فلاي دبي.. حادث جوي خطير أم رواية سياسية سبقت التحقيق؟

فلاي دبي.. حادث جوي خطير أم رواية سياسية سبقت التحقيق؟

أضرار الذيل، رموز الطوارئ وتضارب الروايات تفتح أسئلة مشروعة.. لكن الإجابات تحتاج إلى تحقيق مستقل

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

لم تعد حادثة طائرة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب مجرد واقعة طيران استثنائية، بعدما أثارت سلسلة من الأسئلة حول ما جرى داخل قمرة القيادة، والهبوط الحاد للطائرة، والأضرار التي ظهرت في ذيلها، وتسجيل رموز الطوارئ، ثم انتقال الحادث سريعاً إلى المجال الأمني والسياسي الإسرائيلي.

الرحلة FZ1073 كانت تحلق على ارتفاع يقارب 34 ألف قدم عندما شهدت اضطراباً حاداً وهبوطاً سريعاً؛ وتظهر بيانات «فلايت رادار 24» أن الطائرة أرسلت رمز الطوارئ العام 7700، ثم رمز 7500 الذي يستخدم للدلالة على تدخل غير مشروع، قبل العودة إلى 7700، ثم تحويل مسار الرحلة والهبوط في تبوك بالسعودية. كما تشير البيانات إلى هبوط بأكثر من 14 ألف قدم خلال أقل من نصف دقيقة في إحدى مراحل الواقعة.

هذه الوقائع وحدها تبرر طرح أسئلة جدية، لكنها لا تجيب بمفردها عن السؤال الأكبر: ما الذي تسبب في فقدان السيطرة المؤقت؟

الصور التي ظهرت بعد الهبوط أظهرت أضراراً في دفة التوجيه العمودية في ذيل الطائرة. وهذه حقيقة مادية ينبغي أن تدخل في التحقيق الفني، لكنها لا تصلح وحدها دليلاً على تعرض الطائرة لاعتراض أو هجوم خارجي. فالأحمال الديناميكية الهوائية الناتجة عن المناورات والهبوط الحاد والسرعات المرتفعة يمكن أن تكون أحد التفسيرات المحتملة، ولا يمكن تحديد سبب الضرر إلا بفحص فني متخصص للطائرة وبيانات الرحلة.

وهنا تبرز أهمية عدم الخلط بين السؤال المشروع والاستنتاج المسبق. فمن حق الرأي العام أن يسأل: هل جاءت أضرار الذيل نتيجة المناورة العنيفة؟ وهل سبقت الأضرار فقدان السيطرة أم نتجت عنه؟ وهل كان هناك عامل خارجي؟ لكن الإجابة يجب أن تأتي من سجلات الطيران، وبيانات الصندوقين الأسودين، وفحص هيكل الطائرة، وليس من الصور وحدها.

أما واقعة الاعتداء داخل قمرة القيادة، فقد أصبحت محور الرواية الرسمية الإسرائيلية؛ إذ قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن أحد الطيارين اعتدى على الآخر وحاول إسقاط الطائرة، بينما أفادت التقارير بأن الركاب وأفراداً من الطاقم تدخلوا وتمكنوا من السيطرة على الموقف. وفي المقابل، أكدت «فلاي دبي» أن أسباب الواقعة ودوافعها ما زالت قيد التحقيق، وهو فارق مهم بين وصف ما حدث وتحديد دوافعه النهائية.

كما ظهرت روايات متضاربة بشأن جنسيات أفراد الطاقم، قبل أن تتجه تقارير إسرائيلية إلى الحديث عن مساعد طيار عُماني وقائد هندي الجنسية. وهذه المسألة تطرح سؤالاً تنظيمياً مشروعاً حول شروط تشغيل الرحلات إلى إسرائيل، لكنها لا تجعل الجنسية دليلاً على الدافع أو المسؤولية. وقد أعلنت إسرائيل بالفعل أنها ستشدد إجراءات فحص الطيارين القادمين إليها بعد الحادث.

والأخطر إعلامياً هو أن بعض الروايات انتقلت بسرعة من حادث داخل قمرة القيادة إلى توصيفه كعمل إرهابي ومحاولة متعمدة لإسقاط الطائرة، في حين ظل الدافع موضع تحقيق. وحتى التقارير التي نقلت الرواية الإسرائيلية أشارت إلى عدم وجود تأكيد نهائي للدافع أو لوجود جهة منظمة تقف خلف الواقعة.

لذلك، فإن التعامل مع الحادث باعتباره «مسرحية سياسية» أو «عملية مدبرة» لا يقل خطورة عن تبني الرواية المعاكسة دون أدلة. كلا الاستنتاجين يحتاج إلى إثبات.

ما ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة هو التحقيق الفني والأمني المستقل: تحديد التسلسل الزمني الدقيق، وفحص تسجيلات قمرة القيادة، وبيانات الرحلة، واتصالات الطيارين، وحركة الطائرة، وأسباب الضرر في الذيل، والتحقق من إجراءات دخول الطاقم إلى قمرة القيادة، وتحديد المسؤولية الفردية إن ثبتت، وكذلك التحقق من شروط تشغيل الرحلة وجنسيات أفراد الطاقم وفق الوثائق الرسمية.

ومن المهم أيضاً الفصل بين الحادث وبين التوظيف السياسي المحتمل له. فمن الطبيعي أن تتخذ الدول إجراءات احترازية عندما تواجه خطراً على طائرة مدنية، لكن الإجراءات الاحترازية لا ينبغي أن تتحول إلى استنتاجات نهائية قبل اكتمال التحقيق.

وتبقى القاعدة الإنسانية الأوضح: لا يجوز تعريض المدنيين للخطر أياً كانت جنسياتهم وأياً كانت الأسباب والدوافع. فالطائرة المدنية ليست ساحة للصراع السياسي، وركابها لا يتحملون مسؤولية مواقف الحكومات أو النزاعات الإقليمية.

الحقيقة لا تُستخرج من الصور وحدها

حادثة «فلاي دبي» تطرح بالفعل أسئلة صعبة، وربما تكشف التحقيقات لاحقاً عن ثغرات أمنية أو تشغيلية مهمة. لكن الأضرار الظاهرة في الذيل، ورمز 7500، والهبوط الحاد، وتضارب الروايات، كلها قرائن تستحق الفحص وليست أحكاماً نهائية.

ولهذا فإن المصلحة العامة تقتضي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، بمشاركة خبراء متخصصين في سلامة وأمن الطيران، وإتاحة نتائجه الأساسية للرأي العام بعد اكتماله. وحده هذا المسار قادر على تحديد ما إذا كانت الواقعة اعتداءً فردياً، أو خللاً أمنياً أو تشغيلياً، أو نتيجة مجموعة عوامل متداخلة، ومنع تحويل حادث خطير إلى مادة للتضليل أو التوظيف السياسي.

فالقاعدة في مثل هذه الأزمات بسيطة: لا الرواية الرسمية تكفي وحدها، ولا نظرية المؤامرة تكفي وحدها؛ الأدلة هي التي يجب أن تتحدث.

المحامي علي أبوحبلة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...