حسين عبروس - شمسٌ خجولة تطلّ علينا.....

شمسٌ خجولة تطلّ علينا.....
...........
ينفتح عالم الطفل على فضاء رحب من الدهشة والاكتشاف، وتظلّ اللّغة أداته الأولى لفهم ذاته ومحيطه والتّعبير عن مشاعره وأفكاره. فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل جسرٌ يبني من خلاله الطفل معارفه، ويكوّن به صورته عن العالم والآخرين. وكلما كانت اللغة قريبة من عالمه، غنية بالإيحاء والصورة والإيقاع، ازدادت قدرته على التفاعل والتخيّل والإبداع. لذلك تظلّ العناية بلغة الطفل أساسًا مهمًّا في بناء شخصيته وتنمية وعيه الثقافي والإنساني. - هي شمسٌ خجولة تطلّ علينا، وتوقظ فينا سؤالًا موجعًا: لماذا نعلّم أبناءنا لغة الآخر وكأنها جواز العبور الوحيد إلى المستقبل؟
لسنا ضدّ تعلّم اللّغات الأجنبية؛ فاللّغة نافذة على العالم، لكن النافذة لا ينبغي أن تصبح وطنًا،
والجسر لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية.المشكلة تبدأ حين نزرع في عقل الطفل أن العلم لا يكتمل إلا بلسان أجنبي، وأن العربية تصلح للماضي، بينما المستقبل مكتوب بالفرنسية والإنجليزية.
لقد عرف أسلافنا لغات الأمم، وترجموا علومها، ثم تجاوزوا الترجمة إلى الإبداع، فجعلوا
العربية لغةً للطب والفلك والرياضيات والفلسفة وغيرها.لم يكن الخوارزمي وابن الهيثم وابن سينا عظماء لأنهم تحدثوا بلسان الآخر، بل لأنهم امتلكوا عقلًا منتجًا وثقةً في قدرتهم على
الإضافة.واليابان والصين وألمانيا وغيرها انفتحت على العالم، واستفادت من علومه، لكنها لم
تجعل التخلي عن لغاتها شرطًا لدخول العصر،فالنهضة لا تصنعها لغة أجنبية؛ تصنعها مدرسة قوية، وجامعة منتجة، ومختبر حي، وعقل يؤمن أن المعرفة تُنتج ولا تُستهلك.
لكن الاستعمار اللغوي أخطر حين لا يأتي بجندي أو دبابة، بل يأتي في ثوب ناعم: مصطلح،
وإعلان، ومناهج، وقناعة تتكرر حتى تصبح عقيدة،ثم يبدأ الإنسان في النظر إلى لغته بعين الآخر، فيستحي من العربية، ويظن أن الكلمة الأجنبية أكثر رقيًا، وأن الحداثة لا تُنال إلا بلسان
غيره.هنا لا تكون المعركة مع الفرنسية أو الإنجليزية، بل مع عقدة الدونية التي تجعل لغة
الآخر معيارًا لقيمة الإنسان.علّموا أبناءكم لغات العالم كلها، ولكن علّموهم أن اللغة وسيلة
للمعرفة، وليست هوية بديلة، وأن الانفتاح قوة حين يكون الإنسان ثابت الجذور.نريدهم أن يقرأوا فولتير وشكسبير، دون أن يجهلوا الجاحظ والمتنبي وابن خلدون والخوارزمي وابن
الهيثم؛ أن يعرفوا العالم دون أن يفقدوا أنفسهم ونريد أن نترجم علوم الآخرين، نعم، لكن نريد أيضًا أن يصبح لدينا علمٌ وأدبٌ وفكرٌ وتقنيةٌ تستحق أن تُترجم إلى لغات العالم.
فالأمة لا تنهض حين تتقن استهلاك ما ينتجه الآخرون، وإنما حين تمتلك القدرة على إنتاج المعرفة بلغتها، ثم تخاطب بها العالم كله.
افتحوا لأبنائكم كل نوافذ العالم، لكن لا تهدموا البيت؛ فالحضارة ليست أن تتحدث بلسان غيرك، بل أن يكون لديك ما يستحق أن يسمعه العالم منك.






https://youtube.com/watch?v=UCP84kb...PVm-qQzheYqYrJIGXc_aem_R5RBqbBEf3qU3T4Se3RBJA

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...