الدرب المنعزل والحيرة في متاهات الكتابة - أحمد رجب شلتوت

الدرب المنعزل والحيرة في متاهات الكتابة
أحمد رجب شلتوت
"هناك شيء ضار ومدمر للذات موجود في العملية الكتابية، الكُتاب كالنُساك أو الزاهدين هذه طبيعتهم، وقد ولدوا كذلك؛ وقُدِر لهم العيش كذلك، لكن يُحيرهم سبب سلوكهم هذا الدرب المنعزل"، هكذا كتبت الروائية الأمريكية "جوي ويليامز" في مقالها عن سر الكتابة، أظنها لم تخطئ حينما استخدمت صيغة الجمع في سياق الحديث عن تلك الحيرة، ولعل الدكتور أحمد تركي شغلته الحيرة نفسها، ودفعته لإعداد وترجمة كتاب "بوصلة الكتابة وخرائط الأدب"، الصادر عن دار الرسم بالكلمات للنشر والتوزيع عام 2023.
تعدد الوصفات
انطلق المترجم من رغبة في جمع أصوات وتجارب متعددة لمبدعين حول فعل الكتابة، يقول عنها في المقدمة: "هذا الجمع المتنوع من الأدباء الثقال، يكون بوصلة كتابة كبيرة تُرشِدُ مُستخدمي خرائط الأدب، ويُمكن اعتبارها كفسيفساء، تُضيء المسارات الإبداعية المعقدة التي يتنقل فيها الكتاب كلهم، رغم أن لكل كاتب مسار مختلف لا يتشابه مع أي من أقرانه".
هنا أعتقد أنه كان موفقا في استخدامه لكلمة "بوصلة"، فهي تساعد المسافر على معرفة الاتجاه، لكن لا تمنحه طريقا، فليس ثمة طريق واحد يصلح للجميع، وحينما نتأمل شهادات الكتاب الذين يستضيفهم الكتاب، سرعان ما نكتشف تعدد الإجابات عن السؤال "كيف أكتب؟".
فمثلا عند "جوان ديديون"، ليست الكتابة مجرد نقل لما يعرفه الكاتب مسبقًا، وإنما وسيلة لاكتشاف ما يفكر فيه وما يشعر به، وبالتالي قد تكون طريقًا إلى معرفة الذات. أما "جورج أورويل" فيحدد أربعة دوافع للكتابة، الأنانية الخالصة، والحماس الجمالي، والدافع التاريخي، والغرض السياسي. وفي شهادة "ديفيد فوستر والاس" لا ينتظر الكاتب لحظة الإلهام، فهو يكتب قدرًا صغيرًا كل يوم، ويدرك أن الكتابة عمل شاق.
كذلك يربط "ستيفن كينج" الكتابة بالوقت والانضباط والثقة بالنفس والعلاقة بالمحرر والقارئ، والكاتب، في تصوره، لا يكتب في فراغ، وإنما يتخيل وجود قارئ على الطرف الآخر من العملية. حتى الكتابة التي توصف بأنها «فنية» لا ينبغي أن تنسى قدرتها على إشراك القارئ في التجربة. وهذه الفكرة ترفض صورة الكاتب المنعزل الذي يكتب لنفسه فقط. فالكتابة فعل فردي في بدايته، لكنها لا تكتمل إلا عندما تدخل فضاء القراءة.
وترى "زادي سميث" أن الكاتب لا يعيش دائمًا حالة الرضا عن نصه، ولا ينبغي أن يتعامل مع المسودة الأولى باعتبارها نصًا مقدسًا. والفشل جزء من العملية الإبداعية، وليس نقيضًا لها. تتكرر هذه الفكرة بصور مختلفة عند أكثر من كاتب، فالكتابة سلسلة من المحاولات، قد ينجح بعضها وبعضها لا يصل إلى نهايته. كذلك تتحدث "إليزابيث جيلبرت" عن الصبر والرفض والزمن والثقة في الموهبة، وتستعرض "ج. ك. رولينج" تجربتها بين الفشل والخيال، وتربط "شيريل سترايد" الكتابة بالعمل والمثابرة وتحمل النقد.
في كل هذه جميعًا تتراجع أسطورة الكاتب الذي يستيقظ ذات صباح وقد اكتملت روايته في رأسه، فالكتابة، تبدو أقرب إلى حرفة شاقة، فيها الملل بقدر ما فيها المتعة، وفيها الشك بقدر ما فيها اليقين.
الكاتب مستكشفًا
ينظر الكتاب النظر إلى الإبداع باعتباره استكشافا لأرض لا يعرفها الكاتب بالكامل، فمثلا "مايكل تشابون" لا يمتلك خريطة كاملة قبل أن يبدأ؛ بل إن جزءًا من متعة الكتابة عنده يكمن في أن يعرف إلى أين يقوده النص أثناء العمل عليه، وهذا التصور يفسر لماذا يمكن أن تصبح الكتابة وسيلة للمعرفة.
هذه الفكرة تتخذ شكلًا مختلفًا عند "جين سمايلي"، حيث تصبح كتابة الشخصية وسيلة لاستكشاف الذات والعالم. أما "جون أبدايك" فيشير إلى أثر الكاتب في شخصياته. فالكاتب، مهما حاول أن يبتعد عن نصه، يترك شيئًا منه في شخصياته، في حساسيتها وطريقة رؤيتها للعالم، وربما في مخاوفها ورغباتها أيضًا. وهنا تتعقد العلاقة بين الكاتب وشخصياته: هل يصنعها الكاتب بالكامل، أم أنها، بعد أن تولد على الورق، تؤثر فيه وفي مسار الكتابة؟
الأدب والعالم
يتكرر في الكتاب الحديث عن علاقة الأدب بالعالم الذي يأتي منه، فيربط "توم وولف" يربط الكتابة الروائية بالملاحظة الدقيقة للواقع الاجتماعي، ويرى أن ظهور عدد من كبار الروائيين الأمريكيين ارتبط بقدرتهم على مراقبة زمانهم ومكانهم وتوثيق الحقائق الاجتماعية المحيطة بهم.
لكن "سو ميلر" ترى أن الحكاية قد تبدأ من واقعة حقيقية أو شخصية واقعية، لكن ذلك لا يحول العمل الأدبي إلى وثيقة تسجيلية. فالخيال يعيد تشكيل المادة التي يأخذها من الحياة، ويمنحها علاقات ودلالات لا تكون موجودة بالضرورة في الواقع الذي انطلقت منه، فالكاتب لا يستنسخ العالم، وإنما أن يعيد اكتشافه.
ولا يتوقف الكتاب عند التقنيات. ففي شهادة "جوي ويليامز"، مثلًا، تصبح الكتابة بحثًا عن المعنى، ولا يجب أن يكتفي الكاتب بمجرد التعبير عن نفسه، فالكتابة تنشأ من احتكاك الذات بالعالم، ومن الرغبة في فهم ما يبدو عصيًا على الفهم.
وفي النهاية، لا يقدم "بوصلة الكتابة وخرائط الأدب" إجابة نهائية عن سؤال الكتابة، وبالطبع لا يستطيع أي كتاب أن يفعل ذلك، لكنه يضعنا أمام كتّاب كبار وهم يتحدثون عن لحظات الضعف والشك والاكتشاف والفشل والعمل، وبالتالي يخفف من وهم أن الكتابة تجربة فردية معزولة، ويكشف أن كثيرًا من الأسئلة التي تلاحق الكاتب ليست جديدة، فقد رافقت كتّابًا كبارًا أيضًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...