اجتماع أبوظبي.. تسريب إسرائيلي أم هندسة انتخابية؟
المحامي علي أبو حبلة
أثارت التقارير الإسرائيلية التي تحدثت عن اجتماع موسع في أبوظبي، بمشاركة ممثلين عن السعودية والأردن والمغرب ودول عربية أخرى، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عاصفة من التساؤلات حول حقيقة الاجتماع وأهدافه وتوقيته. لكن القراءة المهنية تقتضي الفصل بين ما تأكد رسمياً وما بقي في إطار التسريبات المنقولة عن مصادر إسرائيلية.
المؤكد أن نتنياهو زار أبوظبي سراً والتقى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، وقد أكدت الإمارات الزيارة رسمياً، وقالت إن البحث تناول العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية. كما تحدثت تقارير عن مشاركة مسؤولين إسرائيليين كبار في اللقاء.
أما الحديث عن حضور ممثلين سعوديين وأردنيين ومغاربة، فقد ورد في وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها «واي نت» و«آي 24»، من دون أن يظهر حتى الآن تأكيد مستقل من العواصم المعنية أو مصدر دولي مستقل يثبت أسماء المشاركين ومستوى تمثيلهم.
وهنا تبرز مسألة التوقيت.
إسرائيل تتجه إلى انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر، فيما أصبحت قضية الإخفاقات الأمنية والسياسية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023 محوراً أساسياً في السجال الداخلي الإسرائيلي. وفي هذا السياق، فإن تسريب معلومات عن لقاءات عربية ـ إسرائيلية، وربطها بإيران والحوثيين والدفاع الجوي، يمكن قراءته أيضاً باعتباره جزءاً من المشهد السياسي والإعلامي الإسرائيلي قبيل الانتخابات، وليس بالضرورة دليلاً على تشكل تحالف عربي ـ إسرائيلي مكتمل الأركان.
والأهم أن التطورات الإقليمية الأخيرة تقدم صورة أكثر تعقيداً.
فالسعودية وتركيا وباكستان وقعت في آب/أغسطس «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي ينص على أن الاعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً، وبدأت الدول الثلاث بالفعل إنشاء آليات للتعاون السياسي والدفاعي المشترك. كما أعلنت الرياض وأنقرة وإسلام آباد عقد اجتماعات عسكرية عاجلة لمناقشة دعم السعودية في مواجهة التهديدات القادمة من اليمن.
وهذا التطور لا يعني استحالة وجود قنوات اتصال سعودية مع إسرائيل، لكنه يجعل الحديث عن انخراط سعودي معلن في منظومة إسرائيلية لمواجهة الحوثيين بحاجة إلى أدلة أقوى من مجرد تسريبات صحفية إسرائيلية.
كما أن الأردن والمغرب لم يصدر عنهما، حتى لحظة إعداد هذا التحليل، ما يؤكد حضور ممثلين عنهما في الاجتماع المزعوم. وبالتالي فإن تحويل هذه الرواية إلى حقيقة سياسية مكتملة قد يكون سابقاً لأوانه.
واللافت أن ما تؤكده التقارير المستقلة بشأن زيارة نتنياهو إلى أبوظبي يتعلق بملف آخر شديد الحساسية: فقد ذكرت وكالة «أسوشيتد برس»، نقلاً عن أشخاص أُحيطوا علماً بالزيارة، أن نتنياهو طلب من محمد بن زايد نفي تقرير نشرته «هآرتس» حول تحذير إماراتي مزعوم قبل هجوم 7 أكتوبر 2023. وتستمر حكومة نتنياهو في نفي تلقي مثل هذا التحذير، فيما لم يصدر عن أبوظبي تأكيد علني للرواية الإسرائيلية بشأن مضمون اللقاء.
وهنا تكمن المفارقة: في الوقت الذي يجري فيه تسويق رواية عن «تحالف عربي ـ إسرائيلي» لمواجهة إيران والحوثيين، فإن الحدث الذي تؤكده مصادر متعددة هو لقاء نتنياهو بمحمد بن زايد وسط خلاف حول ما إذا كانت الإمارات قد حذرت إسرائيل مسبقاً من خطر هجوم كبير في غزة.
كما أن الموقف العربي الرسمي المعلن في اجتماع وزراء خارجية السعودية والإمارات والأردن وقطر ومصر وتركيا وباكستان وإندونيسيا في نيويورك في 21 أيلول/سبتمبر يؤكد رفض التهجير والضم والاستيطان الإسرائيلي، ويدعو إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وهذا لا ينسجم تلقائياً مع تصوير المنطقة وكأنها انتقلت إلى تحالف عربي ـ إسرائيلي موحد.
لذلك، فإن القراءة الأكثر حذراً هي أن أبوظبي قد تكون بالفعل ساحة اتصالات إقليمية بشأن إيران والبحر الأحمر، لكن القول إن تحالفاً عربياً ـ إسرائيلياً جديداً قد تشكل، أو أن السعودية والأردن والمغرب شاركت رسمياً في هذا التحالف، يحتاج إلى أدلة مستقلة لم تتوافر بعد.
وفي السياسة، لا تكفي الطائرات التي تهبط في المطارات، ولا التسريبات التي تنشرها وسائل الإعلام، لإثبات التحالفات. التحالفات تُقاس بالاتفاقات المعلنة، وآليات التعاون، والقرارات الرسمية، والالتزامات المتبادلة.
أما الانتخابات الإسرائيلية، فتجعل كل تسريب في هذه المرحلة بحاجة إلى قراءة مزدوجة: ماذا حدث فعلاً، ولماذا جرى تسريبه الآن؟
المحامي علي أبو حبلة
أثارت التقارير الإسرائيلية التي تحدثت عن اجتماع موسع في أبوظبي، بمشاركة ممثلين عن السعودية والأردن والمغرب ودول عربية أخرى، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عاصفة من التساؤلات حول حقيقة الاجتماع وأهدافه وتوقيته. لكن القراءة المهنية تقتضي الفصل بين ما تأكد رسمياً وما بقي في إطار التسريبات المنقولة عن مصادر إسرائيلية.
المؤكد أن نتنياهو زار أبوظبي سراً والتقى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، وقد أكدت الإمارات الزيارة رسمياً، وقالت إن البحث تناول العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية. كما تحدثت تقارير عن مشاركة مسؤولين إسرائيليين كبار في اللقاء.
أما الحديث عن حضور ممثلين سعوديين وأردنيين ومغاربة، فقد ورد في وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها «واي نت» و«آي 24»، من دون أن يظهر حتى الآن تأكيد مستقل من العواصم المعنية أو مصدر دولي مستقل يثبت أسماء المشاركين ومستوى تمثيلهم.
وهنا تبرز مسألة التوقيت.
إسرائيل تتجه إلى انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر، فيما أصبحت قضية الإخفاقات الأمنية والسياسية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023 محوراً أساسياً في السجال الداخلي الإسرائيلي. وفي هذا السياق، فإن تسريب معلومات عن لقاءات عربية ـ إسرائيلية، وربطها بإيران والحوثيين والدفاع الجوي، يمكن قراءته أيضاً باعتباره جزءاً من المشهد السياسي والإعلامي الإسرائيلي قبيل الانتخابات، وليس بالضرورة دليلاً على تشكل تحالف عربي ـ إسرائيلي مكتمل الأركان.
والأهم أن التطورات الإقليمية الأخيرة تقدم صورة أكثر تعقيداً.
فالسعودية وتركيا وباكستان وقعت في آب/أغسطس «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي ينص على أن الاعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً، وبدأت الدول الثلاث بالفعل إنشاء آليات للتعاون السياسي والدفاعي المشترك. كما أعلنت الرياض وأنقرة وإسلام آباد عقد اجتماعات عسكرية عاجلة لمناقشة دعم السعودية في مواجهة التهديدات القادمة من اليمن.
وهذا التطور لا يعني استحالة وجود قنوات اتصال سعودية مع إسرائيل، لكنه يجعل الحديث عن انخراط سعودي معلن في منظومة إسرائيلية لمواجهة الحوثيين بحاجة إلى أدلة أقوى من مجرد تسريبات صحفية إسرائيلية.
كما أن الأردن والمغرب لم يصدر عنهما، حتى لحظة إعداد هذا التحليل، ما يؤكد حضور ممثلين عنهما في الاجتماع المزعوم. وبالتالي فإن تحويل هذه الرواية إلى حقيقة سياسية مكتملة قد يكون سابقاً لأوانه.
واللافت أن ما تؤكده التقارير المستقلة بشأن زيارة نتنياهو إلى أبوظبي يتعلق بملف آخر شديد الحساسية: فقد ذكرت وكالة «أسوشيتد برس»، نقلاً عن أشخاص أُحيطوا علماً بالزيارة، أن نتنياهو طلب من محمد بن زايد نفي تقرير نشرته «هآرتس» حول تحذير إماراتي مزعوم قبل هجوم 7 أكتوبر 2023. وتستمر حكومة نتنياهو في نفي تلقي مثل هذا التحذير، فيما لم يصدر عن أبوظبي تأكيد علني للرواية الإسرائيلية بشأن مضمون اللقاء.
وهنا تكمن المفارقة: في الوقت الذي يجري فيه تسويق رواية عن «تحالف عربي ـ إسرائيلي» لمواجهة إيران والحوثيين، فإن الحدث الذي تؤكده مصادر متعددة هو لقاء نتنياهو بمحمد بن زايد وسط خلاف حول ما إذا كانت الإمارات قد حذرت إسرائيل مسبقاً من خطر هجوم كبير في غزة.
كما أن الموقف العربي الرسمي المعلن في اجتماع وزراء خارجية السعودية والإمارات والأردن وقطر ومصر وتركيا وباكستان وإندونيسيا في نيويورك في 21 أيلول/سبتمبر يؤكد رفض التهجير والضم والاستيطان الإسرائيلي، ويدعو إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وهذا لا ينسجم تلقائياً مع تصوير المنطقة وكأنها انتقلت إلى تحالف عربي ـ إسرائيلي موحد.
لذلك، فإن القراءة الأكثر حذراً هي أن أبوظبي قد تكون بالفعل ساحة اتصالات إقليمية بشأن إيران والبحر الأحمر، لكن القول إن تحالفاً عربياً ـ إسرائيلياً جديداً قد تشكل، أو أن السعودية والأردن والمغرب شاركت رسمياً في هذا التحالف، يحتاج إلى أدلة مستقلة لم تتوافر بعد.
وفي السياسة، لا تكفي الطائرات التي تهبط في المطارات، ولا التسريبات التي تنشرها وسائل الإعلام، لإثبات التحالفات. التحالفات تُقاس بالاتفاقات المعلنة، وآليات التعاون، والقرارات الرسمية، والالتزامات المتبادلة.
أما الانتخابات الإسرائيلية، فتجعل كل تسريب في هذه المرحلة بحاجة إلى قراءة مزدوجة: ماذا حدث فعلاً، ولماذا جرى تسريبه الآن؟