يحيى بركات - هناك لحظات لا تعود فيها الفكرة قادرة على البقاء داخل حدود المكان الذي وُلدت فيه.

هناك لحظات لا تعود فيها الفكرة قادرة على البقاء داخل حدود المكان الذي وُلدت فيه.

تخرج منه.

تعبر البحر واللغة واللون والدين، وتذهب بحثًا عن إنسان آخر، بعيد ربما آلاف الكيلومترات، لم ير فلسطين في حياته، لكنه يعرف معنى أن يُظلم الإنسان، أن يجوع، أن يُحرم، أن يرى أبناءه يكبرون في عالم يملكون فيه القليل، بينما تتركز القوة والثروة والقدرة على تقرير مصائر الملايين في أيدي قلة.

قد يكون عاملًا في مدينة أفريقية، أو طالبًا في جامعة أوروبية، أو امرأة في أميركا اللاتينية، أو فنانًا في نيويورك، أو إنسانًا عاديًا يقف كل صباح أمام حياة أصبحت أثقل مما يستطيع حمله.

لا يعرف أحدهم الآخر.

لكن شيئًا واحدًا قد يجمع بينهم:

أن الإنسان صار أصغر من القوة التي تتحكم في مصيره.

من هذه المسافة قرأت مقال الصديق العزيز السفير د. عبد الرحمن بسيسو «الجبهة الإنسانية لمناهضة الصهيونية».

عبد الرحمن لا يكتب هذه المرة عن فلسطين وحدها، وإن كانت فلسطين تسكن النص من أوله إلى آخره. ولا يتوقف عند حكومة دولة الاحتلال أو جيشها أو عند أسماء السياسيين الذين يتغيرون بينما يبقى المشروع.

إنه يحاول نقل السؤال إلى مساحة أوسع.

يرى أن ما تكشف في فلسطين، وما بلغ ذروته المروعة في غزة، لم يعد يسمح بأن تبقى مناهضة الصهيونية قضية فلسطينية أو عربية وحدها، بل ينبغي أن تنتقل إلى فضاء إنساني عالمي، ومن هنا يدعو إلى تشكيل «الجبهة الإنسانية لمناهضة الصهيونية».

جبهة تتجاوز البلدان والقارات والثقافات، وتعمل في الفكر والعلم والفن والمعرفة والسياسة وحقوق الإنسان، وتجمع قوى مختلفة في مواجهة ما يراه مشروعًا أيديولوجيًا استعماريًا عنصريًا لا تقف آثاره عند حدود فلسطين.

هذه، كما قرأت المقال، ليست دعوة إلى إنشاء مؤسسة جديدة فحسب.

إنها محاولة لتغيير مكان السؤال نفسه.

من فلسطين إلى العالم.

ومن الفلسطيني إلى الإنسان.

ومن هنا توقفت طويلًا أمام أجمل كلمة في العنوان:

«الإنسانية».

الكلمة تبدو بسيطة، لكن إذا أخذناها إلى نهايتها تغير الكثير.

فإذا كانت الجبهة إنسانية حقًا، فهي ليست جبهة الفلسطيني ضد اليهودي، ولا العربي ضد الغربي، ولا المسلم ضد اليهودي أو المسيحي.

إنها جبهة الإنسان في مواجهة مشروع سياسي استعماري عنصري.

وهنا تبدأ الفكرة، في قراءتي، بالخروج من سطور مقال عبد الرحمن، لتفتح أمامنا طريقًا أطول من المقال نفسه، طريقًا تزداد فيه الأسئلة كلما اتسعت الرؤية.

وأول الأسئلة:

ما الصهيونية التي نريد أن نناهضها؟

ليس السؤال لغويًا، وليس ترفًا فكريًا.

حين تريد أن تجمع بشرًا من ثقافات وقارات وتجارب مختلفة حول مواجهة فكرة، عليك أولًا أن تقول لهم بوضوح ما الذي تواجهه.

علينا أن نعرّف الصهيونية سياسيًا وتاريخيًا وفكريًا، وأن نفصل دون تردد بين اليهودية كدين، واليهود كبشر ينتمون إلى شعوب وثقافات وأوطان متعددة، وبين الصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا.

هذا الفصل ليس تنازلًا لأحد.

إنه مصدر قوة.

لأنني أريد أن أرى داخل هذه الجبهة يهوديًا مناهضًا للصهيونية يقف إلى جانب الفلسطيني، لا ضيفًا عليه ولا شاهدًا نستدعيه لإثبات براءتنا، بل شريكًا كاملًا في مواجهة الاحتلال والاستعمار والعنصرية.

وأريد أن أرى المسيحي والمسلم واليهودي والبوذي والملحد، الأفريقي والأوروبي والأميركي والآسيوي واللاتيني، لا يسأل أحدهم الآخر عن إلهه أو لون بشرته أو اللغة التي نادته بها أمه للمرة الأولى.

السؤال أبسط من ذلك كله:

أين تقف من الإنسان؟

أين تقف حين يُقتلع من أرضه؟

حين يُهدم بيته؟

حين يصبح موته رقمًا؟

حين يتحول الجوع إلى وسيلة لإخضاعه؟

حين يصبح مستقبله قرارًا يتخذه شخص آخر يجلس على بعد آلاف الكيلومترات منه؟

وحين يُطلب منه، فوق كل ذلك، أن يثبت أنه يستحق الحياة؟

هنا أرى الجبهة الإنسانية التي تختبئ بذرتها داخل مقال عبد الرحمن.

وهنا أيضًا تبدأ فلسطين بالخروج من القفص الذي حاول كثيرون حبسها داخله طويلًا، باعتبار ما يجري صراعًا دينيًا أبديًا بين يهود ومسلمين، أو نزاعًا بين طرفين يتخاصمان على قطعة أرض.

فلسطين أكبر من ذلك.

فلسطين اليوم واحدة من أكثر المرايا قسوة ووضوحًا للسؤال الذي يواجه البشرية:

كم تساوي حياة الإنسان حين يقف في الجهة الأخرى من القوة؟

لكن الطريق من الفكرة إلى الجبهة طويل.

لنفترض أننا أعلنا غدًا قيام «الجبهة الإنسانية لمناهضة الصهيونية».

في اليوم التالي، ماذا نفعل؟

من يدخلها؟

من يمثلها؟

أين توجد؟

وكيف تعمل؟

هنا ينبغي أن تغادر الفكرة الورق.

أرى طالبًا في جامعة بعيدة يفتح ملفًا عن فلسطين.

وأستاذًا يرفض أن تصبح جامعته مكانًا يخاف فيه الباحث من السؤال.

ومحاميًا يحمل ملفاته ويمضي إلى المحكمة.

ونقابيًا يسأل أين تستثمر أموال صندوقه.

وفنانًا يقف أمام جمهوره.

وموسيقيًا يرفض أن يصبح الفن ستارًا للصمت.

وكاتبًا يعيد إلى الضحية اسمها بعد أن حولتها الحرب إلى رقم.

ومخرجًا يضع أمام الناس صورة حاولت السياسة طويلًا أن تدفعها خارج الإطار.

هؤلاء لا ينبغي أن يكونوا جمهور الجبهة.

هؤلاء هم الجبهة.

عندها لن تكون مجرد مؤسسة لها مقر ورئيس وأمين عام وختم على الأوراق.

ستصبح شبكة إنسانية حية، موجودة في الجامعة والنقابة والمحكمة والبرلمان والمهرجان والسينما والمسرح والكتاب والشارع والفضاء الرقمي.

وحينها يتغير السؤال.

لا يعود: كم عدد أعضائنا؟

بل: كم نافذة استطعنا أن نفتح في جدار الوعي؟

وهناك جدار آخر سنصطدم به منذ الخطوة الأولى.

سيقال إن مناهضة الصهيونية معاداة لليهود.

وأسوأ ما يمكن أن نفعله أن نقف منذ اللحظة الأولى في قفص الاتهام، نمضي وقتنا في إثبات أننا لسنا ما يقولون.

الجواب ينبغي أن يكون في الجبهة نفسها.

اليهودي المناهض للصهيونية مكانه فيها.

ومن يُضطهد لأنه يهودي ندافع عنه.

ومن يُضطهد لأنه فلسطيني ندافع عنه.

ومن يُضطهد بسبب دينه أو عرقه أو لونه أو أصله ندافع عنه.

لا لكي نقدم شهادة حسن سلوك لأحد، بل لأن الاسم الذي اختاره عبد الرحمن للجبهة يفرض ذلك علينا:

«الإنسانية».

إما أن تكون الكلمة كاملة، أو لا تكون.

ثم تفتح أمامنا نافذة أخرى.

هل تبقى الجبهة عند حدود مناهضة الصهيونية، أم تستطيع مناهضة الصهيونية أن تكون مدخلًا إلى فضاء إنساني أوسع، يواجه كل استعمار وعنصرية وهيمنة تسلب الإنسان حريته وكرامته، أيًا كان مرتكبها وأيًا كانت ضحيتها؟

السؤال لا ينتقص من خصوصية فلسطين.

إنه يمنحها قدرتها على مخاطبة الإنسان خارج حدودها.

فالفلسطيني لا يحتاج إلى أن يقف أمام إنسان في أقصى الأرض ليقول له:

مأساتي أكبر من مأساتك، فانظر إليّ.

يمكنه أن يقول شيئًا أكثر بساطة وأشد عمقًا:

انظر إليّ، لأن ما يحدث لي يمكن أن يحدث لك.

حين يصبح قتل الإنسان قابلًا للتبرير في مكان، يصبح تبريره ممكنًا في مكان آخر.

وحين تصبح الأرض غنيمة للقوة، لا تبقى أرض أحد آمنة.

وحين يصبح القانون قويًا أمام الضعيف وضعيفًا أمام القوي، فإنه لا يعود قانونًا يحمي أحدًا.

وحين يصمت العالم طويلًا أمام سحق شعب، فإنه لا يخسر ذلك الشعب وحده.

يخسر شيئًا من نفسه.

ربما هنا تكمن البذرة الأهم التي وضعها عبد الرحمن أمامنا.

لقد أعطانا عنوانًا.

لكن العنوان وحده لا يبني جبهة.

نحتاج إلى تعريف واضح للصهيونية التي نناهضها، وإلى ميثاق أخلاقي، وبرنامج عمل، وفضاء يتسع للاختلاف، وأدوات تصل إلى الناس، ولغة تعرف كيف تكون غاضبة دون أن تفقد عقلها، وكيف تكون عقلانية دون أن يبرد فيها الغضب.

فالإنسان المقهور لا يحتاج إلى محاضرة باردة تشرح له لماذا يتألم.

الجائع يعرف جوعه.

والمظلوم يعرف الظلم.

والذي يحمل ابنه المريض ويعجز عن علاجه لا يحتاج إلى خبير يشرح له معنى الحرمان.

يحتاج أولًا إلى أن يشعر أن من يخاطبه يراه.

يرى ألمه.

ويغضب معه.

ثم يجلس إلى جواره ويسأله:

ماذا نفعل بهذا الغضب؟

ربما هناك تبدأ الجبهة الحقيقية.

ليس بالضرورة حول طاولة كبيرة، يجلس خلفها المؤسسون لالتقاط الصورة الأولى.

قد تبدأ في أماكن لا يعرف أحدها الآخر.

يد تمتد إلى يد.

صوت يعثر على صوت.

كتاب يعبر حدودًا.

فيلم يدخل مدينة بعيدة.

طالب يرفع سؤالًا.

محام يفتح ملفًا.

فنان يرفض الصمت.

وإنسان يكتشف فجأة أن ذلك الإنسان البعيد عنه، المختلف عنه في اللغة والدين واللون، يخوض في جوهر الأمر معركته نفسها:

ألا تتحول حياته إلى رقم صغير في حسابات أصحاب القوة.

عندها لن تكون فلسطين واقفة أمام العالم تطلب منه أن ينقذها.

ستقف في قلبه وتقول:

تعالوا ننقذ في فلسطين شيئًا يخصنا جميعًا.

الإنسان.

وهنا أعود إلى الصديق عبد الرحمن.

لقد ألقيت حجرك في الماء يا صديقي.

والدوائر بدأت تتسع.

وأجمل وفاء لهذه الفكرة ألا نتركها مقالًا نقرأه، نصفق له، ثم نغلق الصفحة ونمضي.

لنفتح حولها النوافذ.

لنسأل عن تعريفها وحدودها وأدواتها ومخاطرها وممكناتها.

ليدخل الحوار المثقف والفنان والقانوني والأكاديمي والنقابي والطالب، وليدخل إليه أيضًا أولئك الذين لا يحملون لقبًا سوى أنهم بشر يرفضون أن يصبح الظلم قدرًا طبيعيًا للعالم.

وربما تكون الخطوة الأولى نحو «الجبهة الإنسانية لمناهضة الصهيونية» ألا نستعجل إعلان قيامها.

ربما تبدأ بأن نجعل فكرتها تمشي بين الناس.

من يد إلى يد.

ومن مدينة إلى مدينة.

ومن ضمير إلى ضمير.

حتى يأتي يوم نكتشف فيه أن الجبهة لم تعد فكرة تنتظر أن نؤسسها.

لقد أصبحت موجودة.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
3/10/2026













تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...