أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - لماذا نحبُّ؟؟

ضلو طرحنا سؤال:" لماذا نحبُّ؟ " على إنسان وهو خلو البال منه وفي شغل عنه، لابتسم وما أجاب عن السّؤال؛ ليس لأنّ السّؤال لا يستحقّ الإجابة، وليس لأنّ المقام يضيق به،وليس لأنّ الإجابات تضيق به، ولكن لأنّه سؤال لا يختلف عن عينة الأسئلة الاعتباطية التي تطرح للجدال لا أكثر، مثل: لماذا نأكل؟ لماذا ننام؟ لماذا نعيش؟ لماذا نخاف؟ لماذا خلقنا؟ لماذا نموت؟ولماذا خلقنا بيدين لا بثلاث أيد؟ لماذا تحمل المرأة تسعة أشعر لا سبعة أشهر مثلاً؟ولماذا ولماذا ولماذا...
ويبدو أنّ لهذا السّؤال البرّاق الكثير من الباحثين عن إجابة له في صفوف البشر، ولعلّ ذلك يعزا لعلاقته العجيبة بقلوبنا وسعادتنا وإحساسنا بكلّ شيء في حياتنا، بل يكاد أن يكون هذا السّؤال البوابة الحقيقية لرؤيتنا للأشياء ولفهمنا للأمور ولإدراكنا للألوان ولشمّنا للروائح ولإحساسنا بالزمن والحوادث، ولتعاطينا مع البشر والمواقف والحوادث والظروف،بل ولتعاطينا مع أنفسنا وفهمنا لها،فكم كان الحبّ هو بوابتنا لمعرفة أنفسنا، ولاكتشاف مواهبها وقدراتها ، والمحرّض على العطاء والبذل والعمل والإبداع، وكم كان هو داء القلوب وشفاؤها، وكم كان هو العلّة والسقم، الصحة والأمل.
ولأنّه يملك صيغة سحريّة فقد حارت فيه العقول، وعالجت سره القرائح والرؤى والاجتهادات، فتفرّقت زرافات وجماعات في الإجابة عن السّؤال العجيب:" لماذا نحبُّ؟". وما عرف البشر لماذا نحبُّ؟
أنحبُّ لأنّ الأرواح جنود مجندة؟ أم لأنّ الحبُّ هو لقاء للأرواح بعد لقاء منسي في عالم المُثل؟ أم أنّ الحبُّ هو إفرازات وهرمونات ومجالات ضوئية ومغناطيسية وحيوية؟ أم هو إزاحات وعقد نفسية ؟ أم حاجات جنسية مكبوتة؟ أم إدعاءات وحجج للاستغلال والحصول على الفوائد؟ أم هو حاجة تعويض عن فقد وآلام؟ أم هو شكل من أشكال التواطؤ الاجتماعي والإنساني من أجل تكوين المجتمع واستمرار التزاوج والإنجاب للحفاظ على الجنس البشري وإيقاف الحروب والنزاعات ولو لحين؟ أم هو مسمّى خاص لحالة متفجّرة من التقارب والإعجاب والتجاذب والرغبة في الاستيلاء على الآخر والحصول عليه؟ أم هو طريقة مؤدبة وغلاف برّاق للحاجات الجسدية الحيوانية؟
أيّاً كانت الإجابة المحتملة أو الغائبة لهذا السّؤال العجيب الذي لا يقبل إجابة على الرّغم من إلحاحه على طرح نفسه ،فإنّه يورّطنا في جدلية آكلة للحقائق؛لأنّه يشغلنا عن سؤال أهم، به ترتبط مصائرنا، ويكون مآل حقائق وجودنا، ومعيار سعادتنا أو تعاستنا، وهو مَنْ نحبُّ؟
كثير من البشر يتورطون في الحبّ دون أن يفكّروا من عليهم أن يحبوا ،فينسون أنّ الحبّ هو ثمرة أرواحنا، وهبتنا من الله، ومحمولنا الوحيد من جنة الخلد، وبذلك يهبون غاليهم إلى من لا يستحق،فماذا تكون النتيجة؟ تكون الألم والخسارة واحتراق الوقت والقلب، ثم الكفر للأبد بالحبّ.والسبب في ذلك كلّه أنّنا لم نعرف من نحبّ.
ومهما اختلفت الأذواق فالذي يستحق أنّ نحبه هو: من يريد أن يعطينا قبل أن يفكّر فيما سوف يأخذ،الذي يحبّنا قبل أنّ نحبّه، الذي يسهر لننام، الذي يجوع لنأكل ، الذي يعرى لنلبس، الذي يبكي لبكائنا، ويفرح لفرحنا، الذي يأخذ من عمره ليعطينا، الذي يكون لنا لا علينا، الذي يعدّ اللحظات كي يلقانا، الذي يعيش لنا وإن لم نعش له، الذي يهبنا عمره دون أن يطلب أن نهبه عمرنا،الذي يحلم بنا ونحن نحلم بغيره، الذي تتلخّص سعادته في أن نسعد ولو مع غيره.
قد يحار البعض أين نجد هذا المحبوب المحبّ الذي يستحقّ كلّ مشاعرنا وانتظارنا، ووفق رأيي هذا سؤال وجيه، وعلى كلّ إنسان أن يبحث بجد، ويدعو بإخلاص كي يجد من يستحق الحبّ، ومن باب العون في إيجاده: أليس الوالدان أحقُّ النّاس بالحبّ؟؟؟؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...