علي سيف الرعيني -|جمال عبدالناصر 56 عاما على الغياب ومازالت الفكرة حاضرة !!

هناك شخصيات لا تنتهي بغياب أصحابها لأن حضورها لا يرتبط بالجسد وإنما بما تتركه من أفكار وأسئلة في وعي الشعوب وجمال عبد الناصر واحد من هذه الأسماء التي تجاوزت حدود الزمن السياسي لتصبح جزءا من الذاكرة العربية الحديثة
في 28 سبتمبر 1970 غاب عبد الناصر وغابت معه مرحلة عربية كان فيها الحديث عن الاستقلال الوطني، والوحدة العربية والعدالة الاجتماعية والتحرر من النفوذ الأجنبي يتصدر المشهد السياسي والفكري ولم يكن ذلك الغياب حدثًا مصريا خالصا بل كان تحولًا ترك أثره في المنطقة بأسرها
ومنذ ذلك التاريخ، دخل العالم العربي مسارات سياسية مختلفة وتبدلت التحالفات وموازين القوى وتزايدت التدخلات الدولية والإقليمية واشتدت الأزمات والحروب والانقسامات. ومن الصعب، بطبيعة الحال، اختزال كل ما جرى خلال أكثر من نصف قرن في غياب شخص واحد فالتاريخ تصنعه عوامل متعددة ومتداخلة. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن رحيل عبد الناصر أنهى مرحلة كان فيها المشروع القومي العربي يمتلك حضورا سياسيا وشعبيا واسعا
كان الرجل يطرح مسألة تبدو اليوم أكثر إلحاحًا: من يملك القرار العربي؟
ذلك السؤال لم يكن عند عبد الناصر مجرد شعار سياسي، بل ارتبط بمفهوم أوسع للاستقلال والسيادة والقدرة على إدارة الموارد والثروات بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. ولهذا لم تكن علاقته بالقوى الدولية الكبرى علاقة عادية، فقد شكل مشروعه القومي وسياساته تحديًا واضحًا للمصالح الغربية في المنطقة، وهو ما تعكسه وثائق السياسة الأمريكية خلال تلك المرحلة
لكن عبد الناصر لم يكن مجرد عنوان للصراع مع الخارج فقد ارتبط اسمه أيضًا بفكرة العدالة الاجتماعية، وبمحاولة نقل قطاعات واسعة من المجتمع المصري من هامش الحياة إلى قلبها، وبإعادة تعريف علاقة الدولة بالفئات الأكثر احتياجا
ومن هنا، فإن استمرار حضوره بعد ستة وخمسين عامًا لا يحتاج إلى مبالغة ولا إلى صناعة أسطورة جديدة حول الرجل
يكفي أن ننظر إلى الأسئلة التي لا تزال مطروحة
ما معنى الاستقلال إذا كان القرار الوطني قابلًا للتأثير الخارجي؟
ما معنى التنمية إذا بقي الفقر عائقا أمام كرامة الإنسان؟
ما قيمة الوحدة العربية إذا تحولت المصالح القطرية الضيقة إلى جدران تفصل الشعوب؟
وكيف يمكن لقضية فلسطين أن تبقى حاضرة في الوجدان العربي وسط هذا الكم الهائل من الأزمات والانقسامات؟
هذه الأسئلة هي التي أبقت عبد الناصر حاضرا لا الصور المعلقة ولا الخطب القديمة
إن الأفكار الكبرى لا تموت بسهولة فقد يرحل صاحبها لكن الواقع يعيد إنتاج الأسئلة التي حملها مشروعه وحين تعجز الأجيال عن العثور على إجابات جديدة، تعود إلى الذاكرة بحثًا عن تجارب سابقة
ولذلك فإن حضور عبد الناصر اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى حنين أعمى إلى الماضي، ولا إلى محاولة لاستنساخ تجربة سياسية انتهى زمانها. فالوفاء للتاريخ لا يعني تجميده، كما أن احترام الرموز لا يعني وضعها فوق النقد
عبد الناصر كان ابن عصره له إنجازاته وإخفاقاته، وله قرارات يمكن مناقشتها ونقدها، كما أن تجربته السياسية والاجتماعية ليست خارج سياقها التاريخي. لكن القيمة الحقيقية لأي تجربة سياسية لا تكمن في خلوها من الأخطاء وإنما في قدرتها على ترك أسئلة تستمر بعد رحيل أصحابها
وهنا تحديدا تكمن مفارقة عبد الناصر
مات الرجل وبقيت الأسئلة
وبقيت فكرة أن الأمة العربية تستطيع أن تبحث عن موقع مستقل في عالم لا يحترم الضعفاء، وأن السيادة ليست كلمة تُكتب في الدساتير فقط وأن العدالة الاجتماعية ليست منّة من أحد، وأن فلسطين ليست صفحة عابرة في التاريخ العربي
بعد ستة وخمسين عاما قد يختلف العرب حول عبد الناصر، وقد تختلف القراءات لتجربته، لكن من الصعب إنكار أن الرجل ترك أثرًا عميقًا في السياسة العربية وفي الوعي الجمعي لأجيال كاملة
ولعل هذا هو المعنى الأصدق لبقاء عبد الناصر حيًا في الذاكرة: ليس لأنه لم يخطئ ولا لأن التاريخ توقف عنده وإنما لأن بعض الأسئلة التي حملها لا تزال مفتوحة
فالزمن يستطيع أن يطوي صفحات الأشخاص لكنه لا يستطيع بسهولة أن يطوي الأسئلة التي ولدت من معاناة الشعوب وأحلامها
رحل جمال عبد الناصر في 1970لكن الفكرة التي تقول إن للعرب حقا في الحرية والسيادة والعدالة والكرامة لم ترحل معه وربما لهذا السبب كلما ضاقت المسافة بين الحاضر وأسئلته الكبرى عاد اسم عبد الناصر إلى الواجهة لا باعتباره رجلًا من الماضي فحسب وإنما باعتباره شاهدًا على مرحلة ما زالت آثارها حاضرة في حاضرنا العربي!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...