ليلى تباني - قراءة في كتاب "نقد العقل الخوارزمي" لسعيد ناشيد

معرفة بلا فهم، وجهل مدجج بالمعلومات
من مستر داتاشو إلى مئة عام من العزلة ... حداثة ما بعد الحداثة

لماذا يدافع ناشيد عن الذكاء البشري؟
يفتتح سعيد ناشيد كتابه باعتباره دفاعا عن الذكاء البشري الذي يواجه، في رأيه، تهديدا ثالثا بعد الأنظمة الشمولية التي صادرت حق الإنسان في التفكير، فيتجاوز بذلك روح ما بعد الحداثة التي التي كرّست مبدأ الميتاسرديات ، واستبعاد أنماط الوصاية التي تفكر نيابة عنه. لكن التهديد الجديد أكثر هيمنة، لأنّه لا يأتي بالضرورة في صورة سيئة ، وإنّما يمكن أن يأتي في صورة مخاتلة ، تبدو وكأنّها تريح الانسان في ظاهرها ، لكنّها تحمل بذور فنائه في جوهرها لأنها تزيل عنه صفة التفكير التي تميّزه عن سائر المخلوقات . وهنا تبدأ المفارقة التي تجعل من الكتاب جدل يفتح أعيننا على نوافذ شتّى ... فقد لا تستعبدنا الخوارزمية لأنها تمنعنا من التفكير، بل لأنها تجعل التفكير غير ضروري في نظرنا.
والكتاب نفسه يضع منذ البداية السؤال الذي سيظل يلاحقه " كيف نجعل الذكاء الاصطناعي حليفا للذكاء البشري لا وارثا له؟ ويقترح في نهايته حقوقا جديدة تتّصل بالانتباه والفهم والصمت والبطء والتأويل والشك والنسيان. ويفضي بنا الفهم إلى أنّ المعركة ليست بين الإنسان والآلة، وإنما داخل الإنسان نفسه ، هل يستعمل الآلة لتوسيع عقله أم ليستريح من استعماله؟ لكأنّ لسان حاله يردّد ويحذّر :" إنّ أخطر آلة ليست التي تفكر أفضل منا، بل التي تجعلنا نحب ألاّ نفكّر" .



المفارقة
في الفصل الأوّل يضع ناشيد يده على أصل الأزمة ، فيرى أنّنا نعيش عصر الوفرة المعرفية، تلك الوفرة التي لا تعني بالضرورة وفرة في الفهم. فيقول: "لم يسبق أن كنّا قادرين على المعرفة كما نحن اليوم. وفي الآن نفسه، لم يسبق أن كنّا عاجزين عن الفهم كما نحن اليوم " . لتبلغ المفارقة ذروتها: "إنّنا نقترب من تلك اللحظة الحرجة التي نعرف فيها كل شيء، ولا نفهم أي شيء" .
يا لها من مفارقة ! المعلومة متاحة، لكنّ الفهم مفقود . إذ يمكن للآلة أن تعطينا جوابا صحيحا، لكنّ الجواب الصحيح لا يعني بالضرورة أن الإنسان فهم لماذا كان صحيحا ، أو ربما لم يكن صحيحا ، فمن يدري ؟.
وهنا يقدّم الكتاب واحدا من مفاهيمه المركزية " العقل الخوارزمي هو العقل الذي يرى العالم باعتباره سلسلة من الخطوات والإجراءات القابلة للتنفيذ. فلا يسأل بالدرجة نفسها "ما؟" و"لماذا؟"، بل يركّز على "كيف أَصِلُ إلى النتيجة ؟ " . فتفضي بنا الفكرة إلى سؤال أكثر مشاكسة :
ماذا يحدث للإنسان حين يصبح سؤال "كيف؟" أهمّ من "لماذا؟"؟
حينها قد يصبح قادرا على إنجاز الأشياء، لكنّه لا يعود قادرا على مساءلة الغاية منها ، كما أنّه يجهل خطوات الوصول إليها .
يااااه ...! من المضحكات المبكيات ، أنّنا نضحك في الوضع الذي لا بدّ أن نبكي فيه ، لقد أغرقنا العقل الخوارزمي في الكمّ حتى كاد يسرق مِنّا حق السؤال عن الكيف واللّماذا.

بنية العقل الخوارزمي وسحر الأجرأة
يعود ناشيد إلى جذور العقل الخوارزمي، فيرى أنّ المشكلة ليست في الأجهزة الحديثة وحدها، بل في تحوّل تاريخي جعل الإنسان يعيد تصور العالم باعتباره سلسلة من الخطوات التي يمكن تنفيذها. فيشرح كيف انتقل نموذج الوصفة من الرياضيات إلى مجالات أخرى، وكيف أسهم المنهج الديكارتي في تحويل المسائل المعقدة إلى أجزاء وخطوات يمكن التعامل معها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحوّل الوصفة من أداة عملية إلى نموذج شامل لفهم العالم. ورأيت أنّ أجمل ما يلتقطه ناشيد في هذا السياق قوله :" العقل الخوارزمي ، ذلك النمط من التفكير الذي لا يسأل "ما؟" ولا "لماذا؟"، بل يسأل "كيف أصل إلى النتيجة المرجوة؟" .
والحقّ أن المفكر ناشيد أشاد بفضل العقل الخواريزمي ، كونه قوة كبرى في تطوّر الحضارة . لكنّ المشكلة ليست في وجوده ، وإنما في تضخّم مجاله ، وتنامي كسل العقل البشري . وهنا يمكن أن أدرج طرفة "مستر داتاشو" لأوّل مرة ، كي أعزّز مزاعم الكاتب . تروي الطرفة أنّ زميلا لنا اعتاد على تحضير أعماله رقميا باستعمال العاكس Data Show، و يبحث في المحرك الرقمي عن كل المعلومات بحيث يحمّلها جاهزة ، دون عناء تحليلها وفهمها ، فكان يوما في ندوة مع جمع غفير من الأساتذة ، وانقطع التيار ومعه الداتاشو ، فتوقف الزميل عن تقديم الندوة لانه عجز عن التقديم الشفوي الكتابي ، بحجة انه لم يكن مطلعا على محتوى الندوة ، خرج الاساتذة بعد ان أطلقوا عليه اسم "مستر داتاشو " ، هو في الحقيقة لم يكن عاجزا عن المعرفة، لكنّ الاعتياد على تعطيل العقل في التفكير والاتكال الكلّي على العقل الخوارزمي . يقال أنّ المصيبة إذا عمّت خفّت ، لكنّها هنا بالذات ، عمّت و أهلكت ، فمستر داتاشو ليس شخصية مضحكة فحسب ، بل إنه استعارة لإنسان نقل جزءا من قدرته العقلية إلى أداة ، ثمّ نسي أنّها أراحته وقتلته مجازا . لانّه يجهل أنها وسيلة وليست غاية

التشخيص ... نحن نمتلك المعلومة ونعاني أُمِّية الفهم، الآفة الصامتة

ينتقل ناشيد من السؤال إلى التشخيص ، فيرى أنّنا قد نكون متعلّمين، نحمل الشهادات ونمتلك المعلومات، لكنّنا نعاني ما يسمّيه ، بأمّية الفهم وأرى أنّها أخطر منعطفات الكتاب ، لأنه يقلب مفهوم الأمية رأسا على عقب . فلطالما اقتنعنا أنّ أمّي الأمس هو من لا يقرأ . أما اليوم فقد تحوّر المفهوم ، وغدا الأمّي ليس من لا يقرأ ، بل من لا يفهم ، أمّي يقرأ ولا يفهم، ويعرف ولا يفسر، ويكرّر الإجابة دون أن يمتلك السؤال .فالخوارزمية تستطيع أن تساعدنا في تجاوز بعض العمليات الذهنية، لكنّها لا تستطيع أن تصيغ السؤال بدلا منا . فالكتاب يميز بين النتيجة والفهم، ويؤكد أن النتيجة الجيدة لا تعني بالضرورة فهما جيّدا ، لنعود إلى حكمة الأمس التي تقول : السؤال أهمّ من الجواب ، ونصف الإجابة في فهم السؤال .
حتّى أنّني في هذا السياق أتذكّر طريقة لاختبار الفهم في الرياضيات ، تعتمد على إعطاء الاجابة مفصلة للتلاميذ ، ومطالبتهم ببناء وضعية مناسبة لها مع صياغة الأسئلة المناسبة . تشبه إلى حدّ بعيد مرحلة التحقّق لدى المفكر جورج بوليا .
أنت ... نعم أنت أيّها الباحث ، أو طالب العلم ، ثق أن سعادتك في رضاك ، ورضاك في قناعتك ، وقناعتك في فهمك وليس في جمع وتراكم المعلومات لديك ، ثق أنك تعلم لكنك لا تفهم ، لا تفسر ، لا تبرر ، طالما أنك تعتمد على العقل الخوارزمي ، ثق أيها الطالب ، بأنّ الآلة تستطيع أن تصف حزنك ، لكنّها لا تحزن بدلا عنك ، ولا تبحث عن أسباب حزنك ، ولا عن سبل الخلاص منه . فأنت لن تصبح حكيما ، إلاّ حين تعيش السؤال الذي يطرحه الحزن عليك .

رسالة التنوير اليوم ...السؤال الكانطي في عصر الوصاية الخوارزمية
وكامتداد لمتن الكتاب ، ورد على لسان مفكّرنا :" لو كانت لي وصاية على وزارة التربية ، لجعلت فكر كانط يدرّس كمقياس .." . من هنا يستعيد ناشيد سؤال كانط القديم عن التنوير "كيف يخرج الإنسان من حالة القصور التي يرتضيها لنفسه؟" . لكن السؤال يتغيّر في عصر الخوارزميات. لم تعد الوصاية بالضرورة رجل دين أو مستبدا يقول لك ماذا تفكّر، وإنّما قد تكون منظومة رقمية تعرف كيف تجذب انتباهك، وماذا تعرض لك، وما الذي يجعلك تراه باستمرار. فبصل بنا إلى فكرة شديدة الخطورة: الخوارزمية لا تحتاج دائما إلى أن تجبرك ، يكفي أن تصمم رغباتك.
وهذه الفكرة تتقاطع مع عبارة ناشيد عن التهديد الجديد الذي لا يستثمر الخوف فقط، بل الرغبة والغواية .وهنا يصبح السؤال الكانطي المعاصر:
هل ما أريده هو حقّا ما أردته أنا، أم ما دُرّبت خوارزميا على أن أريده؟ إذ يصبح للحرية في العصر الرقمي مفهوما آخر ، فالحرّية ليست فقط حرية الوصول إلى المعلومة ، بل حرية حماية العقل من توجيه خفي .

عجب ...! كان المستبد القديم يأمرنا بما نفكر، أما مستبدّ اليوم )الخوارزمية ( أذكى في استبداده . لقد جعلنا نظنّ أن ما نفكر فيه اخترناه بمحض إرادتنا .

نمط إنتاج الغباء ... نقد الاقتصاد السياسي للغباء
يسير بنا ناشيد نحو جرأة أكثر . إذ يرى أنّ المشكلة ليست دائما في ضعف الأفراد ، وإنّما في وجود اقتصاد يستفيد من أسر الانتباه وتسويق التفاهة. فيسمي ذلك "بالغباء العمومي" ، ويسأل هل هو مجرد أثر جانبي للتكنولوجيا أم صناعة لها أسواقها؟ وفقا لذلك يجرّنا المسمّى إلى فكرة الاستيلاب الفكري ، إذ كلما بقي الإنسان أمام الشاشة فترة أطول، كان ذلك قابلا للاستثمار. لذلك فقد تصبح السرعة والانفعال والإثارة أكثر ربحا من التأمل والبطء ، وماذا نفعل حيال عصر سمي بعصر السرعة ، والإغراء ويربط ذلك بضعف التفكير العمومي، وبمنظومة تكافئ ما يثير الانفعال أكثر مما تكافئ الحجّة. منظومة تكشف لنا ضآلة إرادتنا أمام قوّة الخواريزميات فنحن لا نعيش فقط عصر فيض المعلومات، بل عصر تجارة الانتباه، ومن يملك انتباه الإنسان يملك جزءا من عقله.فلا يمكن فهم أزمة العقل الخوارزمي دون فهم الاقتصاد الذي يتغذّى على انتباه الإنسان.

أيّها السادر ... ألا ترى أنّ الزمان هو تجارة وعيك وفطنتك ؟ فحين يصبح انتباهك سلعة، تصبح سرقته تجارة، ويصبح شرودك ربحا لغيرك.
نقد تشيُّيء الذكاء ... نقد اختبارات قياس الذكاء
ينتقد ناشيد اختزال الذكاء في مقاييس محدّدة، لأنّ ما يمكن قياسه ليس بالضرورة كل ما يستحق أن يسمى ذكاء . ويستعرض أشكالا من الذكاء أهملتها المقاييس التقليدية، مثل العناية والتعاطف والتواصل والانتباه إلى الآخر . فهل الإنسان الذكي هو فقط من يحلّ المسألة بسرعة؟
يرى الكاتب أنّ الذكاءات فصول ومقامات ، فهناك ذكاء أخلاقي، وذكاء اجتماعي، وذكاء جسدي، وذكاء مرتبط بالعناية والحياة نفسها.
والحقيقة انّ فكرته مهمّة جدّا في مواجهة الذكاء الاصطناعي، لأننا إذا عرفنا الذكاء فقط بقدرته على معالجة المعلومات، فستبدو الآلة دائما أكثر ذكاء. أما إذا فهمناه بوصفه قدرة على العيش والحكم والتعاطف وتحمل نتائج الاختيار، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدا. لأنّ الذكاء ليس رقما ولا سرعة ولا نتيجة اختبار. فقد ينجح العقل في حلّ مسألة، لكنه لا يصبح حكيما إلاّ حين يعرف أي مسألة تستحق أن تُحل أو متى يجب أن تحلّ .

ذكاء الحياة ... بين ذكاء حلّ المشكلات وذكاء تفادي المشكلات .

فصل في غاية الأهمّية ، لأنّه يعزي العقل إلى الجسد والحياة والخبرة ، فيرى ناشيد أنّ امتحان الحياة لا يقيس فقط القدرة على حلّ المشكلات، بل أيضا ذكاء تفادي المشكلات. ثمّ يذهب أبعد من ذلك في حديثه عن ذكاء الجسد، وعن المهارة التي تتكوّن عبر التكرار والمحاولة والخطأ. فالآلة تستطيع أن تقدّم وصفة، لكنّها لا تعيش التجربة الجسدية التي صنعت المهارة.
وهنا يستدعي فيلسوف الحدس هنري برغسون و"الاندفاع الحيوي"، كما يستفيد من فكرة "حكمة الجسد". في لحظة تجعل العودة إلى الطبيعة أكثر عمقا من مجرد الدعوة إلى إغلاق الهاتف . نحن لا نحتاج فقط إلى الابتعاد عن الشاشة، بل إلى إعادة تشغيل الجسد والحواس والتجربة المباشرة ... أن نمشي، نكتب بالقلم، نقرأ، نصنع شيئا بأيدينا، نتأمّل، نخطئ، نحاول، ننتظر . فهناك أشياء لا تتعلّمها عقولنا من كثرة المعلومات، بقدر ما تتعلّمها من تجربة الجسد والحياة والممارسة .

لنخلص إلى القول رفقة ناشيد بأنّ العقل الذي لا يتعب في الطريق ، قد يصل سريعا... لكنّه لا يعرف لماذا سلك هذا الطريق أصلا .

حدود العقل الخوارزمي ... من الخوارزمي إلى الخوارزميات
عند هذا المفصل نصل بالكتاب إلى صميم عنوانه . ناشد لا يهاجم الخوارزمي التاريخي، بل يتتبع كيف ارتبط اسم الخوارزمي تاريخيا بمفهوم algorithm، ويربط ذلك بتاريخ العقل الأداتي. ثم يضع الحد الفاصل حيث يؤكّد بأنّ الخوارزمية قويّة لأنها تستطيع تكرار الإجراءات، لكنها محدودة أمام ما لا يقبل التكرار.الحب، الموت، الولادة، الفقد، القرار المصيري، التجربة الفردية. فالخوارزمية كائن تكرار بطبيعتها، أما الحياة الحقيقية فمليئة بما لا يقبل التكرار، مليئة بالمفاجآت. وهنا يصل ناشيد إلى واحدة من أجمل أفكار الكتاب ، حيث يصب الذكاء البشري بأنّه ذكاء حي ، ذكاء يعيش أسئلته ، فيصل إلى كشّاف مخاتل يوضح لنا كيف أنّ الخوارزمية تعرف كيف تكرّر الحل، فيما يتفرّد الإنسان بأن يعيش السؤال الذي لا يتكرر.
الفهم والمفاهيم ... من بناء المفاهيم إلى بناء الفهم
من الفكرة المفصلية الهامة ، ينتقل بنا ناشيد من نقد الخوارزمية إلى الدفاع عن العمل العقلي الحقيقي . ليؤكّد بأنّ الفهم لا يعني حفظ الكلمات، بل بناء المفاهيم من التجربة والحدس والتاريخ واللغة. ويستدعي ناشيد غاستون باشلار وفكرة أن الفكر العلمي لا ينمو إلاّ بمقاومة المعطى الأول. و أنّ تراكمات المعارف لا تعني التقدّم ، إلأاّ إذا أحدثنا القطيعة مع ما سبق وحققنا القفزة ، لأنّ التفكير الحقيقي يحتاج إلى مقاومة ما يبدو بديهيا ، فإذا كانت الخوارزمية تعطيك غالبا طريقا سريعا إلى جواب، فإنّ التفكير يبدأ أحيانا عندما تشك في السؤال نفسه وفي المسلمات التي بُني عليها.
وممّا لا يدعو إلى الشك ، بات الشك أحدّ أركان العقل البشري الذي يفتقده العقل الخوارزمي ، فالخوارزمية تبحث عن الحل داخل حدود المسألة، أما الإنسان فيستطيع أن يسأل إن كانت حدود المسألة نفسها صحيحة.


أخلاقيات الفهم ... ذكاء الضمير وضمير الذكاء
يتربّع الكاتب على مستوى أخلاقي رفيع في كتابه عبر فصل كامل فيقول : ليس كافيا أن نفهم كيف يحدث الشيء، بل علينا أن نسأل ماذا يعني وما أثره" . فيميّز بين الإنسان الذي يشعر بالظلم والإنسان الذي يفهم الظلم. الأول قد يغضب، أما الثاني فيسأل عن أسبابه وشروطه وكيفية مقاومته. ويصل إلى علاقة دقيقة بين النقد والضمير: لا نقد حقيقي بلا وعي أخلاقي، ولا وعي أخلاقي ناضج بلا نقد. وهنا تتّضح حدود الذكاء الحسابي:" قد تستطيع الآلة معالجة ملايين المعطيات، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن معنى القرار" ، كأنّه يربط المسألة بالجانب الأخلاقي ، فيرى أنّ الذكاء الذي لا يملك ضميرا ، لا يعوّل عليه ويمكن أن يصبح أداة للشر.

ليس كل ما نستطيع فعله جديرا بأن نفعله... وهنا يبدأ الفرق بين ذكاء يحسب وضمير يحكم.

نحو مجتمع الفهم ... من الحق في المعرفة إلى الحق في الفهم
يبدأ ناشيد في بناء البديل ، فيذهب إلى أبعد وأمق من التنظير الأخلاقي ، إلى التأسيس المدني ، فيربط القضية بالشرط والمنعكس الشرطي ، ويخضع المسألة الى حقوق وواجبات ، فإذا كان عصر المعرفة قد منحنا حق الوصول إلى المعلومات، فإن عصر الخوارزميات يفرض علينا شيئا أعمق الحق في الفهم، والواجب في النزاهة . ومن هنا تأتي التربية ، إذ يقول ناشيد أنّ المدرسة في القرن الحادي والعشرين لا ينبغي أن يكون هدفها مجرد نقل المعرفة، بل التربية على بناء الفهم . فالمدرسة التي تعطي الطفل الإجابة قبل أن تمنحه السؤال قد تنتج متعلما جيد الحفظ، لكنها لا تضمن إنسانا جيد التفكير. وأنّ إنقاذ العقل يبدأ من المدرسة التي ترشّد استخدام الخوارزميات .

وظيفة الفلسفة ... تنمية القدرة على الفهم
يصل ناشيد إلى جوابه النهائي فيما يتعلّق بالفلسفة العمومية ، وقبل أن يجب يسأل : كيف ننمّي قدرة الإنسان على الفهم في زمن يعرف فيه الناس أكثر مما يفهمون؟ وكيف نحمي الذكاء البشري بعدما أصبحنا نفوض التفكير إلى آلات "تفكر عنا لا معنا"؟ ثم يجيب: "إجابتي عن هذه الأسئلة الثلاثة واحدة: الفلسفة العمومية" . الفلسفة عنده ليست درسا أكاديميا مغلقا، بل ممارسة للحوار والسؤال والتفكير المشترك . وهي تعيد الإنسان إلى المجال العمومي، حيث يتعلّم أن يختلف دون أن يتحوّل الاختلاف إلى خصومة . فيقترح الصمت والتأمّل والبطء بوصفها ممارسات تعيد للعقل حضوره . فالصمت عنده ليس فراغا، بل يمكن أن يكون لحظة اشتغال عميق للعقل. وهنا نصل إلى مئة عام من العزلة.

مستر داتاشو ومئة عام من العزلة
عند هذا المنعطف رأيت أن يلتقي رأيي برأي ناشيد ، من خلال أبعاد حكاية "مستر داتاشو" كمرآة ساخرة لأطروحته.
ملخّص الحكاية أنّ أحد الزملاء ، يعتمد في تقديم ندواته على الداتاشو ، وكان في إحدى الندوات أن انقطع التيار وانطفأ جهاز العرض، فتوقف الأستاذ عن الكلام وعجز عن استكمال الندوة ، ثمّ ألغاها . غادر الحضور بعد أن سخروا منه ومن منهج عمله وسموه "مستر داتاشو" .
لكن ماذا لو لم تكن الحكاية عن ذلك الأستاذ وحده؟ ماذا لو كانت عن عصر كامل بدأ ينقل ذاكرته إلى الأجهزة ، وأسئلته إلى محركات البحث، وكتابته إلى الخوارزميات، وقراراته إلى التطبيقات؟ عندها يصبح "مستر داتاشو" صورة رمزية للإنسان الذي لم يعد العطل يصيب جهازه فقط، بل يصيب معه جزءا من قدرته على التفكير. وما ان نصل إلى هذا الحد من التنكّر للعقل البشري والاستهتار بقدراته ، نصل إلى ماركيز. ، كيف ذلك ؟ نحن لسنا بحاجة إلى مئة عام من العزلة عن البشر، بل ربما إلى مئة عام من العزلة عن فائض الوساطة الخوارزمية . عزلة نستعيد فيها الكتاب الورقي، والمشي، والطبيعة، والقلم، والحوار، والصمت، والملل، والدهشة، والخطأ، والمحاولة . ليس المطلوب أن نهجر التكنولوجيا. فناشيد نفسه لا يدعو إلى ذلك، بل يقول بوضوح أنّ التقنية لا ينبغي مقاومتها، وإنّما ينبغي وضعها في حجمها الصحيح، ليصبح السؤال هو كيف لا يفقد الذكاء البشري موقع القيادة. والفاصل الذي يقترحه الكتاب بالغ الذكاء : "هل خرجنا منه أقدر على الاستغناء عن الآلة، أم أشدّ حاجة إليها؟ " .

إذن ...كيف نستعيد عقولنا ؟
برأيي . لا يكون الحل في إعلان الحرب على الذكاء الاصطناعي، ولا في العودة الساذجة إلى ما قبل التكنولوجيا . إنّما في إعادة ترتيب العلاقةبين الذكاءين . نستعمل الذكاء الاصطناعي للبحث والمقارنة والتدقيق واكتشاف المصادر وتوسيع الأفق، لكن لا نسلّمه مهمة السؤال ولا الحكم ولا بناء المعنى. نقرأ أحيانا دون تلخيص آلي . نكتب قبل أن نسأل الآلة كيف نكتب . نحاول حل المشكلة قبل أن نطلب الحل . نترك الطفل يخطئ قبل أن نعطيه الإجابة . نعيد إلى المدرسة الكتابة العميقة، والحوار، والفلسفة، والبحث، والمشروعات، واللعب، والعمل اليدوي، والرياضة، والطبيعة . نخصّص يوميا لحظات بلا شاشة، بلا آلة ، بلا خوارزمية تقترح علينا ماذا نرى وماذا نقرأ وماذا نريد. نعود إلى الصمت الذي يراه ناشيد تمرينا على حضور العقل لا غيابَه. والأهم أن نسأل أنفسنا بعد كل استعمال للآلة ، هل جعلتني هذه الأداة أكثر قدرة، أم أكثر اعتمادا؟ هل جعلتني أكثر تحرّرا أم قيدتني وجعلتني تابعا ؟ فإذا كانت الإجابة الأولى، فقد استخدمنا التكنولوجيا . وإذا كانت الثانية، فقد بدأت التكنولوجيا تستخدمنا. لعلّنا لا نحتاج إلى إطفاء الخوارزميات، بل إلى إطفاء حاجتنا الدائمة إليها ، فحين نستعيد قدرتنا على أن نتعب في التفكير، ونخطئ في البحث، ونندهش أمام المجهول كدهشة نيوتن وصرخة أرخميدس ، أن نعود إلى الطبيعة والكتاب والقلم والتأمّل ، بذلك نشقّ طريق التشافي ونكون قد بدأنا علاج العطب الذي أصاب عقولنا. ولعلنا نحتاج، فعلا، إلى مئة عام من العزلة، لا عن العالم، بل عن كل ما يفكر نيابة عنّا، كي نعود إلى العالم بعقولنا الأصلية الأصيلة .


ليلى تبّاني ـــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...