يحيى بركات - «حين نكتب أنفسنا خارج التاريخ»

يجلس الفلسطيني أمام شاشة صغيرة.
يقرأ مقالًا، ثم ينتقل إلى آخر. يفتح تسجيلًا للقاء تلفزيوني، يستمع إلى رجل يتحدث بثقة العارف بما جرى خلف الأبواب المغلقة، ثم إلى آخر يعرف لماذا اندلعت الحرب، ومن خطط للعملية، ومن فتح الطريق، ومن أغلقه، ومن اخترق من، ومن كان يعرف ولم يتكلم.

كل شيء واضح.

كل شيء مرتب.

لكل حادثة غرفة سرية، ولكل غرفة يد خفية، ولكل يد خيط يصل في النهاية إلى المكان نفسه.

يغلق الفلسطيني الشاشة.

لكن شيئًا غريبًا يكون قد حدث.

لم يعد موجودًا في الحكاية.

لن أذكر أسماء أصحاب هذا الخطاب. ليس خوفًا من الاسم ولا عجزًا عن مواجهته، بل لأن بعض الأسماء تكبر حين نختلف معها أكثر مما تكبر بما تكتب أو تقول. وما يعنيني هنا ليس الأشخاص، بل ذلك المنهج الذي يتكرر في المقالات والمنشورات واللقاءات التلفزيونية حتى يبدو أحيانًا كأنه مدرسة كاملة في قراءة التاريخ الفلسطيني.

مدرسة تبدأ بالسؤال، وهذا مشروع، لكنها لا تلبث أن تقدم الإجابة قبل أن تبحث عن الدليل.

كيف حدث هذا؟

مؤامرة.

لماذا وقع ذاك؟

اختراق.

كيف نجح العدو هنا؟

كان يعرف.

وكيف فشل هناك؟

كان يريد أن يفشل.

وإذا قاوم الفلسطيني قيل إن أحدًا دفعه إلى المقاومة، وإذا فاوض قيل إن أحدًا رسم له طريق المفاوضات، وإذا انتفض قيل إن هناك من سمح له بالانتفاض، وإذا هدأ قيل إن هناك من قرر له أن يهدأ.

حتى يصبح التاريخ الفلسطيني كله غرفة مغلقة، والفلسطيني آخر من يعرف ما جرى فيها.

المشكلة ليست في الشك.

نحن أكثر الشعوب حقًا في أن نشك.

عشنا الاختراق، وعرفنا الاغتيالات، وشاهدنا كيف تعمل أجهزة الاحتلال وكيف تستثمر الخلاف الفلسطيني والعربي، وكيف تبحث عن الثغرة الصغيرة لتدخل منها إلى البيت كله.

ومن حقنا أن نسأل عن كل شيء.

من حقنا أن نسأل عن القيادة.

عن السلطة.

عن منظمة التحرير.

عن فتح وحماس وبقية الفصائل.

عن الحرب والسلم.

عن السلاح والمال.

عن أوسلو وما قبل أوسلو وما بعده.

عن السابع من أكتوبر وما قاد إليه وما ترتب عليه.

وعن الانتخابات أيضًا: لماذا تأخرت؟ ومن يريدها؟ ومن يخشاها؟ وهل تستطيع الانتخابات وحدها أن تعيد بناء نظام سياسي أنهكته سنوات الانقسام والاحتلال وغياب المشاركة؟

هذه ليست أسئلة محرمة.

المحرم الحقيقي أن يصبح السؤال خيانة.

لكن هناك فارقًا بين السؤال وبين الإجابة الجاهزة.

فالسؤال يفتح الباب.

أما اليقين الذي لا يحتاج إلى دليل فيغلقه.

وهنا تبدأ الحكاية الأخرى.

في هذا النوع من الخطاب تبدو دولة الاحتلال وأجهزتها شيئًا يكاد يكون خارقًا.

تعرف ما سيحدث قبل أن يحدث.

تخترق الجميع.

تصنع أعداءها.

تستخدم أصدقاءها.

تحرك المقاومة حين تحتاج إليها، وتحاصرها حين تنتهي حاجتها إليها.

تسمح بالعملية حين تريد الحرب، وتمنعها حين تريد الهدوء.

تُسقط مشروعًا سياسيًا، وتصنع مشروعًا آخر.

وتدير الفلسطينيين، سلطة ومعارضة وفصائل وأفرادًا، كما لو أنهم قطع صغيرة فوق طاولة كبيرة.

الغريب أن هذا الخطاب يقدم نفسه غالبًا باعتباره أشد الخطابات عداءً لإسرائيل.

لكنه، من حيث لا يدري أو يدري، يمنحها ما لم تمنحه لنفسها دائمًا:

العقل الكامل.

والقدرة الكاملة.

والمعرفة الكاملة.

وفي الجهة الأخرى يقف الفلسطيني ناقصًا في كل شيء.

قيادته لا تعرف.

مؤسساته لا تعرف.

مقاومته لا تعرف.

مجتمعه لا يعرف.

وحده ذلك العقل المختبئ خلف الجدار يعرف كل شيء.

وهكذا نكون، ونحن نظن أننا نفضح العدو، قد صنعنا له أسطورة.

وهنا يصبح الأمر أخطر من نظرية مؤامرة.

لأن القضية لم تعد تفسير حدث.

إنها إعادة كتابة شعب.

خذوا التاريخ الفلسطيني وأعيدوا النظر إليه بهذه الطريقة.

ماذا يبقى منه؟

ثورة 1936؟

ربما كانت لعبة دولية.

منظمة التحرير؟

صناعة هذا النظام أو ذاك.

الكفاح المسلح؟

اختراق.

الانتفاضة الأولى؟

هناك من سمح لها.

أوسلو؟

مؤامرة.

الانتفاضة الثانية؟

مؤامرة أخرى.

الانقسام؟

صنعه الآخرون.

المقاومة؟

أداة.

السلطة؟

أداة.

الانتخابات؟

مسرحية.

وإذا استمررنا قليلًا فلن نحتاج إلى تاريخ فلسطيني أصلًا.

سنحتاج فقط إلى تاريخ أجهزة المخابرات التي صنعت الفلسطينيين وحركتهم ثم أعادتهم إلى بيوتهم.

لكنني أعرف تاريخًا آخر.

تاريخًا فيه بشر.

وهذه كلمة مهمة.

بشر يصيبون ويخطئون.

قادة اتخذوا قرارات صحيحة وأخرى دفعنا ثمنها.

فصائل قدمت شهداء وارتكبت أخطاء.

مؤسسات حملت اسم فلسطين إلى العالم ثم أصابها ما أصابها من ضعف وترهل.

مقاومة حققت أشياء وأخفقت في أشياء.

سلطة لها ما لها وعليها ما عليها.

وانتفاضات لم تولد في مختبرات المخابرات، بل خرجت من تراكم طويل للقهر والاحتلال والغضب والرغبة في الحرية.

هذا التاريخ أقل إثارة من الحكاية السرية.

لكنه أكثر إنسانية.

وأكثر صدقًا.

لأنه يعيد للفلسطيني شيئًا أساسيًا:

مسؤوليته عن تاريخه.

والمسؤولية ليست مديحًا.

أن تقول إن الفلسطيني صنع تاريخه لا يعني أن تقول إنه أحسن دائمًا صنعه.

على العكس.

إذا كنا فاعلين في تاريخنا فنحن مسؤولون أيضًا عن أخطائنا.

وهنا تصبح المحاسبة ممكنة.

نسأل لماذا اتخذ هذا القرار.

ولماذا فشل ذاك.

ولماذا انقسمنا.

ولماذا لم تتجدد المؤسسات.

ولماذا غابت الانتخابات.

ولماذا تحولت بعض الفصائل من حركات واسعة إلى أسماء تعيش على تاريخها.

ولماذا ابتعد الناس عن السياسة.

ولماذا فقد كثيرون الثقة.

هذه أسئلة مؤلمة.

لكنها أسئلة شعب حي.

أما حين نقول إن الآخرين صنعوا كل شيء، فإننا نقدم لأنفسنا براءة مجانية.

لم نفشل.

هم أفشلونا.

لم نخطئ.

هم دفعونا إلى الخطأ.

لم ننقسم.

هم قسمونا.

لم نتخذ القرار.

هم اتخذوه عنا.

وهكذا تتحول نظرية المؤامرة، التي تبدو في ظاهرها اتهامًا للعدو، إلى وسيلة نهرب بها نحن من سؤال المسؤولية.

ثم تأتي الضربة الأخيرة.

بعد أن يُهدم كل شيء أمام الفلسطيني، يقال له إن الانتخابات أيضًا لا معنى لها.

لماذا تنتخب؟

هل ستعيد الانتخابات أموال المقاصة؟

هل ستوقف المستوطن؟

هل ستزيل الحاجز؟

هل ستمنع مصادرة الأرض؟

والأسئلة تبدو منطقية إذا أخذنا كل واحد منها منفردًا.

فالانتخابات لن تزيل الاحتلال صباح اليوم التالي.

لكن هل كانت وظيفة الانتخابات في أي شعب تحت الاحتلال أن تجعل المحتل يختفي؟

الانتخابات تفعل شيئًا آخر.

تقول من يمثل الناس.

من يملك القرار.

من يحاسب من.

ومن يستطيع أن يقول: أنا أتحدث باسم الفلسطينيين، لأن الفلسطينيين أعطوني هذا الحق.

قد نختلف على الانتخابات وظروفها وشروطها وإمكان إجرائها تحت الاحتلال، لكن تحويلها إلى نكتة لا يعاقب الاحتلال.

إنه يعاقب الفلسطيني بحرمانه حتى من حقه في إعادة ترتيب بيته.

وهكذا تكتمل الدائرة.

القيادة لا تصلح.

المنظمة لا تصلح.

السلطة لا تصلح.

الفصائل لا تصلح.

المقاومة مشبوهة.

والانتخابات بلا جدوى.

حسنًا.

ماذا بقي؟

هنا أبحث دائمًا عن الجواب فلا أجده.

يبرع هذا الخطاب في هدم البيت غرفة غرفة، لكنه عندما يصل إلى آخر جدار يتركنا في العراء ويمضي.

لا مشروع بديلًا.

لا مؤسسة بديلة.

لا طريقًا سياسيًا.

لا شكلًا جديدًا للتمثيل.

فقط ركام كثير ورجل يقف فوقه ويقول:

ألم أقل لكم إن الجميع فاسدون؟

لكن الشعوب لا تعيش فوق الركام.

والتحرر لا يصنعه شعب فقد ثقته بنفسه.

يمكن لشعب أن يغير قيادته.

أن يعيد بناء مؤسساته.

أن يحاسب فصائله.

أن يرفض اتفاقًا.

أن يراجع تجربة مقاومة.

أن ينتخب.

أن يقاطع الانتخابات.

أن يثور على نظامه السياسي.

أن يبني نظامًا آخر.

كل ذلك فعل.

أما أن يقتنع بأن كل الأبواب تقود إلى الغرفة نفسها وأن يدًا خفية تمسك بالمفاتيح كلها، فذلك ليس وعيًا سياسيًا.

ذلك إعلان عجز.

وفي النهاية نعود إلى الفلسطيني الذي أغلق الشاشة.

كان في البداية غاضبًا.

ثم عرف أن قيادته لا تمثله.

وأن معارضتها لا تمثله.

وأن مقاومته قد تكون مخترقة.

وأن منظمته انتهت.

وأن انتخاباته مسرحية.

وأن كل محطة كبيرة في تاريخه ربما كتبها شخص آخر.

ينظر حوله.

لا يجد أحدًا.

حتى هو لم يعد هناك.

بقيت فلسطين.

وبقي الاحتلال.

لكن الفلسطيني الذي يفترض أن يغير المسافة بينهما جرى إخراجه من الحكاية.

وهنا ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نبقى أمامه طويلًا:

ليس من كتب هذا الخطاب؟

ولا لمصلحة من يعمل صاحبه؟

فتلك أسئلة قد تأخذنا إلى أشخاص لا يعنيني أن أمنحهم من القيمة أكثر مما تمنحهم كلماتهم.

السؤال الأهم هو:

ماذا يفعل هذا الخطاب بنا؟

ومن المستفيد حين نقتنع بأن عدونا قادر على صناعة كل شيء، بينما نحن عاجزون عن صناعة شيء؟

وحين يصبح الفلسطيني مجرد متفرج على فيلم حياته...

من يكتب النهاية؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
4/10/2026




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...