مصطفى عبدالملك الصميدي - في ذكرى الشهيد محمد الدرة

في الثلاثين من أيلول، من عام ألفين، شهدت فلسطين - أرض العزة والكرامة - يوماً من أيام الدهر التي تُروى ولا تنسى، إذ انطفأت تحت وابل الرصاص عينان صغيرتان كانتا تستحقان أن تريا من الدنيا أكثر مما رأتا من الخوف والحصار. هناك، في لحظة اختلط فيها دوي الرصاص برجفة الأب، احتمى محمد بأبيه كأنما كان الأب في فطرة ابنه آخر حصون الأمان، وأوثق أبواب النجاة، وما كان يدري أن الموت قد اختار لذلك الحضن الطاهر موعداً، وأن ذلك المشهد الذي تناقلته العيون والعدسات سيغدو بعد حين من أكثر المشاهد مأساة وفاجعة في وجدان كل حر. في ذلك اليوم من أيلول، مضى الجسد الغض إلى رحاب الغياب، وظلت حكايته ماثلةً في ذاكرة الأيام؛ مقرونة بذلك الحضن الذي احتمى به وتلك اللحظة التي جعلت من رحيله ذكرى لا تنال منها السنون.

كان محمد صبياً غضَّ السن، أقبل على الدنيا بقلب لم يعرف منها إلا أحلام الصغار، فإذا بحرب طاغية ومحتل تلقاه بوجهها العابس، وتدفع إليه من أهوالها ما لا يحتمله حجر أصم. لجأ إلى ظهر أبيه كأنما وجد فيه آخر ما تبقَّى له من ملاذ في مشهدٍ اجتمعت فيه فصول المأساة كلها في صورةٍ لا تحتاج إلى كثير بيان: صبي يتشبث بأبيه، وأب يستمد من عاطفته ما تعجز عنه لغة السلاح، ورصاص يمضي في طريقه لا يرعى حرمة لضعف ولا لِسنٍّ، وسؤال ما يزال أكبر من الأعوام، باقٍ ما بقيت الحياة: أيّ عالم هذا الذي يحتاج فيه صبي إلى أن يختبئ خلف أبيه كي ينجو من الرصاص؟ ولعل هذا السؤال العالق في جبين الدهر أشد ما يوجع في الحكاية كلها.

ثم مضت الأعوام وتوالت الأيام وتبدلت الوجوه والعناوين، ومحمد في مكانه لا يكبر، باقياً في اللحظة التي غادر فيها الحياة الدنيا، بينما كبرت من حوله عوالم وتشكلت أخرى. كبرت المدن وتقدمت وسائل التصوير والنقل والإعلام، وتكاثرت الكلمات التي تصف الحرب حتى غدا الناس يرون المأساة في لحظة وقوعها، ولكن من خرَّ شهيداً بسلاح محتل تظل ذكراه عصيةً على النسيان. فالرصاص الذي أصاب جسده ما كان له أن يصيب المعنى الذي خلّفته حكايته، ولئن كان الموت قد أخذه من أحضان أهله، فإن الذاكرة قد أخذته من براثن الموت، فأبقته حياً في وجدان أجيال لم تشهد موته، لكنها عرفت ملامحه وسمعت حكايته وأدركت أن وراء كل صورةٍ لشهيد إنساناً كانت له أمنيات وأهل وبيت وغد يرى فيه طموحاته ومستقبله.

محمد الذي كان يوم موته لا يعرف من الدنيا إلا أباه وبيته وأحلامه الصغيرة، ترك للعالم رسالة أبلغ من آلاف الكلمات: أن للإنسان حقاً في الأمان لا ينبغي أن يُنتهك، وأن حياة الإنسان ليست رقماً في نشرة أخبار عاجلة، وأن وراء كل جسد يسقط رواية كاملة كان يمكن لها أن تُكتب بأقلام الفرح بدل أن تُختم بدوي الرصاص. وإن أعظم ما في هذه الذكرى أنها لا تسمح للزمان أن يطوي صفحته دون أن يسأل: ماذا فعلنا كي لا يتكرر الموت بطريقة المحتل؟ وماذا بقي من ديننا وأخلاقنا وإنسانيتنا إن اعتدنا رؤية الصغار - وما أكثرهم هذه الأيام في ارض العزة والكرامة - وهم يفقدون حياتهم قبل أن يعرفوا معنى الحياة؟

هكذا حين تعود الذكرى في كل عام، لا يعود محمد وحده إلى وجدان كل حر، وإنما تعود معه كل روح أُفزعت وكل أبٍ حاول أن يصنع من جسده ملاذاً لابنه، وكل أُم ظل قلبها معلقاً في طريق لم يعد منه صغيرها. سلامٌ على محمد الدرة يوم أُن غدر به الطغاة، وسلامٌ على أبيه يوم حاول أن يحجب عنه الموت بجسده الذي لا يرد الرصاص، وسلامٌ على ذكراه ما بقي في الأرض قلب يأبى أن يعتاد الجور والمأساة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...