محمد عباس محمد عرابي
يأتي كتاب «لخبطة» للكاتبة هويدة الدمرداش، مستشارة العلاقات الأسرية، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات داخل الأسرة، ولا سيما العلاقة الزوجية التي تمثل النواة الأولى لاستقرار البيت وتماسكه.
فالأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي يجمع أفرادًا تربطهم صلات القرابة، وإنما هي بيئة وجدانية وتربوية ونفسية تتشكل داخلها شخصية الأبناء، وتتحدد فيها أنماط التواصل والحوار والانتماء والأمان النفسي.
*أهمية الكتاب:
تكمن أهمية الكتاب لا يتعامل مع الخلافات الزوجية بوصفها أحداثًا عابرة فحسب، بل ينظر إليها باعتبارها ظواهر تحتاج إلى فهم جذورها، وإعادة بناء أساليب التواصل بين الزوجين، والانتقال من دائرة اللوم والعتاب المتبادل إلى دائرة الفهم والحوار والإصلاح.
*الأساس الذي اعتمد عليه الكتاب :
تنطلق الكاتبة من رؤية مفادها أن إصلاح المجتمع يبدأ، في جانب مهم منه، من إصلاح الأسرة، وأن إصلاح الأسرة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإصلاح العلاقة بين الزوجين؛ لأن ما يسود هذه العلاقة من مودة أو صراع، وحوار أو صمت، واحتواء أو إهمال، ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على بقية أفراد الأسرة.
أولًا: الكتاب والأسرة في مواجهة المشكلات الزوجية:
تلفت الكاتبة النظر إلى أن كثيرًا من المشكلات الزوجية لا تبدأ بأحداث كبيرة، وإنما تنشأ أحيانًا من تفاصيل صغيرة تتراكم مع مرور الوقت: كلمة لم تُفهم على وجهها الصحيح، أو موقف لم يجد تفسيرًا، أو احتياج عاطفي لم يُعبَّر عنه، أو شكوى لم تجد استجابة، أو صمت طال حتى تحول إلى مسافة نفسية بين الزوجين.
وهنا تكمن قيمة كتاب «لخبطة» في محاولته الاقتراب من الحياة الأسرية اليومية بعيدًا عن المثالية المفرطة أو التنظير المجرد؛ فهو يستحضر مواقف وحوارات تشبه ما يحدث داخل البيوت، ثم يحاول تفكيكها وإعادة قراءتها من منظور التواصل والوعي بالعلاقة.
فالخلاف في ذاته ليس بالضرورة علامة على فشل العلاقة الزوجية؛ إذ إن الاختلاف بين شخصين يعيشان معًا أمر طبيعي، لكن المشكلة تكمن في كيفية إدارة الاختلاف: هل يتحول إلى حوار يقود إلى الفهم، أم إلى خصومة تقود إلى الجفاء؟ وهل يكون الاختلاف فرصة لاكتشاف احتياجات الطرفين، أم مناسبة لتبادل الاتهامات واستدعاء أخطاء الماضي؟
ثانيًا: تجربة هويدة الدمرداش والاهتمام بالأسرة
يندرج اهتمام الكاتبة بالعلاقات الأسرية ضمن مسار مهني سعت من خلاله إلى تقديم الوعي والتدريب في مجال العلاقات الزوجية والأسرية. وقد ارتبط اسمها بمبادرات وممارسات تهدف إلى مساعدة الأزواج وأولياء الأمور والمقبلين على الزواج على فهم طبيعة التواصل الإنساني، وآليات التفكير والاستجابة داخل العلاقة.
* مؤسسة الكاتبة هويدة الدمرداش
أسست الكاتبة هويدة الدمرداش عام 2012 مؤسسة تحمل اسمها، واهتمت من خلالها بالتدريب والتوعية في مجال العلاقات الأسرية، انطلاقًا من قناعة بأن كثيرًا من الأزمات لا ترجع بالضرورة إلى غياب المحبة، وإنما قد تكون نتيجة ضعف الوعي بطرق التعبير عن الاحتياجات، أو اختلاف أنماط التفكير، أو سوء تفسير الرسائل المتبادلة بين الزوجين.
ومن هنا يصبح الوعي بالعلاقة الزوجية نوعًا من الوقاية الأسرية؛ إذ إن معرفة الزوجين بطبيعة الخلاف، ومصادره، وكيفية التعبير عن الغضب والاحتياج، يمكن أن تحول دون انتقال المشكلات من مستوى الموقف العابر إلى مستوى الأزمة المزمنة.
ثالثًا: منهجية الخطوات السبع وإصلاح العلاقة
من أبرز ما يقدمه الكتاب ما يرتبط بمنهجية الخطوات السبع التي تطرحها الكاتبة بوصفها مدخلًا عمليًا للتعامل مع الخلافات ومحاولة ترميم العلاقة قبل أن تتفاقم المشكلات.
وتنبع أهمية هذا المدخل من أنه لا يكتفي بوصف المشكلة، وإنما يسعى إلى نقل القارئ من مرحلة اكتشاف الخلل إلى مرحلة التعامل معه، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى دليل تطبيقي يستفيد من المواقف اليومية والحوار الواقعي.
ويمكن النظر إلى هذه المنهجية في إطار عام بوصفها دعوة إلى: الوعي بالمشكلة، وفهم جذورها، والإنصات إلى الطرف الآخر، وإعادة بناء التواصل، والتعامل مع المشاعر بقدر من النضج، ثم اتخاذ خطوات عملية لإصلاح العلاقة ومتابعة أثرها.
ولا تكمن قيمة أي منهج لإصلاح العلاقات في عدد خطواته بقدر ما تكمن في قدرة الزوجين على تحويل المبادئ إلى سلوك يومي مستمر؛ لأن العلاقات لا تُصلحها النصائح العابرة وحدها، وإنما تصلحها الممارسات المتكررة التي تعيد الثقة والأمان والتقدير إلى الحياة المشتركة.
رابعًا: المواقف الأسرية اليومية بوصفها مادة الكتاب
يتميز الكتاب باعتماده على المواقف الأسرية اليومية التي يمكن أن يجد القارئ نفسه أو شريكه داخلها. وهذه المواقف تمنح الكتاب طابعًا واقعيًا؛ فالحديث عن العلاقات الزوجية لا يظل في مستوى المفاهيم العامة، وإنما ينتقل إلى تفاصيل الحياة التي قد تبدو بسيطة، لكنها تصبح مؤثرة حين تتكرر وتتراكم.
ومن هذه الزاوية، فإن الخلاف الزوجي لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن السياق الذي نشأ فيه؛ فكلمة واحدة قد تكون عابرة في موقف، لكنها قد تصبح مؤلمة إذا جاءت بعد سلسلة طويلة من المواقف المشابهة. كما أن تصرفًا صغيرًا من أحد الطرفين قد يحمل لدى الطرف الآخر دلالة أكبر من حجمه الظاهري.
وهذا ما يجعل فهم المعنى الذي يمنحه كل طرف للموقف عنصرًا مهمًا في حل الخلاف، فليس المهم فقط ما قيل أو حدث، وإنما كيف فهمه الطرف الآخر وما الشعور الذي تركه داخله.
خامسًا: من الصراع إلى الحوار
من الأفكار المركزية التي يمكن استجلاؤها من الكتاب أن كثيرًا من الأزمات الزوجية تبدأ عندما يتحول التواصل من وسيلة للفهم إلى وسيلة للدفاع والهجوم.
ففي لحظة الخلاف قد ينشغل كل طرف بإثبات أنه على حق بدلًا من محاولة فهم ما يريد الطرف الآخر قوله. ومع استمرار هذا النمط يصبح الحوار ساحة للمواجهة، وتتراجع مساحة الإصغاء، وتزداد احتمالات سوء الفهم.
ومن ثم يدعو الكتاب إلى استعادة وظيفة الحوار بوصفه جسرًا بين شخصين لا سلاحًا يستخدمه أحدهما ضد الآخر. والحوار الناجح لا يعني غياب الاختلاف، بل يعني القدرة على التعبير عن الاختلاف دون إهانة، وعن الغضب دون تجريح، وعن الاحتياج دون ابتزاز عاطفي.
سادسًا: نحو صيانة مستمرة للأسرة :
من القضايا اللافتة في الكتاب الالتفات إلى اللحظات التي يصل فيها أحد الزوجين إلى درجة عالية من الإرهاق النفسي أو الشعور بعدم الجدوى من استمرار الشكوى.
وهنا تصبح الشكوى المتكررة، أو الصمت الطويل، أو الانسحاب العاطفي، أو تغير السلوك، مؤشرات تستحق التوقف عندها بدلًا من التعامل معها باستخفاف.
وقد تكون بعض التصرفات الصغيرة بمثابة رسائل كبيرة تحتاج إلى قراءة واعية؛ لأن العلاقة الزوجية لا تنهار عادة بسبب موقف واحد فقط، وإنما قد تتآكل تدريجيًا نتيجة تراكم الإهمال وسوء الفهم وغياب الحوار.
ولهذا فإن الاستجابة المبكرة للمشكلة أكثر فاعلية من انتظار وصولها إلى مرحلة يصعب فيها الإصلاح. فالعلاقات الإنسانية، مثل البناء، تحتاج إلى صيانة مستمرة، ولا يكفي أن ننتبه إلى الخلل بعد أن يصبح ظاهرًا في كل جزء من أجزائها.
سابعًا: الوضوح في التواصل
يولي الكتاب أهمية للتواصل الواضح، وينبه إلى خطورة الرسائل الملتبسة التي تجعل كل طرف يفسر كلام الآخر وفق توقعاته وانفعالاته.
فالزوجان لا يحتاجان فقط إلى أن يتحدثا، وإنما يحتاجان إلى أن يفهما ما يقوله كل منهما للآخر. وقد يكون الصمت أحيانًا أكثر إرباكًا من الكلام، كما أن التلميح المتكرر قد يزيد مساحة التأويل وسوء الفهم.
ومن هنا تأتي أهمية التعبير المباشر عن المشاعر والاحتياجات، بحيث يتحول الكلام من اتهام للطرف الآخر إلى وصف للمشكلة والتعبير عن أثرها وطلب ما يمكن أن يساعد على حلها.
ثامنًا: المودة باعتبارها ممارسة يومية
لا تقدم المودة في الحياة الزوجية باعتبارها شعورًا عابرًا، وإنما باعتبارها سلوكًا يتجدد في التفاصيل اليومية. فالكلمة الطيبة، والتقدير، والإنصات، والاهتمام، والاعتذار عند الخطأ، واحترام خصوصية الطرف الآخر، كلها ممارسات صغيرة في ظاهرها، لكنها تسهم في بناء رصيد عاطفي تحتاج إليه الأسرة في أوقات الأزمات.
ولهذا فإن المحافظة على العلاقة لا تبدأ عند وقوع المشكلة، بل تبدأ قبلها، من خلال بناء مناخ من الثقة والاحترام يسمح للزوجين بالاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى تهديد لكيان الأسرة.
تاسعًا: القصص والتجارب بدلًا من التنظير المجرد
من العناصر التي تمنح الكتاب جاذبيته اعتماده على المواقف والتجارب الواقعية في مجال الاستشارات الأسرية، وهو أسلوب يجعل الأفكار أكثر قربًا من القارئ.
فبدل أن تقدم المشكلة في صورة مفهوم نظري مجرد، تظهر في صورة موقف وحوار وسلوك ورد فعل، ثم تأتي القراءة التحليلية لتبين موطن الخلل والبديل الممكن.
وهذه الطريقة مفيدة في الكتابات الإرشادية؛ لأنها تساعد القارئ على التعرف إلى نفسه في الموقف، ومراجعة أسلوبه في التعامل مع المشكلات، بدلًا من أن يشعر أن النص يقدم له أحكامًا نظرية من خارج تجربته.
عاشرًا: تربويات :
لا تقتصر آثار العلاقة الزوجية على الزوجين، وإنما تمتد إلى الأبناء؛ فالطفل يعيش داخل المناخ العاطفي للأسرة، ويتعلم من خلال ملاحظة والديه كيف يتحدث الإنسان عندما يغضب، وكيف يختلف، وكيف يعتذر، وكيف يحترم الآخر.
ومن ثم فإن إصلاح العلاقة الزوجية يحمل بعدًا تربويًا مهمًا؛ لأن الأسرة تمثل المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل قيم الحوار والتسامح وتحمل المسؤولية واحترام الآخر.
وعندما يشاهد الأبناء والديهم وهما يعالجان الخلاف بالحوار، فإنهم يتعلمون أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن الاعتذار ليس ضعفًا، وأن الاعتراف بالخطأ يمكن أن يكون طريقًا إلى الإصلاح، وأن العلاقات الإنسانية تحتاج إلى رعاية مستمرة.
خاتمة:
يمكن النظر إلى كتاب «لخبطة» بوصفه محاولة لتقديم خطاب أسري عملي يقترب من تفاصيل الحياة الزوجية، ويؤكد أن كثيرًا من المشكلات لا تبدأ كبيرة، وإنما تصبح كبيرة حين تُهمل، أو حين يُساء فهمها، أو حين يتحول الحوار بشأنها إلى صراع.
وتتمثل القيمة الأساسية التي يمكن استخلاصها من الكتاب في التأكيد على أن نجاح العلاقة الزوجية لا يقوم على غياب المشكلات، وإنما على امتلاك القدرة على إدارتها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى قطيعة. فالحياة المشتركة تحتاج إلى وعي متبادل، وإنصات، ووضوح، وتقدير، ومرونة، واستعداد مستمر لإعادة بناء الجسور عندما تتعرض العلاقة للاهتزاز.
ومن هذا المنظور، فإن «لخبطة» لا يقدم حديثًا عن الزوج والزوجة بوصفهما طرفين متخاصمين، بقدر ما يلفت النظر إلى أنهما شريكان في بناء علاقة تحتاج إلى رعاية من الطرفين. فالبيت المستقر لا يُبنى بكثرة التعليمات، وإنما بالوعي الذي يتحول إلى ممارسة، وبالمودة التي تتحول إلى سلوك، وبالحوار الذي يتحول إلى وسيلة دائمة للفهم والإصلاح.
وهكذا يضع الكتاب العلاقة بين «هو وهي» في إطار أوسع: إطار الأسرة التي تحتاج إلى أن يتعلم أفرادها كيف يفهم بعضهم بعضًا، وكيف يصغون، وكيف يختلفون، وكيف يصلحون ما أفسدته الأيام؛ لأن الحفاظ على الأسرة ليس مسؤولية لحظة واحدة، وإنما هو مشروع إنساني وتربوي مستمر.
المراجع : هويدة الدمرداش مستشارة العلاقات الأسرية: (لخبطة ) ،القاهرة ،بداية للنشر والتوزيع ،2017م
Women of Egypt - سيدات مصر /2168000799961022
يأتي كتاب «لخبطة» للكاتبة هويدة الدمرداش، مستشارة العلاقات الأسرية، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات داخل الأسرة، ولا سيما العلاقة الزوجية التي تمثل النواة الأولى لاستقرار البيت وتماسكه.
فالأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي يجمع أفرادًا تربطهم صلات القرابة، وإنما هي بيئة وجدانية وتربوية ونفسية تتشكل داخلها شخصية الأبناء، وتتحدد فيها أنماط التواصل والحوار والانتماء والأمان النفسي.
*أهمية الكتاب:
تكمن أهمية الكتاب لا يتعامل مع الخلافات الزوجية بوصفها أحداثًا عابرة فحسب، بل ينظر إليها باعتبارها ظواهر تحتاج إلى فهم جذورها، وإعادة بناء أساليب التواصل بين الزوجين، والانتقال من دائرة اللوم والعتاب المتبادل إلى دائرة الفهم والحوار والإصلاح.
*الأساس الذي اعتمد عليه الكتاب :
تنطلق الكاتبة من رؤية مفادها أن إصلاح المجتمع يبدأ، في جانب مهم منه، من إصلاح الأسرة، وأن إصلاح الأسرة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإصلاح العلاقة بين الزوجين؛ لأن ما يسود هذه العلاقة من مودة أو صراع، وحوار أو صمت، واحتواء أو إهمال، ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على بقية أفراد الأسرة.
أولًا: الكتاب والأسرة في مواجهة المشكلات الزوجية:
تلفت الكاتبة النظر إلى أن كثيرًا من المشكلات الزوجية لا تبدأ بأحداث كبيرة، وإنما تنشأ أحيانًا من تفاصيل صغيرة تتراكم مع مرور الوقت: كلمة لم تُفهم على وجهها الصحيح، أو موقف لم يجد تفسيرًا، أو احتياج عاطفي لم يُعبَّر عنه، أو شكوى لم تجد استجابة، أو صمت طال حتى تحول إلى مسافة نفسية بين الزوجين.
وهنا تكمن قيمة كتاب «لخبطة» في محاولته الاقتراب من الحياة الأسرية اليومية بعيدًا عن المثالية المفرطة أو التنظير المجرد؛ فهو يستحضر مواقف وحوارات تشبه ما يحدث داخل البيوت، ثم يحاول تفكيكها وإعادة قراءتها من منظور التواصل والوعي بالعلاقة.
فالخلاف في ذاته ليس بالضرورة علامة على فشل العلاقة الزوجية؛ إذ إن الاختلاف بين شخصين يعيشان معًا أمر طبيعي، لكن المشكلة تكمن في كيفية إدارة الاختلاف: هل يتحول إلى حوار يقود إلى الفهم، أم إلى خصومة تقود إلى الجفاء؟ وهل يكون الاختلاف فرصة لاكتشاف احتياجات الطرفين، أم مناسبة لتبادل الاتهامات واستدعاء أخطاء الماضي؟
ثانيًا: تجربة هويدة الدمرداش والاهتمام بالأسرة
يندرج اهتمام الكاتبة بالعلاقات الأسرية ضمن مسار مهني سعت من خلاله إلى تقديم الوعي والتدريب في مجال العلاقات الزوجية والأسرية. وقد ارتبط اسمها بمبادرات وممارسات تهدف إلى مساعدة الأزواج وأولياء الأمور والمقبلين على الزواج على فهم طبيعة التواصل الإنساني، وآليات التفكير والاستجابة داخل العلاقة.
* مؤسسة الكاتبة هويدة الدمرداش
أسست الكاتبة هويدة الدمرداش عام 2012 مؤسسة تحمل اسمها، واهتمت من خلالها بالتدريب والتوعية في مجال العلاقات الأسرية، انطلاقًا من قناعة بأن كثيرًا من الأزمات لا ترجع بالضرورة إلى غياب المحبة، وإنما قد تكون نتيجة ضعف الوعي بطرق التعبير عن الاحتياجات، أو اختلاف أنماط التفكير، أو سوء تفسير الرسائل المتبادلة بين الزوجين.
ومن هنا يصبح الوعي بالعلاقة الزوجية نوعًا من الوقاية الأسرية؛ إذ إن معرفة الزوجين بطبيعة الخلاف، ومصادره، وكيفية التعبير عن الغضب والاحتياج، يمكن أن تحول دون انتقال المشكلات من مستوى الموقف العابر إلى مستوى الأزمة المزمنة.
ثالثًا: منهجية الخطوات السبع وإصلاح العلاقة
من أبرز ما يقدمه الكتاب ما يرتبط بمنهجية الخطوات السبع التي تطرحها الكاتبة بوصفها مدخلًا عمليًا للتعامل مع الخلافات ومحاولة ترميم العلاقة قبل أن تتفاقم المشكلات.
وتنبع أهمية هذا المدخل من أنه لا يكتفي بوصف المشكلة، وإنما يسعى إلى نقل القارئ من مرحلة اكتشاف الخلل إلى مرحلة التعامل معه، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى دليل تطبيقي يستفيد من المواقف اليومية والحوار الواقعي.
ويمكن النظر إلى هذه المنهجية في إطار عام بوصفها دعوة إلى: الوعي بالمشكلة، وفهم جذورها، والإنصات إلى الطرف الآخر، وإعادة بناء التواصل، والتعامل مع المشاعر بقدر من النضج، ثم اتخاذ خطوات عملية لإصلاح العلاقة ومتابعة أثرها.
ولا تكمن قيمة أي منهج لإصلاح العلاقات في عدد خطواته بقدر ما تكمن في قدرة الزوجين على تحويل المبادئ إلى سلوك يومي مستمر؛ لأن العلاقات لا تُصلحها النصائح العابرة وحدها، وإنما تصلحها الممارسات المتكررة التي تعيد الثقة والأمان والتقدير إلى الحياة المشتركة.
رابعًا: المواقف الأسرية اليومية بوصفها مادة الكتاب
يتميز الكتاب باعتماده على المواقف الأسرية اليومية التي يمكن أن يجد القارئ نفسه أو شريكه داخلها. وهذه المواقف تمنح الكتاب طابعًا واقعيًا؛ فالحديث عن العلاقات الزوجية لا يظل في مستوى المفاهيم العامة، وإنما ينتقل إلى تفاصيل الحياة التي قد تبدو بسيطة، لكنها تصبح مؤثرة حين تتكرر وتتراكم.
ومن هذه الزاوية، فإن الخلاف الزوجي لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن السياق الذي نشأ فيه؛ فكلمة واحدة قد تكون عابرة في موقف، لكنها قد تصبح مؤلمة إذا جاءت بعد سلسلة طويلة من المواقف المشابهة. كما أن تصرفًا صغيرًا من أحد الطرفين قد يحمل لدى الطرف الآخر دلالة أكبر من حجمه الظاهري.
وهذا ما يجعل فهم المعنى الذي يمنحه كل طرف للموقف عنصرًا مهمًا في حل الخلاف، فليس المهم فقط ما قيل أو حدث، وإنما كيف فهمه الطرف الآخر وما الشعور الذي تركه داخله.
خامسًا: من الصراع إلى الحوار
من الأفكار المركزية التي يمكن استجلاؤها من الكتاب أن كثيرًا من الأزمات الزوجية تبدأ عندما يتحول التواصل من وسيلة للفهم إلى وسيلة للدفاع والهجوم.
ففي لحظة الخلاف قد ينشغل كل طرف بإثبات أنه على حق بدلًا من محاولة فهم ما يريد الطرف الآخر قوله. ومع استمرار هذا النمط يصبح الحوار ساحة للمواجهة، وتتراجع مساحة الإصغاء، وتزداد احتمالات سوء الفهم.
ومن ثم يدعو الكتاب إلى استعادة وظيفة الحوار بوصفه جسرًا بين شخصين لا سلاحًا يستخدمه أحدهما ضد الآخر. والحوار الناجح لا يعني غياب الاختلاف، بل يعني القدرة على التعبير عن الاختلاف دون إهانة، وعن الغضب دون تجريح، وعن الاحتياج دون ابتزاز عاطفي.
سادسًا: نحو صيانة مستمرة للأسرة :
من القضايا اللافتة في الكتاب الالتفات إلى اللحظات التي يصل فيها أحد الزوجين إلى درجة عالية من الإرهاق النفسي أو الشعور بعدم الجدوى من استمرار الشكوى.
وهنا تصبح الشكوى المتكررة، أو الصمت الطويل، أو الانسحاب العاطفي، أو تغير السلوك، مؤشرات تستحق التوقف عندها بدلًا من التعامل معها باستخفاف.
وقد تكون بعض التصرفات الصغيرة بمثابة رسائل كبيرة تحتاج إلى قراءة واعية؛ لأن العلاقة الزوجية لا تنهار عادة بسبب موقف واحد فقط، وإنما قد تتآكل تدريجيًا نتيجة تراكم الإهمال وسوء الفهم وغياب الحوار.
ولهذا فإن الاستجابة المبكرة للمشكلة أكثر فاعلية من انتظار وصولها إلى مرحلة يصعب فيها الإصلاح. فالعلاقات الإنسانية، مثل البناء، تحتاج إلى صيانة مستمرة، ولا يكفي أن ننتبه إلى الخلل بعد أن يصبح ظاهرًا في كل جزء من أجزائها.
سابعًا: الوضوح في التواصل
يولي الكتاب أهمية للتواصل الواضح، وينبه إلى خطورة الرسائل الملتبسة التي تجعل كل طرف يفسر كلام الآخر وفق توقعاته وانفعالاته.
فالزوجان لا يحتاجان فقط إلى أن يتحدثا، وإنما يحتاجان إلى أن يفهما ما يقوله كل منهما للآخر. وقد يكون الصمت أحيانًا أكثر إرباكًا من الكلام، كما أن التلميح المتكرر قد يزيد مساحة التأويل وسوء الفهم.
ومن هنا تأتي أهمية التعبير المباشر عن المشاعر والاحتياجات، بحيث يتحول الكلام من اتهام للطرف الآخر إلى وصف للمشكلة والتعبير عن أثرها وطلب ما يمكن أن يساعد على حلها.
ثامنًا: المودة باعتبارها ممارسة يومية
لا تقدم المودة في الحياة الزوجية باعتبارها شعورًا عابرًا، وإنما باعتبارها سلوكًا يتجدد في التفاصيل اليومية. فالكلمة الطيبة، والتقدير، والإنصات، والاهتمام، والاعتذار عند الخطأ، واحترام خصوصية الطرف الآخر، كلها ممارسات صغيرة في ظاهرها، لكنها تسهم في بناء رصيد عاطفي تحتاج إليه الأسرة في أوقات الأزمات.
ولهذا فإن المحافظة على العلاقة لا تبدأ عند وقوع المشكلة، بل تبدأ قبلها، من خلال بناء مناخ من الثقة والاحترام يسمح للزوجين بالاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى تهديد لكيان الأسرة.
تاسعًا: القصص والتجارب بدلًا من التنظير المجرد
من العناصر التي تمنح الكتاب جاذبيته اعتماده على المواقف والتجارب الواقعية في مجال الاستشارات الأسرية، وهو أسلوب يجعل الأفكار أكثر قربًا من القارئ.
فبدل أن تقدم المشكلة في صورة مفهوم نظري مجرد، تظهر في صورة موقف وحوار وسلوك ورد فعل، ثم تأتي القراءة التحليلية لتبين موطن الخلل والبديل الممكن.
وهذه الطريقة مفيدة في الكتابات الإرشادية؛ لأنها تساعد القارئ على التعرف إلى نفسه في الموقف، ومراجعة أسلوبه في التعامل مع المشكلات، بدلًا من أن يشعر أن النص يقدم له أحكامًا نظرية من خارج تجربته.
عاشرًا: تربويات :
لا تقتصر آثار العلاقة الزوجية على الزوجين، وإنما تمتد إلى الأبناء؛ فالطفل يعيش داخل المناخ العاطفي للأسرة، ويتعلم من خلال ملاحظة والديه كيف يتحدث الإنسان عندما يغضب، وكيف يختلف، وكيف يعتذر، وكيف يحترم الآخر.
ومن ثم فإن إصلاح العلاقة الزوجية يحمل بعدًا تربويًا مهمًا؛ لأن الأسرة تمثل المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل قيم الحوار والتسامح وتحمل المسؤولية واحترام الآخر.
وعندما يشاهد الأبناء والديهم وهما يعالجان الخلاف بالحوار، فإنهم يتعلمون أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن الاعتذار ليس ضعفًا، وأن الاعتراف بالخطأ يمكن أن يكون طريقًا إلى الإصلاح، وأن العلاقات الإنسانية تحتاج إلى رعاية مستمرة.
خاتمة:
يمكن النظر إلى كتاب «لخبطة» بوصفه محاولة لتقديم خطاب أسري عملي يقترب من تفاصيل الحياة الزوجية، ويؤكد أن كثيرًا من المشكلات لا تبدأ كبيرة، وإنما تصبح كبيرة حين تُهمل، أو حين يُساء فهمها، أو حين يتحول الحوار بشأنها إلى صراع.
وتتمثل القيمة الأساسية التي يمكن استخلاصها من الكتاب في التأكيد على أن نجاح العلاقة الزوجية لا يقوم على غياب المشكلات، وإنما على امتلاك القدرة على إدارتها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى قطيعة. فالحياة المشتركة تحتاج إلى وعي متبادل، وإنصات، ووضوح، وتقدير، ومرونة، واستعداد مستمر لإعادة بناء الجسور عندما تتعرض العلاقة للاهتزاز.
ومن هذا المنظور، فإن «لخبطة» لا يقدم حديثًا عن الزوج والزوجة بوصفهما طرفين متخاصمين، بقدر ما يلفت النظر إلى أنهما شريكان في بناء علاقة تحتاج إلى رعاية من الطرفين. فالبيت المستقر لا يُبنى بكثرة التعليمات، وإنما بالوعي الذي يتحول إلى ممارسة، وبالمودة التي تتحول إلى سلوك، وبالحوار الذي يتحول إلى وسيلة دائمة للفهم والإصلاح.
وهكذا يضع الكتاب العلاقة بين «هو وهي» في إطار أوسع: إطار الأسرة التي تحتاج إلى أن يتعلم أفرادها كيف يفهم بعضهم بعضًا، وكيف يصغون، وكيف يختلفون، وكيف يصلحون ما أفسدته الأيام؛ لأن الحفاظ على الأسرة ليس مسؤولية لحظة واحدة، وإنما هو مشروع إنساني وتربوي مستمر.
المراجع : هويدة الدمرداش مستشارة العلاقات الأسرية: (لخبطة ) ،القاهرة ،بداية للنشر والتوزيع ،2017م
Women of Egypt - سيدات مصر /2168000799961022