عرض /محمد عباس محمد عرابي
تعد مجلة «العربي» الكويتية واحدة من التجارب الثقافية العربية الأكثر رسوخًا واستمرارًا؛ إذ استطاعت منذ صدور عددها الأول في ديسمبر 1958 برئاسة العالم الموسوعي الدكتور أحمد زكي (رجمه الله )أن تتجاوز حدود المجلة التقليدية، لتغدو مشروعًا معرفيًا عربيًا واسع الأفق.
وقد نشأت مجلة «العربي» في لحظة تاريخية كانت الثقافة العربية فيها بحاجة إلى منبر يستطيع أن يجمع بين المعرفة والمتعة، والأصالة والمعاصرة، والخصوصية العربية والانفتاح على العالم. فجاءت المجلة حاملة رسالة ثقافية تتجاوز الجغرافيا السياسية، وتخاطب القارئ العربي أينما كان، مستندة إلى لغة عربية رصينة، وإلى تنوع موضوعي جعلها تقترب من مختلف مجالات المعرفة الإنسانية والعلمية والأدبية.
ومنذ بدايتها، ارتبط اسم مجلة «العربي» بفكرة التواصل الثقافي العربي؛ فشعارها الدال «يكتبها عرب ليقرأها كل العرب» يلخص فلسفة تقوم على إنتاج المعرفة داخل الفضاء العربي وتداولها بين أبنائه. وقد وصف القرار الكويتي بنقل تبعية المجلة إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 2018 أهميتها بأنها من الأدوات الفاعلة في تعزيز دور الكويت الثقافي في الوطن العربي، والحفاظ على تراثها الثقافي والتاريخي.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة «العربي» لا باعتبارها تاريخ مجلة فحسب، وإنما باعتبارها تاريخًا متصلًا لجهد عربي في صناعة المعرفة وتوسيع دوائر الثقافة ونشر قيم الحوار والانفتاح والاستنارة.
المحور الأول: «العربي»؛ النشأة وتأسيس المشروع الثقافي
لم تولد مجلة «العربي» من فراغ، وإنما جاءت ثمرة وعي مبكر بأهمية وجود مجلة ثقافية عربية ذات أفق يتجاوز الحدود المحلية. فقد انطلقت فكرة إصدارها من مجموعة من الشباب الكويتي الذين تخرجوا في الجامعات المصرية، ورأوا ضرورة إنشاء منبر يعنى بالثقافة العربية ويتيح للقارئ العربي الاطلاع على مختلف ميادين المعرفة.
وتبلورت الفكرة من خلال الاتصالات الرسمية التي انتهت إلى اعتماد إنشاء مجلة ثقافية علمية متنوعة، تحظى بالدعم المؤسسي في دولة الكويت. وشُكلت لجنة عام 1957 برئاسة أحمد السقاف للإعداد للمشروع، ثم وقع الاختيار على الدكتور أحمد زكي ليكون أول رئيس تحرير للمجلة.
وهكذا صدر العدد الأول في ديسمبر 1958، لتبدأ رحلة طويلة ، وهي مدة محدودة قياسًا إلى عمر المجلة الممتد. ومنذ أعدادها الأولى اتسعت دائرة المشاركين فيها، واستقطبت أسماء بارزة من الأدباء والشعراء والعلماء والمفكرين العرب، ومن بينهم طه حسين، وعباس محمود العقاد، ونجيب محفوظ، ونزار قباني، ويوسف إدريس، وصلاح عبد الصبور، وإحسان عباس وغيرهم.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص التجربة؛ فالمجلة لم تعتمد على كاتب واحد أو اتجاه فكري ضيق، وإنما فتحت صفحاتها أمام تعدد الأصوات العربية، الأمر الذي منحها قدرة على تمثيل مساحة واسعة من المشهد الثقافي العربي.
المحور الثاني: «العربي» جسر ثقافي بين أقطار الوطن العربي
من أهم الأدوار التي اضطلعت بها المجلة أنها أسهمت في بناء فضاء ثقافي مشترك بين أبناء العربية. فالقارئ في المشرق كان يجد في صفحاتها أخبارًا وقضايا وأدبًا من المغرب، والقارئ في الخليج يطالع نتاج المشرق، بينما يتعرف القارئ العربي عمومًا على ثقافات بلدان عربية وإسلامية وأجنبية.
وهذا الدور يتجاوز مجرد نقل المعلومات؛ إذ أسهم في تكوين صورة أوسع للثقافة العربية، تقوم على التعارف والتفاعل وتبادل الخبرات. فالاختلاف الجغرافي لا يعني بالضرورة الانفصال الثقافي، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر ثراء حين يجد منصة تجمعه.
وقد حافظت مجلة «العربي» على هذا البعد العابر للأقطار من خلال استكتاب الكتاب والمفكرين من بلدان عربية مختلفة، فضلًا عن استطلاعاتها التي بدأت في سنواتها الأولى بالمدن العربية، ثم اتسعت لاحقًا لتشمل مدنًا عربية وإسلامية وعالمية.
وبذلك أصبحت المجلة نوعًا من الخريطة الثقافية المفتوحة التي يتعرف القارئ من خلالها على وطنه العربي في تعدده وتنوعه، وعلى العالم من منظور عربي منفتح.
المحور الثالث: تنوع المعرفة؛ من الأدب إلى العلم والتاريخ والفنون
ربما كان سر استمرار «العربي» في الذاكرة الثقافية العربية مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرتها على تجاوز التخصص الضيق. فهي لم تقدم نفسها باعتبارها مجلة أدبية محضة، ولا مجلة علمية خالصة، وإنما أقامت مشروعها على تكامل المعرفة.
ففي صفحاتها التقت موضوعات الأدب والشعر والفكر والتاريخ والتراث والفنون والعلوم وقضايا المجتمع والإنسان والبيئة، بحيث يستطيع القارئ أن ينتقل من قضية فكرية إلى موضوع علمي، ومن مقال أدبي إلى تحقيق ثقافي، دون أن يشعر بانقطاع بين مجالات المعرفة.
وتكشف أبواب المجلة عن هذا التنوع؛ فهناك «فكر»، و«ملف العدد»، و«أدب»، و«مستقبليات»، و«استطلاعات»، و«فن»، و«الإنسان والبيئة»، و«الثقافة الإلكترونية»، و«جمال العربية»، فضلًا عن «منتدى الحوار» و«المسابقة الثقافية» وغيرها.
وهذا التنوع لم يكن مجرد تعدد في الأبواب، وإنما كان تعبيرًا عن رؤية معرفية ترى أن الثقافة الحقيقية لا تعرف الجدران الفاصلة بين فروع المعرفة؛ فالأدب يضيء الإنسان، والعلم يفسر العالم، والتاريخ يفسر الحاضر، والفن يوسع الحس الجمالي، والفكر يمنح المعرفة قدرتها على النقد والتأمل.
المحور الرابع: الحفاظ على العربية وتعزيز مكانتها الثقافية
احتلت اللغة العربية مكانة مركزية في مشروع «العربي»، ليس باعتبارها أداة للتعبير فحسب، وإنما باعتبارها وعاء للهوية ووسيلة لبناء الوعي المشترك.
وقد حرصت المجلة على تقديم موضوعاتها بلغة عربية سليمة، تجمع بين الفصاحة والوضوح، وتبتعد عن التعقيد الذي يحول دون وصول المعرفة إلى القارئ العام. ومن هنا جمعت «العربي» بين الرصانة العلمية وسهولة العرض، فكانت المعرفة المتخصصة تعاد صياغتها في خطاب يستطيع القارئ غير المتخصص أن يتفاعل معه.
وتؤكد الندوة التي عقدتها المجلة بالتعاون مع اليونسكو عام 2008 تحت عنوان «مجلة العربي ولغتها العربية: نصف قرن من المعرفة والاستنارة» أن اللغة كانت جزءًا أصيلًا من هويتها الثقافية، وليست مجرد وسيلة تقنية لنقل المحتوى.
ومن هنا أسهمت المجلة في تكريس صورة للعربية قادرة على استيعاب الأدب والعلوم والفكر والفنون، وقادرة كذلك على مخاطبة قضايا العصر بلغة تجمع بين الأصالة والمرونة.
المحور الخامس: الأدب والشعر واكتشاف المواهب
كان الأدب أحد المكونات الأساسية في مشروع «العربي»، وقد أتاحت المجلة صفحاتها لأجيال متعاقبة من الأدباء والشعراء، الأمر الذي جعل أرشيفها سجلًا مهمًا من سجلات الحركة الأدبية العربية الحديثة.
فمن خلال أبوابها الأدبية، ومنها «شاعر العدد» و«أوراق أدبية»، قدمت المجلة للقارئ نماذج من الشعر والنثر، وعرّفته بأعلام الأدب العربي وتجاربهم، كما أتاحت الفرصة للتعرف إلى نصوص واتجاهات جديدة.
ولم يقتصر دورها على الاحتفاء بالأسماء المعروفة، بل اتجهت كذلك إلى تشجيع المواهب الجديدة، كما يتضح في مشروعاتها المرتبطة بالقصة القصيرة والمسابقات الثقافية. ومن أبرز الأمثلة مشروع «قصص على الهواء» الذي ارتبط بالتعاون مع إذاعة BBC العربية لاكتشاف الإبداعات الجديدة وتشجيعها.
وهكذا أدت المجلة دورًا مزدوجًا: حفظ المنجز الأدبي العربي، وفتح الطريق أمام المنجز الذي لم يكتمل بعد.
المحور السادس: مجلة «العربي» وصناعة القارئ المثقف
لا تقتصر أهمية مجلة «العربي» على المادة التي نشرتها، وإنما تمتد إلى القارئ الذي أسهمت في تكوينه.
فالمجلة الثقافية الناجحة لا تملأ وقت القارئ فحسب، بل تعيد تشكيل علاقته بالقراءة والمعرفة. ومن خلال تنوع الموضوعات، والاستطلاعات، والحوار، والملفات، والمسابقات، والمواد الأدبية والعلمية، استطاعت «العربي» أن تخاطب شرائح متعددة من القراء، وأن تقدم الثقافة في صورة تجمع بين الفائدة والمتعة.
ومن اللافت أن بعض مواد «العربي» لم تبقَ حبيسة صفحاتها، بل أعيد نشرها في صورة كتب ضمن سلسلة «كتاب العربي» التي بدأت عام 1984، حيث أعيد تقديم مواد مختارة في كتب مستقلة أكثر تركيزًا، بما يتيح إعادة قراءتها في سياق جديد.
وهذا يعني أن المجلة لم تكن مجرد محطة عابرة للمعلومة، وإنما أسهمت في إعادة تدوير المعرفة وترسيخها في الذاكرة الثقافية.
المحور السابع: «العربي» والطفولة؛ بناء الوعي من الجيل المبكر
من الإنجازات المهمة في المشروع الثقافي للمجلة ظهور مجلة «العربي الصغير»، التي وجهت خطابها إلى الأطفال والناشئة، إدراكًا منها أن بناء الثقافة لا يبدأ بعد اكتمال شخصية الإنسان، وإنما يبدأ منذ السنوات الأولى.
وقد صدر «العربي الصغير» في صورة مجلة مستقلة في فبراير 1986، بعد أن كان ملحقًا صغيرًا مع «العربي». واستهدفت المجلة الأطفال والفتيان والفتيات، وقدمت لهم المعرفة مقرونة بالترفيه، وأتاحت لهم التعرف إلى الأدب العالمي، فضلًا عن فتح نافذة على الإنترنت والتفاعل مع المجلة وإرسال المشاركات.
وتتجاوز أهمية هذه التجربة الجانب الصحفي؛ فهي تمثل تصورًا تربويًا يرى أن الطفل قارئ اليوم ومثقف الغد، وأن بناء الشخصية العربية المتوازنة يحتاج إلى معرفة تجمع بين الأدب والعلم والمتعة والقيم والانفتاح.
وقد تجاوز أثر «العربي الصغير» حدود القراءة الفردية، إذ أشير إلى الاستفادة من بعض نصوصها في كتب المناهج الدراسية في بعض المدارس العربية، وإلى إجراء دراسات أكاديمية حولها في بعض الجامعات.
المحور الثامن: نشر الثقافة العلمية وتقريب العلم إلى القارئ العربي
لم تنظر «العربي» إلى العلم بوصفه شأنًا خاصًا بالمتخصصين، بل عملت على تقريب المعرفة العلمية من القارئ العام. وقد تعزز هذا الاتجاه بإصدار «العربي العلمي»، الذي خصص لنشر الثقافة والوعي العلمي.
وتنوعت أبواب «العربي العلمي» بين القضايا العلمية المستقبلية، والاكتشافات الحديثة في التكنولوجيا والإنترنت والفلك والطب، والإجابة عن أسئلة القارئ، والحوار مع المتخصصين، وعرض الكتب العلمية، فضلًا عن الأخبار والأبحاث العلمية المترجمة.
وتكمن القيمة الثقافية لهذا الاتجاه في أنه أسهم في مقاومة الصورة النمطية التي تفصل بين الثقافة والعلم؛ فالثقافة في مفهومها الواسع ليست معرفة أدبية فقط، وإنما هي وعي بالإنسان والعالم وقوانينهما وتحولاتهما.
المحور التاسع: الندوات الثقافية وصناعة الحوار العربي
لم يقتصر نشاط «العربي» على النشر، وإنما امتد إلى صناعة الحوار المباشر بين المثقفين والباحثين والأكاديميين من مختلف أنحاء العالم العربي.
وقد أقامت المجلة ندوات سنوية تناولت قضايا متنوعة، مثل الثقافة العربية في ظل وسائط الاتصال الحديثة، والإبداع العربي المعاصر، والمجلات الثقافية ودورها في الإصلاح الثقافي، والثقافة العلمية واستشراف المستقبل العربي، وحوار المشارقة والمغاربة، والثقافة العربية وآفاق النشر الإلكتروني.
وتكشف هذه الموضوعات عن تطور مفهوم الثقافة في خطاب المجلة؛ فهي لم تتعامل معها بوصفها تراثًا ساكنًا، وإنما بوصفها مشروعًا متجددًا يواجه أسئلة الحاضر ويستشرف المستقبل.
المحور العاشر: «العربي» والتحول الرقمي؛ من الورق إلى الفضاء المفتوح
كان من أبرز التحديات التي واجهت المجلة في العقود الأخيرة التحول الكبير في وسائل إنتاج المعرفة وتلقيها. فبعد أن كان الورق هو الوعاء الأساسي للثقافة، ظهرت شبكة الإنترنت ثم وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وأصبح القارئ أكثر سرعة في الوصول إلى المعلومة وأكثر تنوعًا في مصادرها.
وقد تعاملت «العربي» مع هذا التحول بوصفه فرصة لإعادة توسيع مجال انتشارها، فأطلقت موقعها الإلكتروني عام 2000، وأسهم ذلك في إتاحة أرشيفها ودعم حضور المحتوى الثقافي العربي على الإنترنت. كما تطورت تجربتها الرقمية لاحقًا مع وسائل التواصل والمنصات الإلكترونية.
وتبرز أهمية هذا التحول في أن المجلة لم تتعامل مع التقنية بوصفها تهديدًا للثقافة الورقية، بل باعتبارها وسيطًا جديدًا يمكن أن يحمل المشروع الثقافي إلى جمهور أوسع.
وفي ظل الذكاء الاصطناعي وتدفق المعلومات غير المسبوق، تزداد أهمية المجلات الثقافية الرصينة في التحقق والاختيار والتفسير؛ إذ لم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، وإنما في القدرة على التمييز بين المعرفة الموثوقة والمحتوى المضلل. وقد تناولت المجلة هذه التحولات وقضايا المصداقية والشائعات في سياق حديثها عن مستقبل الإعلام الثقافي.
المحور الحادي عشر: «العربي» بوصفها ذاكرة ثقافية عربية
بعد عقود طويلة من الاستمرار، أصبح أرشيف مجلة «العربي» أشبه بمكتبة ثقافية ضخمة تحفظ جانبًا مهمًا من تحولات الفكر والأدب والعلم والمجتمع العربي.
وتكتسب الأرشفة الرقمية هنا قيمة استثنائية؛ إذ يتيح موقع المجلة للقراء تصفح أعداد كثيرة من أرشيفها، إلى جانب إصدارات أخرى مثل «العربي الصغير» و«العربي العلمي» وسلسلة «كتاب العربي» وملحق «البيت العربي».
وبهذا لم تعد المجلة مجرد مطبوعة شهرية؛ فقد تحولت تدريجيًا إلى مستودع للذاكرة الثقافية العربية يمكن للباحث والقارئ والطالب العودة إليه لدراسة موضوعات واتجاهات وأسماء ونصوص شكلت جانبًا من المشهد الثقافي العربي الحديث.
المحور الثاني عشر: أثر «العربي» في ترسيخ الحضور الثقافي للكويت
لا يمكن فصل تجربة «العربي» عن الدور الثقافي الذي اضطلعت به دولة الكويت في المجال العربي؛ فقد أصبحت المجلة إحدى أبرز الأدوات التي أسهمت في إيصال الحضور الثقافي الكويتي إلى مختلف البلدان العربية.
ولعل الدلالة الأوضح على مكانتها المؤسسية أن مجلس الوزراء الكويتي وافق عام 2017 على نقل تبعية المجلة إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ارتباطًا بأهميتها في تعزيز ونشر الثقافة والمعرفة في الوطن العربي والحفاظ على تراثها الثقافي والتاريخي.
وهكذا أصبحت «العربي» أحد وجوه القوة الناعمة الثقافية للكويت، لا من خلال الخطاب السياسي المباشر، وإنما من خلال المعرفة والأدب والفن واللغة والحوار والانفتاح على الإنسان العربي والعالم.
المحور الثالث عشر: عوامل استمرار التجربة وفاعليتها
يمكن رد جانب مهم من نجاح «العربي» واستمرار حضورها إلى مجموعة من العوامل المتداخلة:
أولًا: وضوح الرسالة الثقافية:
فالمجلة لم تفقد هويتها رغم تغير الأزمنة والموضوعات.
ثانيًا: التنوع المعرفي:
فهي لم تحصر الثقافة في الأدب، وإنما قدمت العلم والفكر والتاريخ والفن والمجتمع والتراث.
ثالثًا: الانفتاح على الأقلام العربية:
استضافت أجيالًا مختلفة من الكتاب والمفكرين والشعراء والعلماء.
رابعًا: العناية باللغة العربية:
قدمت المعرفة في عربية فصيحة واضحة، وهو ما جعلها قريبة من القارئ العام دون التفريط في الرصانة.
خامسًا: القدرة على التجدد:
فالأبواب تغيرت وتطورت وفق التحولات العلمية والثقافية والاجتماعية.
سادسًا: مخاطبة الأجيال الجديدة:
من خلال «العربي الصغير» والإصدارات العلمية والحضور الرقمي.
سابعًا: الجمع بين الثقافة والوسيلة:
فالمجلة لم تتمسك بالورق على حساب التقنية، بل انتقلت تدريجيًا إلى البيئة الرقمية.
خاتمة
بعد أكثر من ستة عقود على صدورها، تبدو مجلة «العربي» تجربة تتجاوز مفهوم المجلة الدورية إلى مفهوم المشروع الثقافي العربي المستمر. فقد بدأت من فكرة محددة تتمثل في إنشاء مجلة تعنى بالثقافة العربية، ثم تحولت مع الزمن إلى فضاء واسع تتقاطع فيه الأدبيات والعلوم والفنون والتاريخ والتراث والفكر وقضايا الإنسان.
لقد أسهمت «العربي» في تقريب الثقافة من القارئ، وفي نقل المعرفة بين أقطار الوطن العربي، وفي تقديم الأدب العربي وإتاحة منبر للأقلام المعروفة والجديدة، وفي تعريف القارئ بثقافات العالم، وفي تقريب العلم من غير المتخصصين، وفي مخاطبة الطفل من خلال «العربي الصغير»، وفي إعادة نشر المعرفة في صورة كتب، ثم في الانتقال إلى البيئة الرقمية.
ولعل أعظم ما يميز تجربتها أنها لم تتعامل مع الثقافة باعتبارها ترفًا، وإنما باعتبارها ضرورة لبناء الإنسان ووعيه وهويته وقدرته على فهم العالم. ومن ثم فإن قيمة «العربي» لا تقاس بعدد أعدادها أو سنوات صدورها وحدها، وإنما بما تركته من أثر في عادات القراءة، وفي حركة المعرفة العربية، وفي الذاكرة الثقافية لأجيال متعاقبة من القراء.
وإذا كان العالم العربي يعيش اليوم عصرًا تتسارع فيه المعلومة وتتعدد فيه المنصات وتتداخل فيه مصادر المعرفة، فإن الحاجة إلى المنبر الثقافي الرصين لا تتراجع، بل تزداد؛ لأن وفرة المعلومات لا تغني عن الاختيار والتفسير والتحقق وإعادة بناء المعنى.
ومن هنا يمكن القول إن تجربة «العربي» تمثل درسًا ثقافيًا مهمًا في أن المؤسسة المعرفية لا تحافظ على حضورها بالجمود، وإنما تحافظ على جوهر رسالتها مع قدرتها المستمرة على تجديد أدواتها. ولهذا بقيت «العربي» حاضرة في المشهد الثقافي العربي، شاهدة على عقود من التحول، وحاملة لذاكرة معرفية تجمع بين ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون.
المراجع :
ويكيبيديا، الموسوعة الحرة ) مجلة العربي
دور مجلة “العربي ” في ترويج الثقافة والتراث العربي
الكتاب الثالث- العدد الثالث / بواسطة مجلة اللغة / يوليو 1, 2017
محمد شريف دور مجلة “العربي ” في ترويج الثقافة والتراث العربي – مجلة اللغة
https://chatgpt.com
للمزيد يتم الرجوع إلى
بدر سيد عبد الوهاب الرفاعي، إسهامات الكويت في الثقافة العربية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 363، مايو 2009م.
د. أحمد زكي، مجلة العربي، العدد الأول، ديسمبر 1958م. وباقي الأعداد
محمد سيد، موقع مجلة العربي على الإنترنت يحصل على تصميم جديد، مجلة التقنية، 4 سبتمبر 2013م.
صباح السوفيان، مجلة العربي؛ هدية الكويت للعرب، مجلة الراي، 25 فبراير 2016م.
أرشيف وموقع مجلة «العربي» وإصداراتها الثقافية والعلمية.
تعد مجلة «العربي» الكويتية واحدة من التجارب الثقافية العربية الأكثر رسوخًا واستمرارًا؛ إذ استطاعت منذ صدور عددها الأول في ديسمبر 1958 برئاسة العالم الموسوعي الدكتور أحمد زكي (رجمه الله )أن تتجاوز حدود المجلة التقليدية، لتغدو مشروعًا معرفيًا عربيًا واسع الأفق.
وقد نشأت مجلة «العربي» في لحظة تاريخية كانت الثقافة العربية فيها بحاجة إلى منبر يستطيع أن يجمع بين المعرفة والمتعة، والأصالة والمعاصرة، والخصوصية العربية والانفتاح على العالم. فجاءت المجلة حاملة رسالة ثقافية تتجاوز الجغرافيا السياسية، وتخاطب القارئ العربي أينما كان، مستندة إلى لغة عربية رصينة، وإلى تنوع موضوعي جعلها تقترب من مختلف مجالات المعرفة الإنسانية والعلمية والأدبية.
ومنذ بدايتها، ارتبط اسم مجلة «العربي» بفكرة التواصل الثقافي العربي؛ فشعارها الدال «يكتبها عرب ليقرأها كل العرب» يلخص فلسفة تقوم على إنتاج المعرفة داخل الفضاء العربي وتداولها بين أبنائه. وقد وصف القرار الكويتي بنقل تبعية المجلة إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 2018 أهميتها بأنها من الأدوات الفاعلة في تعزيز دور الكويت الثقافي في الوطن العربي، والحفاظ على تراثها الثقافي والتاريخي.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة «العربي» لا باعتبارها تاريخ مجلة فحسب، وإنما باعتبارها تاريخًا متصلًا لجهد عربي في صناعة المعرفة وتوسيع دوائر الثقافة ونشر قيم الحوار والانفتاح والاستنارة.
المحور الأول: «العربي»؛ النشأة وتأسيس المشروع الثقافي
لم تولد مجلة «العربي» من فراغ، وإنما جاءت ثمرة وعي مبكر بأهمية وجود مجلة ثقافية عربية ذات أفق يتجاوز الحدود المحلية. فقد انطلقت فكرة إصدارها من مجموعة من الشباب الكويتي الذين تخرجوا في الجامعات المصرية، ورأوا ضرورة إنشاء منبر يعنى بالثقافة العربية ويتيح للقارئ العربي الاطلاع على مختلف ميادين المعرفة.
وتبلورت الفكرة من خلال الاتصالات الرسمية التي انتهت إلى اعتماد إنشاء مجلة ثقافية علمية متنوعة، تحظى بالدعم المؤسسي في دولة الكويت. وشُكلت لجنة عام 1957 برئاسة أحمد السقاف للإعداد للمشروع، ثم وقع الاختيار على الدكتور أحمد زكي ليكون أول رئيس تحرير للمجلة.
وهكذا صدر العدد الأول في ديسمبر 1958، لتبدأ رحلة طويلة ، وهي مدة محدودة قياسًا إلى عمر المجلة الممتد. ومنذ أعدادها الأولى اتسعت دائرة المشاركين فيها، واستقطبت أسماء بارزة من الأدباء والشعراء والعلماء والمفكرين العرب، ومن بينهم طه حسين، وعباس محمود العقاد، ونجيب محفوظ، ونزار قباني، ويوسف إدريس، وصلاح عبد الصبور، وإحسان عباس وغيرهم.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص التجربة؛ فالمجلة لم تعتمد على كاتب واحد أو اتجاه فكري ضيق، وإنما فتحت صفحاتها أمام تعدد الأصوات العربية، الأمر الذي منحها قدرة على تمثيل مساحة واسعة من المشهد الثقافي العربي.
المحور الثاني: «العربي» جسر ثقافي بين أقطار الوطن العربي
من أهم الأدوار التي اضطلعت بها المجلة أنها أسهمت في بناء فضاء ثقافي مشترك بين أبناء العربية. فالقارئ في المشرق كان يجد في صفحاتها أخبارًا وقضايا وأدبًا من المغرب، والقارئ في الخليج يطالع نتاج المشرق، بينما يتعرف القارئ العربي عمومًا على ثقافات بلدان عربية وإسلامية وأجنبية.
وهذا الدور يتجاوز مجرد نقل المعلومات؛ إذ أسهم في تكوين صورة أوسع للثقافة العربية، تقوم على التعارف والتفاعل وتبادل الخبرات. فالاختلاف الجغرافي لا يعني بالضرورة الانفصال الثقافي، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر ثراء حين يجد منصة تجمعه.
وقد حافظت مجلة «العربي» على هذا البعد العابر للأقطار من خلال استكتاب الكتاب والمفكرين من بلدان عربية مختلفة، فضلًا عن استطلاعاتها التي بدأت في سنواتها الأولى بالمدن العربية، ثم اتسعت لاحقًا لتشمل مدنًا عربية وإسلامية وعالمية.
وبذلك أصبحت المجلة نوعًا من الخريطة الثقافية المفتوحة التي يتعرف القارئ من خلالها على وطنه العربي في تعدده وتنوعه، وعلى العالم من منظور عربي منفتح.
المحور الثالث: تنوع المعرفة؛ من الأدب إلى العلم والتاريخ والفنون
ربما كان سر استمرار «العربي» في الذاكرة الثقافية العربية مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرتها على تجاوز التخصص الضيق. فهي لم تقدم نفسها باعتبارها مجلة أدبية محضة، ولا مجلة علمية خالصة، وإنما أقامت مشروعها على تكامل المعرفة.
ففي صفحاتها التقت موضوعات الأدب والشعر والفكر والتاريخ والتراث والفنون والعلوم وقضايا المجتمع والإنسان والبيئة، بحيث يستطيع القارئ أن ينتقل من قضية فكرية إلى موضوع علمي، ومن مقال أدبي إلى تحقيق ثقافي، دون أن يشعر بانقطاع بين مجالات المعرفة.
وتكشف أبواب المجلة عن هذا التنوع؛ فهناك «فكر»، و«ملف العدد»، و«أدب»، و«مستقبليات»، و«استطلاعات»، و«فن»، و«الإنسان والبيئة»، و«الثقافة الإلكترونية»، و«جمال العربية»، فضلًا عن «منتدى الحوار» و«المسابقة الثقافية» وغيرها.
وهذا التنوع لم يكن مجرد تعدد في الأبواب، وإنما كان تعبيرًا عن رؤية معرفية ترى أن الثقافة الحقيقية لا تعرف الجدران الفاصلة بين فروع المعرفة؛ فالأدب يضيء الإنسان، والعلم يفسر العالم، والتاريخ يفسر الحاضر، والفن يوسع الحس الجمالي، والفكر يمنح المعرفة قدرتها على النقد والتأمل.
المحور الرابع: الحفاظ على العربية وتعزيز مكانتها الثقافية
احتلت اللغة العربية مكانة مركزية في مشروع «العربي»، ليس باعتبارها أداة للتعبير فحسب، وإنما باعتبارها وعاء للهوية ووسيلة لبناء الوعي المشترك.
وقد حرصت المجلة على تقديم موضوعاتها بلغة عربية سليمة، تجمع بين الفصاحة والوضوح، وتبتعد عن التعقيد الذي يحول دون وصول المعرفة إلى القارئ العام. ومن هنا جمعت «العربي» بين الرصانة العلمية وسهولة العرض، فكانت المعرفة المتخصصة تعاد صياغتها في خطاب يستطيع القارئ غير المتخصص أن يتفاعل معه.
وتؤكد الندوة التي عقدتها المجلة بالتعاون مع اليونسكو عام 2008 تحت عنوان «مجلة العربي ولغتها العربية: نصف قرن من المعرفة والاستنارة» أن اللغة كانت جزءًا أصيلًا من هويتها الثقافية، وليست مجرد وسيلة تقنية لنقل المحتوى.
ومن هنا أسهمت المجلة في تكريس صورة للعربية قادرة على استيعاب الأدب والعلوم والفكر والفنون، وقادرة كذلك على مخاطبة قضايا العصر بلغة تجمع بين الأصالة والمرونة.
المحور الخامس: الأدب والشعر واكتشاف المواهب
كان الأدب أحد المكونات الأساسية في مشروع «العربي»، وقد أتاحت المجلة صفحاتها لأجيال متعاقبة من الأدباء والشعراء، الأمر الذي جعل أرشيفها سجلًا مهمًا من سجلات الحركة الأدبية العربية الحديثة.
فمن خلال أبوابها الأدبية، ومنها «شاعر العدد» و«أوراق أدبية»، قدمت المجلة للقارئ نماذج من الشعر والنثر، وعرّفته بأعلام الأدب العربي وتجاربهم، كما أتاحت الفرصة للتعرف إلى نصوص واتجاهات جديدة.
ولم يقتصر دورها على الاحتفاء بالأسماء المعروفة، بل اتجهت كذلك إلى تشجيع المواهب الجديدة، كما يتضح في مشروعاتها المرتبطة بالقصة القصيرة والمسابقات الثقافية. ومن أبرز الأمثلة مشروع «قصص على الهواء» الذي ارتبط بالتعاون مع إذاعة BBC العربية لاكتشاف الإبداعات الجديدة وتشجيعها.
وهكذا أدت المجلة دورًا مزدوجًا: حفظ المنجز الأدبي العربي، وفتح الطريق أمام المنجز الذي لم يكتمل بعد.
المحور السادس: مجلة «العربي» وصناعة القارئ المثقف
لا تقتصر أهمية مجلة «العربي» على المادة التي نشرتها، وإنما تمتد إلى القارئ الذي أسهمت في تكوينه.
فالمجلة الثقافية الناجحة لا تملأ وقت القارئ فحسب، بل تعيد تشكيل علاقته بالقراءة والمعرفة. ومن خلال تنوع الموضوعات، والاستطلاعات، والحوار، والملفات، والمسابقات، والمواد الأدبية والعلمية، استطاعت «العربي» أن تخاطب شرائح متعددة من القراء، وأن تقدم الثقافة في صورة تجمع بين الفائدة والمتعة.
ومن اللافت أن بعض مواد «العربي» لم تبقَ حبيسة صفحاتها، بل أعيد نشرها في صورة كتب ضمن سلسلة «كتاب العربي» التي بدأت عام 1984، حيث أعيد تقديم مواد مختارة في كتب مستقلة أكثر تركيزًا، بما يتيح إعادة قراءتها في سياق جديد.
وهذا يعني أن المجلة لم تكن مجرد محطة عابرة للمعلومة، وإنما أسهمت في إعادة تدوير المعرفة وترسيخها في الذاكرة الثقافية.
المحور السابع: «العربي» والطفولة؛ بناء الوعي من الجيل المبكر
من الإنجازات المهمة في المشروع الثقافي للمجلة ظهور مجلة «العربي الصغير»، التي وجهت خطابها إلى الأطفال والناشئة، إدراكًا منها أن بناء الثقافة لا يبدأ بعد اكتمال شخصية الإنسان، وإنما يبدأ منذ السنوات الأولى.
وقد صدر «العربي الصغير» في صورة مجلة مستقلة في فبراير 1986، بعد أن كان ملحقًا صغيرًا مع «العربي». واستهدفت المجلة الأطفال والفتيان والفتيات، وقدمت لهم المعرفة مقرونة بالترفيه، وأتاحت لهم التعرف إلى الأدب العالمي، فضلًا عن فتح نافذة على الإنترنت والتفاعل مع المجلة وإرسال المشاركات.
وتتجاوز أهمية هذه التجربة الجانب الصحفي؛ فهي تمثل تصورًا تربويًا يرى أن الطفل قارئ اليوم ومثقف الغد، وأن بناء الشخصية العربية المتوازنة يحتاج إلى معرفة تجمع بين الأدب والعلم والمتعة والقيم والانفتاح.
وقد تجاوز أثر «العربي الصغير» حدود القراءة الفردية، إذ أشير إلى الاستفادة من بعض نصوصها في كتب المناهج الدراسية في بعض المدارس العربية، وإلى إجراء دراسات أكاديمية حولها في بعض الجامعات.
المحور الثامن: نشر الثقافة العلمية وتقريب العلم إلى القارئ العربي
لم تنظر «العربي» إلى العلم بوصفه شأنًا خاصًا بالمتخصصين، بل عملت على تقريب المعرفة العلمية من القارئ العام. وقد تعزز هذا الاتجاه بإصدار «العربي العلمي»، الذي خصص لنشر الثقافة والوعي العلمي.
وتنوعت أبواب «العربي العلمي» بين القضايا العلمية المستقبلية، والاكتشافات الحديثة في التكنولوجيا والإنترنت والفلك والطب، والإجابة عن أسئلة القارئ، والحوار مع المتخصصين، وعرض الكتب العلمية، فضلًا عن الأخبار والأبحاث العلمية المترجمة.
وتكمن القيمة الثقافية لهذا الاتجاه في أنه أسهم في مقاومة الصورة النمطية التي تفصل بين الثقافة والعلم؛ فالثقافة في مفهومها الواسع ليست معرفة أدبية فقط، وإنما هي وعي بالإنسان والعالم وقوانينهما وتحولاتهما.
المحور التاسع: الندوات الثقافية وصناعة الحوار العربي
لم يقتصر نشاط «العربي» على النشر، وإنما امتد إلى صناعة الحوار المباشر بين المثقفين والباحثين والأكاديميين من مختلف أنحاء العالم العربي.
وقد أقامت المجلة ندوات سنوية تناولت قضايا متنوعة، مثل الثقافة العربية في ظل وسائط الاتصال الحديثة، والإبداع العربي المعاصر، والمجلات الثقافية ودورها في الإصلاح الثقافي، والثقافة العلمية واستشراف المستقبل العربي، وحوار المشارقة والمغاربة، والثقافة العربية وآفاق النشر الإلكتروني.
وتكشف هذه الموضوعات عن تطور مفهوم الثقافة في خطاب المجلة؛ فهي لم تتعامل معها بوصفها تراثًا ساكنًا، وإنما بوصفها مشروعًا متجددًا يواجه أسئلة الحاضر ويستشرف المستقبل.
المحور العاشر: «العربي» والتحول الرقمي؛ من الورق إلى الفضاء المفتوح
كان من أبرز التحديات التي واجهت المجلة في العقود الأخيرة التحول الكبير في وسائل إنتاج المعرفة وتلقيها. فبعد أن كان الورق هو الوعاء الأساسي للثقافة، ظهرت شبكة الإنترنت ثم وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وأصبح القارئ أكثر سرعة في الوصول إلى المعلومة وأكثر تنوعًا في مصادرها.
وقد تعاملت «العربي» مع هذا التحول بوصفه فرصة لإعادة توسيع مجال انتشارها، فأطلقت موقعها الإلكتروني عام 2000، وأسهم ذلك في إتاحة أرشيفها ودعم حضور المحتوى الثقافي العربي على الإنترنت. كما تطورت تجربتها الرقمية لاحقًا مع وسائل التواصل والمنصات الإلكترونية.
وتبرز أهمية هذا التحول في أن المجلة لم تتعامل مع التقنية بوصفها تهديدًا للثقافة الورقية، بل باعتبارها وسيطًا جديدًا يمكن أن يحمل المشروع الثقافي إلى جمهور أوسع.
وفي ظل الذكاء الاصطناعي وتدفق المعلومات غير المسبوق، تزداد أهمية المجلات الثقافية الرصينة في التحقق والاختيار والتفسير؛ إذ لم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، وإنما في القدرة على التمييز بين المعرفة الموثوقة والمحتوى المضلل. وقد تناولت المجلة هذه التحولات وقضايا المصداقية والشائعات في سياق حديثها عن مستقبل الإعلام الثقافي.
المحور الحادي عشر: «العربي» بوصفها ذاكرة ثقافية عربية
بعد عقود طويلة من الاستمرار، أصبح أرشيف مجلة «العربي» أشبه بمكتبة ثقافية ضخمة تحفظ جانبًا مهمًا من تحولات الفكر والأدب والعلم والمجتمع العربي.
وتكتسب الأرشفة الرقمية هنا قيمة استثنائية؛ إذ يتيح موقع المجلة للقراء تصفح أعداد كثيرة من أرشيفها، إلى جانب إصدارات أخرى مثل «العربي الصغير» و«العربي العلمي» وسلسلة «كتاب العربي» وملحق «البيت العربي».
وبهذا لم تعد المجلة مجرد مطبوعة شهرية؛ فقد تحولت تدريجيًا إلى مستودع للذاكرة الثقافية العربية يمكن للباحث والقارئ والطالب العودة إليه لدراسة موضوعات واتجاهات وأسماء ونصوص شكلت جانبًا من المشهد الثقافي العربي الحديث.
المحور الثاني عشر: أثر «العربي» في ترسيخ الحضور الثقافي للكويت
لا يمكن فصل تجربة «العربي» عن الدور الثقافي الذي اضطلعت به دولة الكويت في المجال العربي؛ فقد أصبحت المجلة إحدى أبرز الأدوات التي أسهمت في إيصال الحضور الثقافي الكويتي إلى مختلف البلدان العربية.
ولعل الدلالة الأوضح على مكانتها المؤسسية أن مجلس الوزراء الكويتي وافق عام 2017 على نقل تبعية المجلة إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ارتباطًا بأهميتها في تعزيز ونشر الثقافة والمعرفة في الوطن العربي والحفاظ على تراثها الثقافي والتاريخي.
وهكذا أصبحت «العربي» أحد وجوه القوة الناعمة الثقافية للكويت، لا من خلال الخطاب السياسي المباشر، وإنما من خلال المعرفة والأدب والفن واللغة والحوار والانفتاح على الإنسان العربي والعالم.
المحور الثالث عشر: عوامل استمرار التجربة وفاعليتها
يمكن رد جانب مهم من نجاح «العربي» واستمرار حضورها إلى مجموعة من العوامل المتداخلة:
أولًا: وضوح الرسالة الثقافية:
فالمجلة لم تفقد هويتها رغم تغير الأزمنة والموضوعات.
ثانيًا: التنوع المعرفي:
فهي لم تحصر الثقافة في الأدب، وإنما قدمت العلم والفكر والتاريخ والفن والمجتمع والتراث.
ثالثًا: الانفتاح على الأقلام العربية:
استضافت أجيالًا مختلفة من الكتاب والمفكرين والشعراء والعلماء.
رابعًا: العناية باللغة العربية:
قدمت المعرفة في عربية فصيحة واضحة، وهو ما جعلها قريبة من القارئ العام دون التفريط في الرصانة.
خامسًا: القدرة على التجدد:
فالأبواب تغيرت وتطورت وفق التحولات العلمية والثقافية والاجتماعية.
سادسًا: مخاطبة الأجيال الجديدة:
من خلال «العربي الصغير» والإصدارات العلمية والحضور الرقمي.
سابعًا: الجمع بين الثقافة والوسيلة:
فالمجلة لم تتمسك بالورق على حساب التقنية، بل انتقلت تدريجيًا إلى البيئة الرقمية.
خاتمة
بعد أكثر من ستة عقود على صدورها، تبدو مجلة «العربي» تجربة تتجاوز مفهوم المجلة الدورية إلى مفهوم المشروع الثقافي العربي المستمر. فقد بدأت من فكرة محددة تتمثل في إنشاء مجلة تعنى بالثقافة العربية، ثم تحولت مع الزمن إلى فضاء واسع تتقاطع فيه الأدبيات والعلوم والفنون والتاريخ والتراث والفكر وقضايا الإنسان.
لقد أسهمت «العربي» في تقريب الثقافة من القارئ، وفي نقل المعرفة بين أقطار الوطن العربي، وفي تقديم الأدب العربي وإتاحة منبر للأقلام المعروفة والجديدة، وفي تعريف القارئ بثقافات العالم، وفي تقريب العلم من غير المتخصصين، وفي مخاطبة الطفل من خلال «العربي الصغير»، وفي إعادة نشر المعرفة في صورة كتب، ثم في الانتقال إلى البيئة الرقمية.
ولعل أعظم ما يميز تجربتها أنها لم تتعامل مع الثقافة باعتبارها ترفًا، وإنما باعتبارها ضرورة لبناء الإنسان ووعيه وهويته وقدرته على فهم العالم. ومن ثم فإن قيمة «العربي» لا تقاس بعدد أعدادها أو سنوات صدورها وحدها، وإنما بما تركته من أثر في عادات القراءة، وفي حركة المعرفة العربية، وفي الذاكرة الثقافية لأجيال متعاقبة من القراء.
وإذا كان العالم العربي يعيش اليوم عصرًا تتسارع فيه المعلومة وتتعدد فيه المنصات وتتداخل فيه مصادر المعرفة، فإن الحاجة إلى المنبر الثقافي الرصين لا تتراجع، بل تزداد؛ لأن وفرة المعلومات لا تغني عن الاختيار والتفسير والتحقق وإعادة بناء المعنى.
ومن هنا يمكن القول إن تجربة «العربي» تمثل درسًا ثقافيًا مهمًا في أن المؤسسة المعرفية لا تحافظ على حضورها بالجمود، وإنما تحافظ على جوهر رسالتها مع قدرتها المستمرة على تجديد أدواتها. ولهذا بقيت «العربي» حاضرة في المشهد الثقافي العربي، شاهدة على عقود من التحول، وحاملة لذاكرة معرفية تجمع بين ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون.
المراجع :
ويكيبيديا، الموسوعة الحرة ) مجلة العربي
دور مجلة “العربي ” في ترويج الثقافة والتراث العربي
الكتاب الثالث- العدد الثالث / بواسطة مجلة اللغة / يوليو 1, 2017
محمد شريف دور مجلة “العربي ” في ترويج الثقافة والتراث العربي – مجلة اللغة
https://chatgpt.com
للمزيد يتم الرجوع إلى
بدر سيد عبد الوهاب الرفاعي، إسهامات الكويت في الثقافة العربية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 363، مايو 2009م.
د. أحمد زكي، مجلة العربي، العدد الأول، ديسمبر 1958م. وباقي الأعداد
محمد سيد، موقع مجلة العربي على الإنترنت يحصل على تصميم جديد، مجلة التقنية، 4 سبتمبر 2013م.
صباح السوفيان، مجلة العربي؛ هدية الكويت للعرب، مجلة الراي، 25 فبراير 2016م.
أرشيف وموقع مجلة «العربي» وإصداراتها الثقافية والعلمية.