عاجزة عن تحويل الشعب الفلسطيني من موضوع للصراع إلى صاحب قدرة مستدامة على إنتاج القرار؟ هنا تبدأ المراجعة الحقيقية.

يمكن مراجعة شعار مركزية فلسطين عربياً، ومراجعة تجربة الكفاح المسلح، ومراجعة مفهوم التحرير، ومراجعة أوسلو، والانتفاضات، والانقسام، وكل ما راكمناه خلال أكثر من قرن. لكن مراجعة هذه العناصر منفردة قد تنتج تاريخاً جديداً للأخطاء، لا تفسيراً لبنية الأخطاء. ففلسطين لم تدخل التاريخ الحديث بوصفها دولة خسرت حرباً ثم حاولت استعادة أرضها. دخلت التاريخ بوصفها شعباً تعرض لاقتلاع سياسي وديمغرافي متدرج، ثم وجد نفسه موزعاً بين مخيم وداخل وشتات واحتلال، في مقابل مشروع استعماري يمتلك الدولة والجيش والموارد والدعم الدولي والقدرة على إنتاج الوقائع على الأرض. هذه ليست ملاحظة لتبرير العجز الفلسطيني، بل لتحديد طبيعة الصراع الذي كان ينبغي أن تُبنى عليه الاستراتيجية. والفارق كبير بين أن تقول إن الفلسطينيين أخطأوا في إدارة صراع غير متكافئ، وبين أن تقول إن خياراتهم نفسها هي التي صنعت عدم التكافؤ.

أخطر ما يمكن أن تفعله المراجعة أن تجعل الاحتلال متغيراً خارجياً، ثم تبحث عن أسباب المأزق داخل الفلسطينيين وحدهم. فالاستيطان لم يكن نتيجة للكفاح الفلسطيني، كما أن اختلال موازين القوى لم ينشأ لأن الفلسطينيين رفعوا شعار التحرير. ومشروع السيطرة على الأرض لم يبدأ بعد فشل أوسلو، بل كان أحد الشروط البنيوية التي جعلت أوسلو نفسه قابلاً لأن يتحول إلى مسار لإدارة الصراع بدلاً من إنهائه. لهذا فإن السؤال ليس: لماذا لم ينجح الفلسطينيون في فرض مشروعهم؟ بل ينبغي أن نضيف إليه: كيف أعاد المشروع الاستعماري تشكيل شروط الفعل الفلسطيني نفسه، وكيف استجابت الحركة الوطنية لهذه الشروط، ومتى تحولت الاستجابة إلى جزء من المشكلة؟ هنا يصبح النقد أكثر صعوبة، وأكثر إنصافاً في الوقت نفسه.

أعتقد أن التحول الأهم في التجربة الفلسطينية لم يكن الانتقال من الكفاح المسلح إلى التسوية، بل الانتقال التدريجي من منطق التحرر الوطني إلى منطق إدارة الممكن السياسي. وهذه نقطة تستحق التوقف طويلاً. عندما يصبح الممكن هو معيار السياسة الوحيد، يتحول الواقع القائم تدريجياً إلى سقف للفعل. وعندما يصبح الحفاظ على ما تبقى من المجتمع هو الهدف السياسي المركزي، يمكن أن ينتهي الأمر إلى الحفاظ على البنية التي أنتجت العجز نفسه. لقد احتاج الفلسطينيون بالفعل إلى بناء المجتمع والمؤسسات والتعليم والاقتصاد والثقافة. لكن السؤال ليس هل نبني المجتمع أم نقاوم الاحتلال؛ السؤال الحقيقي هو: أي مجتمع؟ وتحت أي شروط؟ ولأي غاية سياسية؟ فالتنمية في ظل السيطرة الاستعمارية ليست محايدة دائماً، والمؤسسة ليست بالضرورة قوة وطنية لمجرد أنها مؤسسة، والاقتصاد لا يتحول تلقائياً إلى قدرة سياسية، كما أن الاستقرار قد يكون ضرورياً للمجتمع، لكنه لا يصبح استراتيجية وطنية بمجرد تسميته استقراراً. المشكلة إذن ليست في بناء المجتمع، بل في انفصال بناء المجتمع عن بناء القدرة الوطنية على الفعل.

وهنا تكمن المعضلة الفلسطينية الأعمق. لقد امتلك الفلسطينيون عبر تاريخهم الحديث أشكالاً متعددة من المقاومة: المسلحة والشعبية والسياسية والثقافية والقانونية والاقتصادية والدبلوماسية. لكن ما لم يُبنَ بصورة كافية هو النظام الذي يحوّل هذه الأشكال المختلفة إلى قوة وطنية تراكمية. وهذه هي النقطة التي أراها أكثر أهمية من سؤال: أي أداة أفضل؟ ليست القضية أن الكفاح المسلح كان خطأ، ولا أن المقاومة الشعبية هي البديل، ولا أن الدبلوماسية هي الطريق، ولا أن المقاطعة هي الأداة الحاسمة. كل هذه الأدوات تصبح ناقصة عندما لا تكون جزءاً من استراتيجية وطنية تمتلك تعريفاً واضحاً للهدف، ومؤسسة تمثيلية حقيقية، وآليات للمساءلة، وقدرة على توزيع الأدوار بين ساحات الشعب الفلسطيني، وتصوراً للتراكم، وميزاناً دقيقاً بين الكلفة والعائد. المشكلة ليست في تعدد الأدوات، بل في غياب العقل السياسي الذي يجعل تعدد الأدوات قوة واحدة.

لا يجوز أن يصبح الشعب الفلسطيني مجرد متغير في حسابات الصراع: كم شهيداً يمكن أن نتحمل؟ كم سنة نستطيع الانتظار؟ كم مقدار التدمير الذي تستطيع غزة احتماله؟ كم يمكن للمخيم أن يصبر؟ هذه ليست استراتيجية وطنية. لكن الوجه الآخر للمسألة لا يقل خطورة: أن يتحول الحفاظ على الشعب إلى ذريعة لتعليق الفعل السياسي إلى أجل غير معلوم. الشعب لا يحتاج فقط إلى أن يبقى حياً؛ يحتاج إلى أن يبقى قادراً على الفعل. وهنا يصبح معنى “البقاء” أوسع من النجاة. البقاء الوطني هو القدرة على إنتاج الذاكرة، والهوية، والمؤسسة، والتمثيل، والمعرفة، والاقتصاد، والمقاومة، والقرار. وهذا يعيدنا إلى مفهوم لطالما غاب عن النقاش: القدرة الوطنية التراكمية.

قد يكون الفلسطينيون قد أخطأوا كثيراً في اختيار اللحظة والأداة والتقدير. لكن السؤال الأهم ليس تعداد الأخطاء. السؤال هو: ماذا أنتجت كل مرحلة للمرحلة التي بعدها؟ هل أنتجت الانتفاضة مؤسسة سياسية أكثر تمثيلاً؟ هل أنتج الكفاح المسلح قدرة وطنية مستقلة عن النظام العربي؟ هل أنتج أوسلو سيادة فلسطينية قابلة للتطور؟ هل أنتج الانقسام نظاماً سياسياً قادراً على حماية المجتمع؟ هل أنتجت السلطة قدرة وطنية أم إدارة فلسطينية داخل شروط الاحتلال؟ وهل استطاع الفلسطينيون تحويل الشتات والمخيم والداخل والقدس وغزة والضفة وفلسطينيي الداخل إلى شبكة قوة واحدة، بدلاً من تحويل اختلاف التجارب إلى اختلاف في الأولويات والشرعيات؟ هذه الأسئلة، في رأيي، أكثر أهمية من سؤال أي شعار كان أكثر واقعية.

ومن هنا أيضاً أختلف مع اختزال المأزق الفلسطيني في الصراع على الأرض. الأرض جوهر الصراع، بالتأكيد، لكنها ليست كل شيء. فلسطين هي أيضاً شعب وذاكرة وهوية وحقوق وتمثيل ورواية ومعرفة ومؤسسات وقدرة على إعادة إنتاج الذات السياسية. ولهذا فإن أخطر ما تعرض له الفلسطينيون لم يكن فقط اقتطاع الأرض، بل تفكيك المجال السياسي الفلسطيني إلى ساحات منفصلة، بحيث يعيش كل تجمع فلسطيني تجربته الخاصة، بينما تتراجع القدرة على تحويل هذه التجارب المختلفة إلى وحدة سياسية منتجة. المخيم ليس مجرد مكان للاجئين. والضفة ليست مجرد جغرافيا محتلة. وغزة ليست مجرد مساحة محاصرة. والقدس ليست مجرد ملف تفاوضي. وفلسطينيو الداخل ليسوا مجرد أقلية داخل إسرائيل. والشتات ليس خزّاناً بشرياً للماضي. إنها أجزاء من شعب واحد، لكن الاعتراف بذلك لا يكفي. المطلوب هو بناء صيغة سياسية تجعل هذا التعدد مصدراً للقوة لا سبباً لتوزيع الشرعية وتفكيك القرار.

لذلك فإن مراجعة أوسلو وحدها لا تكفي. أوسلو لم يكن مجرد خطأ تفاوضي. كان لحظة كشفت خللاً أعمق: غياب القدرة على إنتاج معادلة وطنية تضع المفاوضات داخل استراتيجية، لا تجعل الاستراتيجية رهينة للمفاوضات. وحين انتقلت المنظمة تدريجياً من كونها إطاراً لحركة تحرر إلى سلطة تدير جزءاً من الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال، نشأ التناقض الذي ما زال قائماً حتى اليوم: كيف يمكن لمؤسسة أن تكون مسؤولة عن المجتمع وهي لا تملك السيطرة على شروط حياته الأساسية؟ هذه ليست مسألة إدارية. إنها مسألة بنيوية.

لهذا لا أعتقد أن المراجعة الجادة تعني العودة إلى ميثاق قديم، ولا إعادة إنتاج خطاب التحرير كما كان، ولا التخلي عن مفهوم المقاومة لصالح انتظار تغير الظروف. المطلوب أصعب من ذلك. المطلوب إعادة بناء السياسة الفلسطينية نفسها. سياسة لا تبدأ من سؤال: أي حل يقبل به العالم؟ ولا من سؤال: أي أداة نستطيع استخدامها؟ بل من سؤال: كيف يستعيد الفلسطيني القدرة على أن يكون فاعلاً في تحديد مستقبله؟ وعندها يمكن أن يصبح المشروع الوطني شيئاً مختلفاً عن الشعار، والبرنامج شيئاً مختلفاً عن إدارة الأزمة، والمقاومة شيئاً مختلفاً عن رد الفعل، والمؤسسة شيئاً مختلفاً عن جهاز إداري، والوحدة شيئاً مختلفاً عن اتفاق بين الفصائل.

ربما ليست البديهيات التي اعتدنا الحديث عنها هي التي تحتاج إلى المراجعة وحدها. البديهية الأخطر هي اعتقادنا أن الشعب يمكن أن ينتصر بمجرد امتلاكه قضية عادلة، أو بمجرد امتلاكه مقاومة، أو بمجرد امتلاكه مؤسسة، أو بمجرد حصوله على دعم دولي. العدالة تمنح القضية أساسها الأخلاقي والقانوني، لكنها لا تنتج وحدها القوة السياسية. والمقاومة تنتج القدرة على الرفض، لكنها لا تنتج وحدها النظام السياسي الذي يحول الرفض إلى إنجاز. والمؤسسة تحفظ المجتمع، لكنها لا تصبح وطنية بالضرورة إذا انفصلت عن التمثيل والمساءلة والهدف الوطني. والتضامن الدولي مهم، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الفاعل الفلسطيني.

لهذا فإن السؤال الذي أراه أكثر إلحاحاً اليوم ليس: أي بديهية فلسطينية يجب أن نتخلى عنها؟ بل: كيف ننتقل من شعب يمتلك تاريخاً هائلاً من المقاومة إلى شعب يمتلك قدرة سياسية تراكمية على استخدام تاريخه لصناعة مستقبله؟ هنا فقط تصبح المراجعة بداية. أما إذا اكتفينا بإدانة الأدوات القديمة، فسوف نكون قد غيّرنا اللغة وبقينا داخل البنية نفسها. وربما يكون أخطر ما يمكن أن يحدث للفلسطينيين اليوم أن ينجحوا مرة أخرى في تغيير خطابهم من دون أن يغيّروا طريقة إنتاج السياسة نفسها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...