خالد عطية - الفلسطيني السوري: ما وراء سؤال الجنسية

كتب الصديق محمد صفية على صفحته في فيسبوك، بتاريخ 28-09-2026، مقالاً بعنوان: «الجنسية للفلسطيني السوري.. قضية حقوق لا باب للاستجداء»، يفتح فيه ملفاً بالغ الحساسية والأهمية حول الموقع القانوني والحقوقي للفلسطينيين في سوريا، ويدعو إلى التعامل مع مسألة الجنسية باعتبارها قضية حق وقانون، لا منّة ولا استجداء.

وأجد في طرحه مدخلاً مهماً للنقاش، لكنني أظن أن أهمية السؤال تقتضي ألا نتوقف عند الجنسية بوصفها نهايته، بل أن نذهب إلى ما هو أبعد منها: إلى البنية التي أنتجت أصلاً هذا الوضع المعلّق، وإلى العلاقة بين الهوية الفلسطينية، والحقوق في بلد اللجوء، وحق العودة، وطبيعة الدولة، ودور الحامل الوطني الفلسطيني.

لذلك لا أتعامل مع ما طرحه محمد بمنطق «مع الجنسية أو ضدها»، وإنما أراه مناسبة لإعادة صياغة السؤال نفسه: هل الجنسية هي جوهر المشكلة، أم أنها أحد الخيارات القانونية الممكنة ضمن إعادة تعريف علاقة الفلسطيني السوري بالدولة والمجتمع والمكان؟
الفلسطيني السوري عاش في سوريا أكثر من سبعة عقود، وبنى فيها حياة كاملة، ولم يكن وجوده مجرد إقامة مؤقتة بالمعنى الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، فإن النظام القانوني السوري نفسه منح الفلسطينيين منذ قانون 260 لعام 1956 مساحة واسعة من الحقوق المدنية والاجتماعية، مع إبقاء استثناء الجنسية والحقوق السياسية المرتبطة بها. ولذلك فإن المسألة ليست ببساطة أن الفلسطيني حُرم من كل شيء، ولا أن الجنسية هي الحلقة الوحيدة الناقصة في علاقة معقدة تشكلت تاريخياً بين اللاجئ والدولة والمجتمع.
هنا تحديداً أرى أن النقاش يحتاج إلى أن يتحرر من الثنائية السهلة: إما الجنسية وإما الحفاظ على الهوية الفلسطينية. هذه الثنائية غير ضرورية. فالجنسية، في ذاتها، لا تلغي فلسطين، كما أن عدم الحصول عليها لا ينبغي أن يعني بقاء الفلسطيني في وضع قانوني أو اجتماعي ملتبس إلى الأبد. لكن السؤال الحقيقي هو: أي صيغة قانونية وسياسية تحقق للفلسطيني عدالة وجوده في سوريا، من دون أن تتحول هذه العدالة إلى تسوية لقضية اللجوء أو إلى إغلاق ضمني لسؤال العودة؟
وهنا أختلف قليلاً مع صياغة «لماذا يبقى الفلسطيني السوري لاجئاً في وطن وُلد فيه؟». سوريا قد تكون وطن حياته، بالمعنى الاجتماعي والإنساني، لكنها ليست بالضرورة «وطنه» بالمعنى الذي ينهي صفة اللجوء الفلسطيني أو يسقط حق العودة. وهذه التفرقة ليست لغوية؛ إنها جوهرية. لأن الخلط بين وطن الحياة والوطن الذي اقتُلع منه الفلسطيني قد يحوّل، من حيث لا نريد، حقاً تاريخياً وسياسياً إلى مسألة إقامة طويلة قابلة للتسوية النهائية.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام حق العودة ذريعة لإبقاء الفلسطيني في حالة انتظار دائمة، أو التعامل معه باعتباره «ضيفاً» بعد أن وُلدت أجيال كاملة في سوريا. هنا تكمن المفارقة التي يجب أن نعالجها: الفلسطيني لا ينبغي أن يُطلب منه أن يصبح سورياً كي يُعامل بعدالة، كما لا ينبغي أن يُعامل كغريب كي يحافظ على فلسطينيته.
لذلك أرى أن النقاش ينبغي أن يبدأ من مفهوم أوسع: عدالة الوجود.
أي ضمان كامل ومستقر للحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، وحق العمل والتملك والتعليم والتنقل والحماية القانونية، وعدم التمييز، وضمان الوثائق والاستقرار القانوني، مع فتح النقاش حول الجنسية بوصفها حقاً اختيارياً ممكناً لمن يرغب ويستوفي شروطاً واضحة، لا بوصفها مشروعاً جماعياً لمحو الصفة الفلسطينية أو إنهاء قضية اللاجئين.
والأهم أن لا تتحول الجنسية إلى مكافأة سياسية. لا للفلسطيني الذي وقف مع الثورة، ولا للفلسطيني الذي وقف مع النظام، ولا للفلسطيني الذي بقي محايداً. فالدولة الحديثة لا تمنح الجنسية على أساس السلوك السياسي، كما لا تسحب الحقوق من جماعة بسبب مواقف بعض أفرادها. وما كشفته الحرب السورية تحديداً هو خطورة تحويل الهوية الجماعية إلى مسؤولية جماعية. الفلسطينيون لم يكونوا كتلة واحدة، كما لم يكن السوريون كتلة واحدة؛ ولذلك ينبغي أن تُقرأ المسؤولية على أساس الفعل الفردي والسياسي المحدد، لا على أساس الأصل الفلسطيني.
لكنني أعتقد أن هناك سؤالاً آخر، وربما يكون أهم من سؤال الجنسية نفسه: لماذا وصل الفلسطيني في سوريا إلى لحظة يحتاج فيها إلى إعادة تعريف موقعه القانوني والاجتماعي بعد سبعة عقود؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة الفلسطينية.
لقد كشفت الحرب أن الفلسطيني قد يمتلك هوية، وتمثيلاً، وفصائل، ومنظمة تحرير، وقضية تحظى بشرعية دولية، لكنه قد يفتقد في لحظة الخطر إلى حامل وطني قادر على حماية وجوده. وهذه، في تقديري، هي العقدة التي ينبغي ألا يحجبها النقاش حول الجنسية.
فالمشكلة ليست فقط أن الفلسطيني لا يحمل الجنسية السورية؛ المشكلة الأعمق أنه وجد نفسه في لحظة تاريخية بين نظام دولة لا تمنحه الجنسية، وحركة وطنية لا تستطيع حمايته، ومجتمع دولي لا يملك آلية فعلية لحمايته، وقضية وطنية قد تتحول أحياناً من مصدر حماية إلى عبء على حاملها عندما تُستخدم سياسياً.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال الفلسطيني: هل نريد الجنسية السورية أم لا؟ فقط.
بل: كيف نبني علاقة عادلة بين الفلسطيني والدولة التي يعيش فيها، من دون أن نخسر علاقته بوطنه وحقه في العودة، وكيف نعيد بناء الحامل الوطني الذي يجعل الفلسطيني في الشتات صاحب حقوق ومصالح وتمثيل، لا مجرد ملف إغاثي عند الكوارث؟
الجنسية يمكن أن تكون جزءاً من الإجابة. لكنها لا يمكن أن تكون الإجابة كلها.
فاللاجئ الذي يحصل على جنسية لا يستعيد بالضرورة بيته الأول، كما أن من لا يحصل عليها لا ينبغي أن يبقى بلا حماية أو حقوق. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة من السياسة والقانون والعدالة لم تُستنفد بعد.
وأظن أن هذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة الجديدة: أن تستطيع سوريا أن تقول للفلسطيني: أنت جزء من هذه البلاد من دون أن تتخلى عن فلسطين؛ وأن تستطيع الحركة الوطنية الفلسطينية أن تقول له في الوقت نفسه: حقوقك في المكان الذي تعيش فيه لا تنتقص من حقك في المكان الذي اقتُلعت منه.
عندها فقط يصبح النقاش حول الجنسية نقاشاً حقوقياً فعلاً، لا نقاشاً حول الهوية.
فالمطلوب ليس أن نختار بين فلسطين وسوريا، بل أن نرفض أن يُجبر الفلسطيني مرة أخرى على الاختيار.
الجنسية قد تكون حقاً؛ لكن عدالة الوجود هي السؤال الأوسع، والحامل الوطني هو السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...