د. عمار بكداش - الفكر الظلامي وكيفية مواجهته

مداخلة الراحل الرفيق د. عمار بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري، في ندوة حوارية بتاريخ 2019/3/6:


بدايةً، يجب التعريف: ما هي الظلامية؟
هي الغطاء السياسي الفكري الأيديولوجي للتيارات السياسية المناهضة لأي تقدم بستار الأفكار الغيبية في حقبة تاريخية معينة.
فإذن، الأساس ليس الغلاف الديني، بل المضمون الرجعي.
ويجب القول إنه خلال القسم الأكبر من التاريخ البشري كان لا بدّ لأي تيار سياسي أن يكون له ستار أيديولوجي ديني، وقد بقي هذا حتى الثورة الفرنسية الكبرى.
حتى أول الثورات السياسية البرجوازية قامت تحت ستار ديني رغم المضمون الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ولكن في المجال الفكري كان هناك مواجهة بين أيديولوجيتين يعبَّر عنهما دينيًا.
الثورة الهولندية، وهي أول ثورة برجوازية ناجحة في العالم في القرن السادس عشر، كانت انتفاضة بروتستانتية ضد إسبانيا الكاثوليكية.
الثورة البريطانية ضد الأنجليكانية...
الثورة الأولى التي قامت تحت شعار العلمانية المطلقة، بل حتى تحت شعار الإلحاد، كانت الثورة الفرنسية الكبرى؛ وذلك بسبب الواقع الموضوعي لفرنسا، حيث إن الملك لويس الرابع عشر منع التعددية الدينية، ولم يكن من خيار أمام الثورة الفرنسية الكبرى إلا أن تجري تحت شعار الإلحاد.
وكان ذلك بداية حقبة تاريخية جديدة في تاريخ البشرية.
الظلامية ليست مرتبطة بدين من الأديان؛ الظلامية تعود إلى جوهرها الرجعي.
وأكبر دليل على الظلامية التكفيرية التي يشهدها التاريخ هو محاكم التفتيش التي أبادت، بل أحرقت، مئات الآلاف من أصحاب الفكر المغاير، وليس فقط من أصحاب الديانات المغايرة، بل أيضًا أي مسيحي يُتهم بالهرطقة كان مصيره المحرقة.
ومحاكم التفتيش بقيت حتى أواسط القرن التاسع عشر في بعض الدول، كإسبانيا وإيطاليا، حيث ألغتها الثورات البرجوازية.

أما بالنسبة للظلامية المعاصرة للفكر السياسي الأكثر رجعية والمغلف بالستار الديني، حسب رأيي، فإن أكبر تيار خطر بهذا الاتجاه هو الصهيونية، التي تضع أسسًا توراتية للحركة الرجعية العنصرية ذات الطابع الفاشي، التي تمثل مصالح رأس المال المالي اليهودي، والتي هي الصهيونية.

حول الظلامية المحلية
الظلامية المحلية في دنيا العرب تمثل الحركات الرجعية، وهي منذ بداية القرن العشرين أصبحت تمثل مصالح الاستعمار الأجنبي، في البداية الاستعمار البريطاني.
وحتى لا يكون الاتهام بدون قاعدة، فلنعد إلى أرشيف الدولة البريطانية الذي كُشف في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

الوثيقة الأولى:
كُشف عن رسالة موجهة في بداية الثلاثينات من ثلاثة خبراء من المخابرات البريطانية إلى إدارة الهند، حيث كانت مصر تابعة لإدارة الهند.
في هذا التقرير النص التالي:
إن هذه المنطقة، منطقة شرق المتوسط، غنية بثرواتها الباطنية، وخاصة النفط، ومن أجل أن تستثمر شركاتنا بشكل آمن هذا النفط، لا بد من إعادتها مئات السنين إلى الخلف، وأفضل أداة في ذلك هي حركة الإخوان المسلمين.

الوثيقة الثانية:
في بداية 1920-1921، وعلى هامش مؤتمر القاهرة، جمع ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، خبراء المخابرات البريطانية في المنطقة لتحديد مصير شبه الجزيرة العربية، فاقترح لورانس العرب تسليمها للهاشميين، واقترح جون فيلبي تسليمها لآل سعود، الذين لديهم أيديولوجيا الوهابية التي يمكن أن تضبط السكان؛ لذلك يجب الاعتماد على آل سعود. واعتمدت الحكومة البريطانية مقترح جون فيلبي، وكلفته بالتطبيق، فسكن عند آل سعود، وسموه الحاج عبد الله فيلبي.

إذن، الحركتان الأساسيتان الظلاميتان اللتان نواجههما كتقدميين ليستا فقط ظلاميتين، بل تنفذان مشاريع الاستعمار أيضًا، وتدل على ذلك الوثائق؛ كل واحدة لها شكل، والمضمون واحد.
الوهابية ظهرت في القرن الثامن عشر، واعتمدت على ابن تيمية بشكل كبير، وهذا دليل على اعتماد السياسة على الأيديولوجيا.
ابن تيمية بقي نائمًا من القرن الثالث عشر حتى القرن الثامن عشر، وتذكروه عندما ظهرت حركات رجعية بحاجة إلى أيديولوجيا.
الإخوان المسلمون لديهم تنوع في فكرهم، يعتمدون حتى على بعض المفكرين الدينيين الرجعيين الذين ظهروا في مصر في القرن التاسع عشر.
ويجب القول إن الإخوان المسلمين عمليًا هم آباء كل الحركات الرجعية في الدول ذات الطابع العلماني. الوهابيون جاؤوا بعد ذلك لتطبيق السياسة البريطانية في الخليج.
ولكن الذي عمل لمكافحة الأنظمة الوطنية، القوة الضاربة للاستعمار، كان الإخوان المسلمين وتفرعاتهم. رأينا مواجهتهم مع عبد الناصر، وعلى الهامش تكونت الصلات بين الإخوان المسلمين والمخابرات الأمريكية عام 1955، ثم في مواجهة النظام الوطني في سورية، ومواجهة النظام الوطني في الجزائر.

إذن، القوة الضاربة في للإخوان المسلمين هي في مواجهة الأنظمة الوطنية، بما يخدم مصالح الاستعمار.
لا شك أن لها تربة اجتماعية معينة، وهي الطبقات المتحولة في المجتمع والشرائح التي ليس لها مكان الصدارة في المجتمعات البرجوازية.
وهناك عوامل تساعد في انتشار الفكر الظلامي، هي الاستقطاب الكبير في المجتمع والإفقار؛ هذا كله يشكل تربة جماهيرية مناسبة لعمل التنظيمات الظلامية.

مواجهة التنظيمات الظلامية
مواجهة التنظيمات الظلامية، التي أخذ جزء منها شكلًا تكفيريًا استنادًا لمقولة حد الردة، تأتي على عدة جبهات:
لا شك أن القول والرأي يواجهان بالقول والرأي، هذا دائمًا.
ولكن أعمال التخريب والاغتيال والإرهاب تواجه بسيادة القانون.
أما المواجهة السياسية: فنحن كأحزاب وطنية تقدمية في سورية لدينا خبرة غنية في ذلك.
ففي انتخابات 1957، رشحت الرجعية، بمختلف طوائفها وأديانها، مصطفى السباعي، المرشد العام للإخوان المسلمين آنذاك.
ورشحت القوى الوطنية رياض المالكي، شقيق الشهيد عدنان المالكي، وبأساليب ديمقراطية فزنا على الإخوان المسلمين.
لذلك نحن نعرف كيف نستخدم الأساليب السياسية.
لا شك أن أحد أساليب مكافحة هذه التيارات الظلامية هو تقليص تربتها الجماهيرية من خلال تحسين المستوى المعيشي للشعب وتطوير الاقتصاد الوطني، أي السير في خط التقدم الاجتماعي.
لذلك يجب عدم مسايرتهم، بل مواجهة الفكر الظلامي بالفكر العلماني.
والفكر العلماني ليس إلحادًا، بل هو الفصل الصارم بين الدين والدولة.

وردًا على التساؤلات قال الرفيق د. عمار بكداش:

قيل إن الفقر هو ما يولد الثورة الاشتراكية.
لا أتفق مع هذا الرأي.
نحن الشيوعيون من أنصار الفقراء، ولسنا من أنصار الفقر.
لذلك أريد أن أقول: الاستقطاب الطبقي يؤدي إلى تكوين تربة للحركات الرجعية المتطرفة.
لكن التربة الأساسية هي اضمحلال الفئات الوسطى والإفقار السريع لها وللبرجوازية الصغيرة؛ والتي يدفعها ذعرها الناتج عن الإفقار السريع نحو التنظيمات المتطرفة، والتجربة التاريخية تدل على ذلك.
لذلك، بالنسبة لبلدنا، نحن نرى أن المهمة الأساسية هي تعزيز الصمود الوطني؛ فالمعركة الوطنية طويلة طالما هناك الضغط الاستعماري الصهيوني على سورية.
ونحن نرى أن تقوية هذا الصمود المشرف لسورية تقتضي تقوية الاقتصاد وتطويره، المترافق مع رفع المستوى المعيشي، وهذا بتعبيرنا هو التقدم الاجتماعي.
ويقتضي تطوير الحريات الديمقراطية بشكل دائم؛ فالحريات الديمقراطية مرتبطة عضويًا مع تطور القوى المنتجة والمستوى الحضاري لمن سيمارسها.
أيديولوجيًا: يجب التركيز على إحياء التراث التقدمي الثقافي العربي، الذي هو بحجم قاسيون وبقوة قاسيون.
للأسف، لا يظهر أحيانًا إلا أن الظلاميين والأصوليين هم ورثة هذا التراث.
نحن ورثة هذا التراث، نحن ورثة ابن رشد والفارابي وابن سينا وابن طفيل.
لماذا يتحدد التراث العربي فقط بابن تيمية؟ هناك أوجه تقدمية جدًا يجب العمل لتطويرها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...