الجولان بين ثبات السيادة السورية وحسابات الأمن الإسرائيلي

الجولان بين ثبات السيادة السورية وحسابات الأمن الإسرائيلي

هل يغيّر الشرع قواعد التفاوض ويعيد الملف إلى مرجعيته الدولية؟

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

عاد ملف الجولان السوري المحتل إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط، بعد أن أعاد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال مشاركته في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تثبيت موقف دمشق بأن الجولان أرض سورية، بالتوازي مع تأكيده أن سورية لا تغلق باب التفاوض، وأن السلام ممكن إذا قام على الحقوق والالتزامات المتبادلة.

وتكتسب هذه المواقف أهمية تتجاوز حدود السجال السوري–الإسرائيلي؛ لأنها تأتي في لحظة تحاول فيها إسرائيل، وفق خطاب مسؤوليها، إعادة تعريف البيئة الأمنية في جنوب سورية على أساس التهديدات المحتملة، والوجود العسكري في المنطقة العازلة ومحيط جبل الشيخ، فيما تسعى دمشق إلى إعادة النقاش إلى قاعدة أكثر وضوحاً: الأمن يمكن التفاوض بشأنه، أما السيادة فلا تُحسم بالوقائع العسكرية وحدها.

وفي هذا السياق، قال الشرع إن الجولان «سيبقى أرضاً سورية»، وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد، وبالعودة إلى ترتيبات فك الاشتباك لعام 1974، مع إبقاء باب السلام مفتوحاً. وفي المقابل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تنسحب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية، وأن الجولان سيبقى، وفق الموقف الإسرائيلي، جزءاً من إسرائيل.

الجولان بين السياسة والمرجعية القانونية

الموقف القانوني الدولي بشأن الجولان لا يبدأ من التطورات الراهنة، بل من قرارات أممية واضحة.

فمجلس الأمن أصدر القرار 497 لعام 1981 بالإجماع، واعتبر قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل «باطلاً ولاغياً ومن دون أثر قانوني دولي»، وطالب إسرائيل بإلغاء ذلك القرار. كما أكد استمرار انطباق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي السورية المحتلة منذ عام 1967.

وهذه المرجعية تفسر لماذا لا يمكن التعامل مع الجولان ببساطة باعتباره ملفاً سياسياً انتهى بمجرد إعلان طرف واحد موقفه منه.

ومن الناحية القانونية، ينبغي التفريق بين الاعتراف السياسي الذي تمنحه دولة لدولة أخرى وبين القدرة القانونية على نقل السيادة على إقليم. ففي 25 آذار/مارس 2019، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعلاناً اعترفت بموجبه الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. وهذا كان قراراً سياسياً أميركياً، وليس اتفاقاً دولياً لنقل ملكية الإقليم من سورية إلى إسرائيل.

ومن هنا تأتي دقة الموقف الذي ينسب إلى الشرع عندما يؤكد أن الجولان ليس ملكاً شخصياً لرئيس سوري حتى يتصرف به؛ فالمسألة، من منظور الدولة السورية، تتصل بالسيادة والإقليم والحقوق الوطنية، وليس بقرار شخصي يمكن أن يكون موضوع مقايضة سياسية.

هدوء الشرع ومعادلة التفاوض

الأكثر أهمية في الموقف السوري ليس مجرد التمسك بالجولان، وإنما الجمع بين هذا التمسك وبين إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.

فالشرع لم يقدم، في خطابه الأخير، معادلة تقوم على رفض التفاوض من حيث المبدأ، بل تحدث عن إمكانية السلام، وربط ذلك بحفظ الحقوق وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها داخل الأراضي السورية بعد سقوط النظام السابق. كما تحدث عن محادثات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية وعن إمكانية التوصل إلى ترتيبات أمنية.

وهذه المعادلة تضع المفاوضات أمام سؤال أساسي: هل تكون الترتيبات الأمنية مدخلاً إلى تسوية سياسية، أم تتحول الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم؟

فمن منظور دمشق، يبدو أن المطلوب هو منع تحويل الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى تغيير دائم في الخريطة. أما إسرائيل فتقول إن وجودها العسكري مرتبط باعتبارات أمنية وبمنع تحول الحدود السورية إلى مصدر تهديد.

وهنا تحديداً تكمن العقدة الرئيسية.

من الجولان إلى جبل الشيخ والمنطقة العازلة

بعد سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة ومناطق أخرى في جنوب سورية، فيما تؤكد إسرائيل أن وجودها يرتبط بالاعتبارات الأمنية وبالتطورات الجديدة داخل سورية.

وقد كرر كاتس في آب/أغسطس 2026 أن إسرائيل لن تنسحب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية ما دامت ترى وجود تهديدات على حدودها.

غير أن استمرار هذا الوضع يفتح سؤالاً استراتيجياً يتجاوز الاعتبارات الأمنية الآنية: متى ينتهي الإجراء الأمني وتبدأ سياسة فرض الوقائع؟

وهذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالشعارات، وإنما يحتاج إلى ترتيبات واضحة ومحددة زمنياً وقابلة للتحقق، بحيث يتم الفصل بين متطلبات الأمن وبين تغيير الوضع القانوني أو الإقليمي للأراضي.

ومن هنا فإن العودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، كما تطالب دمشق، ليست مجرد عودة إلى وثيقة تاريخية، بل محاولة لإعادة تنظيم الحدود على أساس ترتيبات معروفة بدلاً من ترك الوضع الميداني مفتوحاً على احتمالات غير محددة.

مفارقة الموقف الإسرائيلي

اللافت أن الخطاب الإسرائيلي نفسه يجمع بين مسارين متوازيين: الأول يتمثل في التشديد على أن الجولان جزء من إسرائيل، والثاني في التركيز على التهديدات الأمنية القادمة من سورية.

وهذا يخلق تمييزاً مهماً بين مسألة السيادة على الجولان وبين مسألة الترتيبات الأمنية في جنوب سورية.

فحتى لو كانت لدى إسرائيل هواجس أمنية مشروعة من منظورها، فإن معالجة هذه الهواجس لا تعني بالضرورة حسم قضية السيادة الإقليمية، كما أن تمسك سورية بالجولان لا يمنع من بحث ترتيبات أمنية تحول دون استخدام الأراضي السورية لتهديد أي طرف.

وهذه المساحة تحديداً يمكن أن تكون مدخلاً واقعياً للدبلوماسية إذا توافرت الإرادة السياسية.

لماذا يثير خطاب الشرع اهتماماً إسرائيلياً؟

السبب ليس في ارتفاع سقف الخطاب السوري، بل ربما في العكس تماماً.

فالخطاب الذي يجمع بين الهدوء السياسي، والتمسك بالسيادة، والاستعداد للتفاوض يصعب اختزاله في خطاب تصعيدي يمكن مواجهته أمنياً فقط.

كما أن نقل القضية إلى الأمم المتحدة يضعها أمام مرجعيات دولية وقانونية قائمة، بدلاً من حصرها في ميزان القوة على الحدود.

ولهذا يمكن قراءة التصريحات الإسرائيلية الأخيرة باعتبارها محاولة واضحة لتأكيد أن الاعتبارات الأمنية ستظل عاملاً مركزياً في السياسة الإسرائيلية تجاه سورية. وهذه قراءة تستند إلى التصريحات المعلنة للمسؤولين الإسرائيليين، ولا تستلزم افتراض دوافع غير معلنة.

المعركة الحقيقية: من يحدد قواعد المرحلة المقبلة؟

المعادلة السورية الجديدة، إذا استمرت على هذا النحو، قد تدفع الملف إلى مرحلة مختلفة: السلام لا يعني التنازل عن الحقوق، والأمن لا يعني بالضرورة تثبيت الاحتلال، والتفاوض لا يعني الاعتراف المسبق بالوقائع التي نشأت بالقوة.

وهنا تبرز أهمية القانون الدولي باعتباره إطاراً لضبط الخلاف، لا بديلاً عن السياسة.

فالقرار 497 لم يمنع استمرار الاحتلال على الأرض، لكنه أبقى الوضع القانوني للضم موضع رفض دولي واضح. كما أن تقارير الأمم المتحدة اللاحقة واصلت التعامل مع الجولان باعتباره أرضاً سورية محتلة، مع التأكيد على انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني عليه.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختلاط الملفات: أن تتحول المخاوف الأمنية إلى ذريعة لتكريس واقع إقليمي دائم، أو أن يتحول التمسك بالسيادة إلى سبب لإغلاق الباب أمام الترتيبات الأمنية الضرورية.

المخرج الأكثر قابلية للاستمرار، من منظور دبلوماسي، هو الفصل بين المسارين: ترتيبات أمنية واضحة وقابلة للتحقق من جهة، ومعالجة قضية السيادة والحدود وفق المرجعيات القانونية والسياسية المعترف بها من جهة أخرى.

الخلاصة

الجولان لم يصبح من الماضي، كما أن إعلان أي طرف تمسكه بموقفه لا يحسم وحده النزاع.

لكن الجديد أن دمشق تحاول تقديم معادلة مختلفة: لا مواجهة عسكرية شاملة، ولا تنازل عن الجولان، ولا إغلاق لباب التفاوض، ولا قبول بتحويل الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى تسوية دائمة.

وفي المقابل، تتمسك إسرائيل بمنظور أمني يقوم على الاحتفاظ بوجود عسكري في مناطق جنوب سورية تراها ضرورية لأمنها، إلى جانب موقفها المعروف من الجولان.

وبين هذين المسارين، ستكون المرحلة المقبلة اختباراً للدبلوماسية أكثر من كونها اختباراً للتصريحات.

فإذا نجحت الأطراف في الفصل بين الأمن والسيادة، يمكن أن يصبح التفاوض أداة لإدارة النزاع وصولاً إلى تسوية. أما إذا تحولت الوقائع العسكرية المؤقتة إلى حدود دائمة، فإن ذلك سيجعل التسوية أكثر تعقيداً، وسيعيد المنطقة إلى دائرة جديدة من النزاع على الأرض والقانون والشرعية.

إن هدوء دمشق لا يعني غياب أدوات الضغط، كما أن التصعيد الميداني لا يعني بالضرورة حسم المعركة. وفي نهاية المطاف، ستظل المسألة الأساسية: هل تستطيع الدبلوماسية أن تنتج ترتيبات أمنية تحمي الجميع، من دون أن تتحول إلى غطاء لتغيير الوضع الإقليمي والقانوني القائم؟

هذا هو السؤال الحقيقي الذي يواجه سورية وإسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع الدولي في المرحلة المقبلة.

المحامي علي أبوحبلة

باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...