حوار مع مبدع وناقد من قلب “أرض القمر”، حيث تتماوج رمال شمال سيناء الحارقة على إيقاع البحر المتوسط، وتاريخ العريش الممتد، ومن بين ملامح الجغرافيا، وعبر التاريخ، وعمق الموروث الثقافي، يطل علينا الأديب والناقد والشاعر السيناوي الكبير/ حاتم عبد الهادي محمد السيد؛ فهو قامة أدبية واستثنائية؛ جمعت بين أساليب البلاغة والنقد، وفنون السرد والشعر.
ولد الشاعر والناقد أ./ حاتم عبد الهادي محمد السيد بمدينة العريش وتخرج في كلية التربية (قسم اللغة العربية والإسلامية)، ليتدرج في خدمة الكلمة والمؤسسات الأدبية، متسنماً رئاسة رابطة الأدباء العرب ورابطة أدباء آسيا وأفريقيا، إلى جانب عضويته بأمانة مؤتمر أدباء مصر واتحاد كتاب مصر. ولم تكن مسيرته الإبداعية مجرد نتاج أدبي عابر، بل كانت تجسيداً وثائقياً وحياً للتراث والنضال السيناوي؛ تجلّى ذلك في أعماله الروائية المتنوعة مثل “ثعلب الصحراء” و”البدوي” و”كونشيرتو الحب”، فضلاً عن دواوينه الشعرية وموسوعاته البحثية في تراث البادية والقضاء العرفي وأعلام سيناء.
في هذا الحوار الممتد، نغوص مع ضيفنا في أعماق تجربته الإبداعية، ونقرأ معه تحولات القصيدة والسرد السيناوي بين ذاكرة المقاومة وواقع التجديد الأدبي، لنستكشف كيف يتحول المبدع إلى حارس لأرشيف الوطن وذاكرته الحيّة.
س1: أديبنا القدير، تحضر شمال سيناء في أعمالك الروائية : (“ثعلب الصحراء”، “البدوي”، “كونشيرتو الحب، دماء على جسر التايمز ) ليس فقط كخلفية جغرافية، بل كبطل فاعل له صوته وذاكرته. كيف توازن في سردك الروائي بين الحقيقة التوثيقية لنضال أهل شمال سيناء والتراث، وبين متطلبات الفن والتخييل الروائي؟
– الأدب والواقع لا ينفصلان، بل أن الأدب هو تجسيد حي للواقع الإجتماعي، والسياسي، والإقتصادي لجغرافيا سيناء التي تتمتع بخصوصية، وبطبوغرافية مختلفة، فسيناء هي بوابة مصر الشرقية، وهي شبه جزيرة يحيط بها البحرالمتوسط، وقناة السويس، والبحر الأحمر بينما ضلعها الأعمق ينفتح على الصحراء بطبيعتها البدوية،ومنها التاريخية العتيقة؛ حيث السكان لا يزالون- هنا- يحافظون على حياة البداوة في المراكز، بينما تظل مدينة العريش هي حاضرة سيناء، وعاصمتها التي تأثرت بالمكان والجغرافيا، وأحداث التاريخ المصري العريش في البوابة الشرقية لمصرنا الحبيبة؛ومن هنا خرجت أعمالي؛ كمزيح بين البداوة، والتمدين.
س2: كتبتَ عن القضاء العرفي والتراث الشفهي لأبناء الصحراء في موسوعات بحوثك؛ إلى أي مدى ترون أن التراث السيناوي ما زال بحاجة إلى أدوات نقدية وروايات جديدة تنتشله من أطر “الفولكلور المحلي” إلى آفاق العالم والإنسانية؟
– لقد كان الموروث الشعبي للبيئة سيناء،وتراثها الممتد أكبر الأثر في موضوعات رواياتي، خاصة رواية البدوي (خراريف أبو سرور) وهي رواية تجمع بين مفردات التراث الشعبي، وعالم الميثولوجيا، كما أنها تجسد العادات والتقاليد، والأزياء، والطب الشعبي، بينما كانت معالجتي الروائية توثق لدستور البادية المتمثل في القضاء العرفي، والقضاء العشائري، الذي يمثل قانون الصحراء، حيث لشيخ القبيلة،والعرف السيطرة، على زمام ومقدرات البشر. فبدو سيناء تحكمهم عادات وتقاليد، وقانون عرفي صارم، وله إجراءات قاسية، وتشريعات، بل قضاة مختصين، ولكل قضية قاضيها الخاص، فقضايا الدم والقتل تختص بها قبيلة بلي، وقضايا النساء للمسعودي، وهناك قضاة للزروع والثمار، والإعتداء على أرض الآخرين، وغير ذلك.
وحقيقة فإن التراث السيناوي مهدد بخطر المحو والإندثار نتيجة للغزو الثقافي من جهة، وعدم جمع الكثير من مفردات ذلك التراث. ولقد جمعت ما أستطيع جمعه من خلال كتبي عن : الشعر البدوي، كتاب قبيلة المساعيد وقضاء المنشد ( الذي يختص بقضايا الاعتداء على المرأة، وكتاب التراث القصصي عند بدو سيناء، إلى جانب موسوعة معالم من التراث السيناوي، وكانت بجهود خاصة بي كذلك.
س3: تتنقل في إبداعك بين القصيدة الفصحى واللون النبطي/البدوي الذائق. كيف تتحدد لديك لحظة الميلاد الشعري؟ ومتى يفرض النص على حاتم عبد الهادي لغته ووزنه وهويته الشفاهية أو المدونة؟
– النص هو الذي يكتبني، فأنا لا أحدد أي الأشكال سأكتب، ولا أخطط لكتابة قصيدة، أو نص. وتمثل الكتابة لديّ مشروعاً ثقافياً يجسد القيم الإنسانية، ويعالج العديد من القضايا، وكان الوطن، وقضايا الهوية وأدب وثقافة الحدود،وأدب الحرب هو المشترك في أغلب أعمالي منذ صدور ديواني الأول ” أرض القمر” وهو من عنوانه يشير إلى سيناء.
كما يمثل البحر – عندي- مشتركاً آخر لكتابة الذات، ولقد كتبت القصيدة الفصيحة والعامية، وبدأت بالشعر العمودي، والتفعيلي، وقصيدة النثر كذلك، وقدمت للمكتبة العربية حوالي عشرة دواوين منها: سأحرث الهدير في صحراء البحر، معطفي لن يمنع الحب، سهوب العذاب، وديوان اشتعال الجسد، الحب الأول، وديوان عبير الوردة المقدسة، إلى جانب خمسين كتاباً آخرين في مجال النقد والتراث والأنثروبولوجيا، وكتب أخرى تختص بالشأن الثقافي والمعرفي، والديني، وغير ذلك.
س4: يُلاحظ في دواوينك حضور كثيف للرمز والوعي الاجتماعي. هل تعتقد أن القصيدة المعاصرة في الإقليم ما زالت قادرة على الاحتفاظ بدورها التنويري في ظل طغيان السرد والرواية على المشهد القرائي؟
– الشعر ديوان العرب المعبر عن آمالها وآلامها بلا منازع، وليس صحيحاً مقولة هذازمن الرواية، وأنها ديوان العرب، رغم انفتاح الرواية المعاصرة على كل شىء. وبحكم دراستي بقسم اللغة العربية،والتربية الإسلامية بالجامعة، ونشأتي في حفظ القرآن الكريم، وقراءة كتب العرب العتيقة، تأثرت لغتي بالرمز والتكثيف، ومحاولة التنوير على الواقع المعاش في البادية، وعلى الحدود المصرية الفلسطينية، والعربية من جهة أخرى. وتراني أؤكد أن الشعر هو الذي يحفظ الهوية للمكان، ويكتب التاريخ والجغرافيا، ويستشرف للمستقبل آفاقه التي تشتبك مع الكون والعالم والحياة.
س5: ترأستَ رابطة الأدباء العرب، ورابطة أدباء آسيا وأفريقيا، وشاركت في أمانات، ورئاسة مؤتمرات أدباء مصر. كيف تقيّمون واقع المشهد النقدي في أقاليم مصر عموماً وشمال سيناء خصوصاً؟ وهل يواكب النقد حجم المنتج الإبداعي للشباب اليوم؟
– الحمد لله لقد بلغت مكانة متميزة في عالم النقد والإبداع، وأسست لنفسي مساحة خاصة بي؛ لا بأس بها في مجال النقد، وحاولت البحث عن نظرية نقدية عربية كنظرية المعنى- التي طرحتها، وأسست لها، من خلال كتابي ” نظرية المعنى”، كبديل إلى جانب المجاز، ولعمري فقد وازن العرب بين اللفظ والمعنى، وحاول عبدالقادر الجرجاني وضع تأسيس أول للنظرية، لكنني أنطلقت من مكونات حداثية، وقد استفدت من نظرية تداخل الأجناس الأدبية، لوضع أسس نظرية ربما تمثل بذور النظرية العربية النقدية المعاصرة.
أما واقع المشهد النقدي في مصر فهو في مرحلة من التعافي منذ حازم القرطاجني، ومروراً بمحمد مندور، وبعض كتابات د. جابر عصفور،ود. صلاح فضل، لكن – كما أرى- فإن الكثير من النقاد المعاصرين قد جاوزوا هؤلاء، وأسسوا لتجربة نقدية مصرية عربية مغايرة، ولقد حرصت – منذ كتاباتي على تأسيس نقدي عربي/ غربي من خلال كتبي النقدية مثل : كتاب السيموطيقا والخطاب الأدبي، وكتاب السيمولوجيا والنص، وكتابي عن تحولات الرواية العربية المعاصرة، وكتابي علم النقد الأدبي، وكتابي نظرية الأجناس الأدبية كمدخل إلى نظرية المعنى، ولقد تم الاحتفاء- عربياً- بأطروحتي عن نظرية المعني ونشرت العديد من الأبحاث التي تؤطر لها في العديد من المجلات المحكمة، والمتخصصة في النقد الأدبي، ولقد وثقت ذلك خلال تأسيسي، وترأسي لرابطة الأدباء العرب، ورابطة الأدب الإفرو- آسيوي، وغير ذلك.
وأزمنة أن النقد بدا يتعافي مصرياً،عربياً.. بوجود بعض النقاد المتميزين سواء في مصر، أو الوطن العربي، لكنه مع ذلك لم يستطع مواكبة التسارع وتلاحقات العصر التكنولوجية، وظهور المنتج الإبداعي الجديد في كل الأشكال والأجناس الأدبية التي استفادت من الميديا المعاصرة، وتشابك العلوم والمعارف الكونية، والعلمية والتكنولوجيا الحديثة.
س6: بصفتكم حارس للذاكرة الأدبية السيناوية، ما هي الأزمة الحقيقية التي تواجه الكاتب الإقليمي في إيصال صوته للمؤسسات العاصمة ودوائر النشر الكبرى؟ وكيف ترى مستقبل نوادي الأدب والمجلات الإقليمية؟
– المحلية دليل العالمية، وأزمة نقاد وأدباء الأقاليم تكمن في بعدهم عن المركز، في العاصمة، إلى جانب وجود الشللية، واستحواذ بعض أنصاف المواهب على مقدرات النشر، علاوة إلى ارتفاع تكلفة النشر، وهو ما أدى إلى ابتعاد وعزوف كثير من الأقلام الجيدة التي آثرت الصمت تجاه هذا الهاموش الثقافي، الذي يتصدر المنابر الثقافية في العواصم العربية، وليس في مصر فحسب.
أما المجلات الإقليمية في مصر فهي قليلة جداً، ولا يليق بحجم دولة تمثل مركزية الثقافة العربية مثل مصر ألا نجد بها سوى بضعة مجلات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، وتلك طامة أخرى. وأرى أن نوادي الأدب لها دور فاعل، لكنها أصبحت شلليات، وهو ما يؤشر إلى تراجع الثقافة، رغم إصرار أدباء الأقاليم على أن يكون لهم مكان في خريطة المشهد الإبداعي المصري، فهي أزمة حقيقية لملف الإبداع في الوطن العربي.
س7: بعد هذه المسيرة الحافلة بين التدريس، البحث التاريخي، العمل المؤسسي، والإبداع الأدبي؛ ما هو المشروع الذي ما زال حاتم عبد الهادي يعكف عليه ويعتبره “وثيقته الأهم” التي لم تكتمل بعد؟
– لازلت أطمح في وجود مؤسسات ثقافية ومراكز حقيقية لجمع التراث والموروث السيناوي، الذي بدأ يحتضر – كما أرى- فهذا التراث يجسد الهوية المصرية، ويعمق قيم الولاء والإنتماء، والقيم المجتمعية، حيث يعتبر التراث هو سنامة الأمن القومي، خاصة في المحافظات الحدودية وسيناء. كما أنني بعد حوالي خمسين كتاباً قدمتها في العديد من المجالات الأدبية والثقافية لا زلت أرى أنني لم أقدم إلا اليسير مما لديٍ، إلا أن المشروع الذي أتبناه، وليت الدولة بمؤسساتها خاصة وزارة الثقافة تحاول اللحاق به- هو جمع التراث الشعبي السيناوي، وفي الحدود المصرية، وحصر التراث المعماري، والشعبي، والتأكيد على خصوصية سيناء لأنها الجزء الأهم في مشروع الدولة الوطنية، ومصر الحديثة، فالدول التي بلا تراث، وثقافة تأصيلية، ستزول وتنتهي.
والتراث هو الحافظ للهوية للدول، وهو عدو الأمبريالية، والماسونية العالمية، وهو ما تحاول قوي الإمبريالية، والصهيو- أوروبية فعله، في محو الهوية، والاستعمار الثقافي من خلال الشركات العابرة للقارات، والهيمنة، والعولمة، وتقسيم الوطن العربي إلى دويلات، تتنازعها صراع المذهبيات، والأعراق، والحروب والفتن، كما يحدث الآن، كذلك.
8. ”الصحراء في الإبداع الأدبي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي مفهوم فلسفي يتراوح بين العزلة والاتساع. كيف تتشكل ‘سيميائية الصحراء’ في نصوصك الروائية والشعرية؟ وهل ترى أن الصحراء بثرائها الرمزي تفرض على المبدع لغة خاصة تنحو نحو التكثيف والغموض الشفيف؟”.
– الصحراء هي البراح الممتد، والفضاء الذي يؤطر معظم أعمالي الإبداعية، فالصحراء تعني الوطن، ومكان الميلاد، والهوية، والأكسيولوجيا بقيمها الحضارية والثقافية والمعرفية والإنسانية كذلك. وهي موجودة في كل دواويني الشعرية، ورواياتي، بل وكتاباتي. والصحراء هي الورقة التي ميزت الأبجدية السينائية كأقدم أبجديات العالم، ومن الصحراء كانت البداوة والحضارة والتمدين، ولقد كان الفرعون لا يتم تعميده كمعبود، أو كحاكم للمصريين القدماء دون أن يتم انتقاله إلى سيناء، لأخذ ختم الإمارة من سيناء، وهذه الآثار موجودة في وادي المّكتَّب بوسط سيناء، وعلى جدران معبد سرابيط الخادم هناك، فسيناء هي المركز المصري القديم، ومفتاح الإمارة والحضارة، والملك والسلطان كذلك !!.
9. “في كتبك التوثيقية وموسوعاتك عن سيناء والقضاء العرفي تجتهد كمؤرخ وباحث يلتزم بالوثيقة، بينما في الرواية تتخفف من قيد الحقيقة لصالح الحقيقة الفنية. كيف يدير حاتم عبد الهادي هذا الصراع الأبستمولوجي بين صرامة المؤرخ، وحرية الروائي عندما يتعاملان مع المادة التاريخية ذاتها؟”.
– الإبداع عندي يتشابك مع المعرفة والعلم، فالكتاب التوثيقي له مادته، وطرائق تكوينيته، بينما الرواية والشعر يلعبان دوراً فاعلاً في الثقافة الشعبية، كما أن التخييل، والميثولوجيا لهما دورهما في كتاباتي، بغية إنتاج إبداع مغاير، له بصمة سيناء بتراثها الشعبي والثقافي، وطبوغرافيتها، ومناخها الجيو- سياسي، والسيسيولوجي والإجتماعي، ومن هنا كانت موسوعة أعلام سيناء كتاباً عن تاريخ البشر والأعلام والمؤثرين، وإن ارتبطت بالأركولوجيا، والمعاني الأبستمولوجية التي أحاول تأسيس جذور لها داخل العلاقة بين الذات والكون والعالم، وبين البرهان واليقين، في محاولة عندي للبحث عن المعنى خلف ظواهر الفن، لإبراز جمالياته، واستكناه جوهره، وفضاءاته، بعيداً عن الأيديولوجيا كذلك.
10. يعتمد التراث البدوي في جانب كبير منه على الشفاهية (المحاكاة، القصيد النبطي، الأسطورة المحلية). عند نقل هذه الشفاهية السيناوية الغنية إلى ‘نص مدون’ يخضع لقواعد الكتابة الحديثة، ما الذي يضيع في الطريق؟ وكيف تعمل على إنقاذ ‘روح الشفاهية’ من الجفاف عند صياغتها كتابياً؟”
– هذا سؤال ذكي، لكن افتقار سيناء إلى تدوين الموروث، قد أحدث شبه قطيعة بين الواقع والموروث، وما تتناوله الأعمال الأدبية والفنية يعد قشوراً في جوهر الموروث الشعبي السيناوي الزاخر بالمثيولوجيا، والقصص، والشعر النبطي” البدوي”، والأمثال والحكم، والسامر، والأغاني التراثية التي تحكي التاريخ، وتؤطر للمكان، وتكتب صفحة مفقودة من تاريخ مصر على مر العصور.
ولا شك بأن التناص مع التراث وإعادة انتاجيته يستلزم جمعه وتدوينه، وهو ما ننادي به، رغم وجود مشروع أطلس الفلكلور للهيئة العامة لقصور الثقافة، إلا أنه جمع القشور، لكن الزبد ما زال موجوداً، وبدأ يتلاشى الكثير بموت الحفاظ والرواة، وأمناء التراث الذين يحفظونه في الصدور شفاهة- دون تدوين كذلك.
11. القضاء العرفي في شمال سيناء يمثل قانوناً فاعلاً ينظم الحياة الاجتماعية منذ قرون. كيف يقرأ الباحث النص الأدبي لديك منظومة ‘البشعة’ و’الملامح العرفية’؟ هل تراها إرثاً إنسانياً لحفظ التوازن المجتمعي، أم أن النص الإبداعي يشتبك معها بنقد مضمر يرصد تحولاتها في العصر الحديث؟”
– إعادة انتاجية التراث السيناوي داخل النص الأدبي هي حنكة ومعرفة بطبيعة وجوهر الفن وقيم البداوة، ولقد وظف الأدب السيناوي ذلك، وتشابك مع التحولات العامة للمجتمع، فهو ليس موثقاً للأحداث فحسب، بل منتقداً أيضاً لبعض العادات التي لا تتماشى مع الفطرة، والتي تمثل رمزاً أيقونياً في دستور البداوة، حيث يعد القضاء العرفي هو قانون الصحراء، وهناك قبائل متخصصة في القضايا العامة، والخاصة فقبيلة بلي تخصصت في قضايا القتل والدم، وقبيلة المساعيد مختصة بشأن المرأة والإعتداء عليها، كالمنشد، وغيرها لقضايا الزروع والثمار، والإعتداء على الغير.
أما البشعة فهي نظام قضائي عشائري رادع،لكي يقر اللص أو المعتدي بجريمته،وإلا يلحس بلسانه النار المتجمرة، وطاسة البشعة مخيفة، لكنها ذات أثر رادع حقاً، وإن كان يمكن استحداث أدوات أخرى أقل رحمة، أو ترهيباً من النار ولحس طاسة النار دليل الردع، عند الإنكار، لتطبيق العدل القبلي من خلال القاضي العرفي.
12. تناولتَ أدب المقاومة والبطولات الوطنية في أعمالك (مثل ‘ثعلب الصحراء’). كيف تطورت صورة ‘المقاوم السيناوي’ في السرد المعاصر مقارنة بأدب الستينيات والسبعينيات؟ وهل انتقلت الرواية من مجرد رصد الفعل النضالي المباشر إلى تشريح أثره النفسي والوجودي على الشخصية؟”
– رصدت رواية ثعلب الصحراء أدب المقاومة في سيناء، وجسدت لأبطال أبناء سيناء من خلال العمليات البطولية لهم خلف خطوط المستعمر الصهيوني لسيناء، منذ نكسة ١٩٦٧م، ثم في حرب الإستنزاف، وأخيراً انتصارات أكتوبر عام ١٩٧٣م. وأبرزت الرواية دور المخابرات المصرية من خلال منظمة سيناء العربية؛ التي أسسها الرئيس/ محمد أنور السادات، والتي اعتمدت شعر البادية البدوي، كشيفرة لدى المخابرات، وكانت المنظمة نواة للدداع الإستراتيجي العسكري لدي الجيش المصري. فلقد كان ذكاء رجال المخابرات العامة، والمخابرات الحربية، والأجهزة المعنية في استحداث،واستخدام، شيفرة جديدة، لا تلتقطها أجهزة اللاسلكي الإسرائيلية، ولا تستطيع فك شيفرتها، وكان الشعر البدوي هو ذلك السلاح الأهم، لعدم معرفة رجال المخابرات الصهاينة بمفرداته، وما ترمي إليه، فجن جنونهم، بينما كانت الأوامر يتم توفيرها وارسالها للجنود والأهالي التابعين للأنظمة من خلال صياغتها في قصيدة بدوية، وشارك شعراء سيناء في ذلك، ومن خلال إذاعة الشعب، واذاعة صوت العرب، وبرنامج شعبنا المصري في سيناء استطاع الشعر أن يجسد المقاومة بحق، وفي روايتي ثعلب الصحراء آثرت الإشارة إلى بعض أعضاء هذه المنظمة من أبناء سيناء الذين كانوا الشرارة الأولى لحرب الإستنزاف، وانتصارات أكتوبر كذلك.
ومع أنها رواية توثيقية إلا أنها حفلت بالعديد من الجوانب الإنسانية، وأضاءت على عقلية السيناوي أثناء تكليفه بمهمة وطنية، وكيف كان يختلق الحيل الدفاعية المبتكرة، لكسر شوكة الصهاينة، وقد كان، ورأينا قواتنا المسلحة تجسد النصر في أكتوبر ١٩٧٣م، ولقد واكبت الرواية والشعر الأحداث، لكن ما زالت ملفات بطولات أبناء سيناء حبيسة أدراج المخابرات، ونتمنى الإفراج عنها؛ ليعرف الأبناء،والجيل المعاصر بطولات الآباء والأهالي على أرض سيناء.
13. تجمع في نتاجك الشعري بين الفصحى والعامية، وتضفرهما بنكهة سيناوية. ألا ترى أن هناك مسافة جمالية وفكرية تفصل بين المتلقي المترادف مع الفصحى والمتلقي النبطي؟ كيف تستطيع التوفيق بين الإيقاع البدوي الفطري وبين صرامة الخليل بن أحمد الفراهيدي دون أن تفقد إحدى التجربتين أصالتها؟”.
– الشعر هو الشعر بكل أشكاله، أنا فقط أعيد انتاجية التراث بشكل متواشج مع المعاصرة، وللقصيدة البدوية النبطية روادها الكبار، ومن المعاصرين كذلك. لكن الفن عندي يستفيد من كل المنجز التراثي والشعبي، ويعيد صياغته بنكهة المعاصرة في قالب فني متميز – كما أحسب، حتى في قصيدة النثر التي أكتبها، فلها نكهة بطعم قهوة سيناء، وصحرائها، وحياة البداوة الممزوجة بتمدين حداثي، أو مسحة مدينية معاصرة، وما بعد حداثية كذلك.
14. يُعاب على النقد العربي المعاصر استغراقه في ‘المركزية’ وإغفاله للتجارب الإبداعية في الأطراف والأقاليم. بصفتك ناقداً ومؤسساً في عمل الأدبيات العربية والآسيوية الإفريقية، هل تعتقد أن الأدب الإقليمي يحتاج إلى ‘مناهج نقدية خاصة’ تنبع من بيئته، أم أن أدوات النقد الحديثة كافية لتفكيكه؟”.
– أزعم أن الإبداع والنقد الجيد يوجدان في الأطراف بعيداً عن المركز، أما تصدير المركز للواقع المصري، فهو أمر ليس فيه عدالة. والمركز وإن حفل بالتعددية،والاختلاف فذلك- كما أرى- لأن أدباء ونقاد الأطراف، والأقاليم غزوه،بعد أن أهملهم كثيراً، وقلل من دورهم، بل وأخفي تميزهم. فلما أصبحوا داخل المركز تميزوا، لكنهم بأمانة هيمنوا على مقدرات الأدب والنقد، فترهل المركز من جديد، ولا سبيل لتجدد معينه إلا بصورة تضمن عدالة التوزيع، ورصد وتوثيق إبداع الأطراف لصالح المشهد المصري المعاصر، دون تمييز، فلا محاصصة في الفن، ولعلنا نستيقظ- معشر الأدباء والنقاد في مصر – كي ننهض برسالة الأدب، ونعلي مكانة مصر الحديثة، التي كانت تتصدر الأصالة، وتناول نحو الحداثة الكبرى كذلك.
15. العريش وسيناء في أدبك ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي كائن حي متحوّل. كيف تنظر إلى التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة؟ وهل انعكس هذا التحول في أدبك على شكل ‘نستولوجيا’ وحنين للملتقى القديم، أم كوعيٍ بضرورة التحديث؟”
– لاشك أن التحولات ومظاهرة الحياة الإجتماعية والاقتصادية في سيناء قد انعكست على الأدب والفنون، فلقد انتقلنا على مستوى الكتابة من النظرة الكلاسيكية التأصيلية إلى الانفتاح على براح الحداثة،والمعاصرة، بل وما بعد الحداثة. ولقد جسد ديواني : معطفي لن يمنع الحب، وسهوب العذاب هذه النظرة، حيث قصيدة النثر – هنا – هيمنت على النظرة التقليدية، بل واوجدت قصيدة المعنى – التي انطلقت وجوديتها، وانفتحت المجالات عندي على الإنحراف لكل جديد، وما هو تجريبي، بل إلى ما بعد الحداثة، وتناقضاتها المعرفية والأبستمولوجية، والسيميائيات المعاصرة، وغير ذلك. أما مدينة “العريش ” عندي فهي تمثل طائر النورس الذي يشق عباب المتوسط فيهدر بالحب، ويزهو فوق شمخ النخل، فوق أرض القمر والتاريخ، فالعريش بالنسبة لي – هي الرمز للوطن المتجذر حبه في دمائنا، وقلوبنا على الحدود عبر البوابة الشرقية لمصرنا الحبيبة.
16. كثيراً ما يُقال إن الناقد المبدع يعاني من ‘رقيب داخلي’ صارم يتدخل أثناء كتابة الرواية أو القصيدة. هل يسكن الناقد حاتم عبد الهادي في يد الشاعر والروائي أثناء اللحظة الإبداعية الأولى، أم أنك تمنح الفطرة السردية حريتها المطلقة ثم تستدعي الناقد لاحقاً للتهذيب؟”
– الشعر هو الذي يكتبني، وكذلك الرواية، فالقلم يتحرر من الذات عندي لحظة الكتابة؛فيجول في أقاليم وأقانيم العالم ليكتب للمكان فرادته، عبر لحظة تحرر من القيود، وغالباً لا أجعل الناقد داخلي يتدخل في صميم الفن، وأتجرد من كوني كناقد، لأتلبس حرفة الأديب، أو الشاعر، ثم لا أتدخل بعد ذلك إلا في ضبط الصياغة الفنية، أما القلم عندي فهو الذي يكتبني ويريق دمي على أوراق الشعر الزرقاء، أو مسارات الرواية وفضاءات وجودها الممتدة.
17. في ظل هيمنة التكنولوجيا والعوالم الافتراضية، كيف يستطيع السرد الصحراوي والسيناوي الصمود والمحافظة على جاذبيته لدى قارئ الأجيال الجديدة؟ هل تخشى على الذاكرة الشفاهية والتراثية السيناوية من الاندثار، أم أن الرقمية تمنحها فرصة جديدة للانتشار الكوني؟”
– لم يكن التقدم العلمي يوماً ضد الفن، فتقنيات التكنولوجيا والميديا الحديثة قدمت للفن والإبداع خدمات جليلة، من خلال الأدب الرقمي، ورقمنة التراث، وتوثيق الإبداع، بل أن الميديا المعاصرة قد أحدثت ثورة أدبية، فظهرت أشكال وأنواع جديدة للشعر، والقصة، فرأينا الأدب التفاعلي، والتشاركي، والقصة الومضة، والقصة الشاعرة وغير ذلك، وعبر تشابك الفنون والأجناس الأدبية، وتداخل تلك الأنواع برز النص الأدبي الذي يحوي العلوم والفنون والفلسفات، دون فواصل بينهم، فاستفاد الأدب حقيقة من التقنيات التكنولوجيا ومن رقمنة العالم والذات والكون والحياة كذلك. وقد أخشى على الموروث من الضياع، فلابد من رقمنته وتوثيقه، ونشره عبر الفضاء الكوني للخوارزميات، وعالم الميديا الجديدة.
18. كلمة أخيرة توجهها إلى الجيل الجديد من أدباء وشعراء البادية بشمال سيناء، والوادي الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم الكلمة.
– لابد للشباب من الأخذ بمقومات الحداثة، فالنص، واللغة، والإبداع،والموروث هم أول الصفوف لمواجهة المد العالمي للهيمنة والأمركة، وغزو الشعوب، ومحو الحضارات، فعليكم بتراثكم وأدبكم،ولغتكم العربية، ولاتنسوا هويتكم المصرية والعربية والإسلامية، ولا تلتفوا لفتن،أو اختلاف مذاهب وأعراق، لأن العدو يحاول تفتيت وحدتكم، والقفز على ثرواتكم ومقدراتكم، وعليكم العودة إلى الجذور والقيم، ولتغلفوا ذلك بنكهة حداثية ذات طابع عربي شرقي معاصر، ولتتسلحوا بالعلم والمعرفة، فهما الطريق والغاية لنهضة مستقبلكم الممتد.
موقع الكتابة 3 نوفمبر 2026
حاتم عبدالهادي السيد
٠١٠٧٠١٥١٩٠٥مصر
٠١٠٠٥٧٦٢٧٠٢مصر
ولد الشاعر والناقد أ./ حاتم عبد الهادي محمد السيد بمدينة العريش وتخرج في كلية التربية (قسم اللغة العربية والإسلامية)، ليتدرج في خدمة الكلمة والمؤسسات الأدبية، متسنماً رئاسة رابطة الأدباء العرب ورابطة أدباء آسيا وأفريقيا، إلى جانب عضويته بأمانة مؤتمر أدباء مصر واتحاد كتاب مصر. ولم تكن مسيرته الإبداعية مجرد نتاج أدبي عابر، بل كانت تجسيداً وثائقياً وحياً للتراث والنضال السيناوي؛ تجلّى ذلك في أعماله الروائية المتنوعة مثل “ثعلب الصحراء” و”البدوي” و”كونشيرتو الحب”، فضلاً عن دواوينه الشعرية وموسوعاته البحثية في تراث البادية والقضاء العرفي وأعلام سيناء.
في هذا الحوار الممتد، نغوص مع ضيفنا في أعماق تجربته الإبداعية، ونقرأ معه تحولات القصيدة والسرد السيناوي بين ذاكرة المقاومة وواقع التجديد الأدبي، لنستكشف كيف يتحول المبدع إلى حارس لأرشيف الوطن وذاكرته الحيّة.
س1: أديبنا القدير، تحضر شمال سيناء في أعمالك الروائية : (“ثعلب الصحراء”، “البدوي”، “كونشيرتو الحب، دماء على جسر التايمز ) ليس فقط كخلفية جغرافية، بل كبطل فاعل له صوته وذاكرته. كيف توازن في سردك الروائي بين الحقيقة التوثيقية لنضال أهل شمال سيناء والتراث، وبين متطلبات الفن والتخييل الروائي؟
– الأدب والواقع لا ينفصلان، بل أن الأدب هو تجسيد حي للواقع الإجتماعي، والسياسي، والإقتصادي لجغرافيا سيناء التي تتمتع بخصوصية، وبطبوغرافية مختلفة، فسيناء هي بوابة مصر الشرقية، وهي شبه جزيرة يحيط بها البحرالمتوسط، وقناة السويس، والبحر الأحمر بينما ضلعها الأعمق ينفتح على الصحراء بطبيعتها البدوية،ومنها التاريخية العتيقة؛ حيث السكان لا يزالون- هنا- يحافظون على حياة البداوة في المراكز، بينما تظل مدينة العريش هي حاضرة سيناء، وعاصمتها التي تأثرت بالمكان والجغرافيا، وأحداث التاريخ المصري العريش في البوابة الشرقية لمصرنا الحبيبة؛ومن هنا خرجت أعمالي؛ كمزيح بين البداوة، والتمدين.
س2: كتبتَ عن القضاء العرفي والتراث الشفهي لأبناء الصحراء في موسوعات بحوثك؛ إلى أي مدى ترون أن التراث السيناوي ما زال بحاجة إلى أدوات نقدية وروايات جديدة تنتشله من أطر “الفولكلور المحلي” إلى آفاق العالم والإنسانية؟
– لقد كان الموروث الشعبي للبيئة سيناء،وتراثها الممتد أكبر الأثر في موضوعات رواياتي، خاصة رواية البدوي (خراريف أبو سرور) وهي رواية تجمع بين مفردات التراث الشعبي، وعالم الميثولوجيا، كما أنها تجسد العادات والتقاليد، والأزياء، والطب الشعبي، بينما كانت معالجتي الروائية توثق لدستور البادية المتمثل في القضاء العرفي، والقضاء العشائري، الذي يمثل قانون الصحراء، حيث لشيخ القبيلة،والعرف السيطرة، على زمام ومقدرات البشر. فبدو سيناء تحكمهم عادات وتقاليد، وقانون عرفي صارم، وله إجراءات قاسية، وتشريعات، بل قضاة مختصين، ولكل قضية قاضيها الخاص، فقضايا الدم والقتل تختص بها قبيلة بلي، وقضايا النساء للمسعودي، وهناك قضاة للزروع والثمار، والإعتداء على أرض الآخرين، وغير ذلك.
وحقيقة فإن التراث السيناوي مهدد بخطر المحو والإندثار نتيجة للغزو الثقافي من جهة، وعدم جمع الكثير من مفردات ذلك التراث. ولقد جمعت ما أستطيع جمعه من خلال كتبي عن : الشعر البدوي، كتاب قبيلة المساعيد وقضاء المنشد ( الذي يختص بقضايا الاعتداء على المرأة، وكتاب التراث القصصي عند بدو سيناء، إلى جانب موسوعة معالم من التراث السيناوي، وكانت بجهود خاصة بي كذلك.
س3: تتنقل في إبداعك بين القصيدة الفصحى واللون النبطي/البدوي الذائق. كيف تتحدد لديك لحظة الميلاد الشعري؟ ومتى يفرض النص على حاتم عبد الهادي لغته ووزنه وهويته الشفاهية أو المدونة؟
– النص هو الذي يكتبني، فأنا لا أحدد أي الأشكال سأكتب، ولا أخطط لكتابة قصيدة، أو نص. وتمثل الكتابة لديّ مشروعاً ثقافياً يجسد القيم الإنسانية، ويعالج العديد من القضايا، وكان الوطن، وقضايا الهوية وأدب وثقافة الحدود،وأدب الحرب هو المشترك في أغلب أعمالي منذ صدور ديواني الأول ” أرض القمر” وهو من عنوانه يشير إلى سيناء.
كما يمثل البحر – عندي- مشتركاً آخر لكتابة الذات، ولقد كتبت القصيدة الفصيحة والعامية، وبدأت بالشعر العمودي، والتفعيلي، وقصيدة النثر كذلك، وقدمت للمكتبة العربية حوالي عشرة دواوين منها: سأحرث الهدير في صحراء البحر، معطفي لن يمنع الحب، سهوب العذاب، وديوان اشتعال الجسد، الحب الأول، وديوان عبير الوردة المقدسة، إلى جانب خمسين كتاباً آخرين في مجال النقد والتراث والأنثروبولوجيا، وكتب أخرى تختص بالشأن الثقافي والمعرفي، والديني، وغير ذلك.
س4: يُلاحظ في دواوينك حضور كثيف للرمز والوعي الاجتماعي. هل تعتقد أن القصيدة المعاصرة في الإقليم ما زالت قادرة على الاحتفاظ بدورها التنويري في ظل طغيان السرد والرواية على المشهد القرائي؟
– الشعر ديوان العرب المعبر عن آمالها وآلامها بلا منازع، وليس صحيحاً مقولة هذازمن الرواية، وأنها ديوان العرب، رغم انفتاح الرواية المعاصرة على كل شىء. وبحكم دراستي بقسم اللغة العربية،والتربية الإسلامية بالجامعة، ونشأتي في حفظ القرآن الكريم، وقراءة كتب العرب العتيقة، تأثرت لغتي بالرمز والتكثيف، ومحاولة التنوير على الواقع المعاش في البادية، وعلى الحدود المصرية الفلسطينية، والعربية من جهة أخرى. وتراني أؤكد أن الشعر هو الذي يحفظ الهوية للمكان، ويكتب التاريخ والجغرافيا، ويستشرف للمستقبل آفاقه التي تشتبك مع الكون والعالم والحياة.
س5: ترأستَ رابطة الأدباء العرب، ورابطة أدباء آسيا وأفريقيا، وشاركت في أمانات، ورئاسة مؤتمرات أدباء مصر. كيف تقيّمون واقع المشهد النقدي في أقاليم مصر عموماً وشمال سيناء خصوصاً؟ وهل يواكب النقد حجم المنتج الإبداعي للشباب اليوم؟
– الحمد لله لقد بلغت مكانة متميزة في عالم النقد والإبداع، وأسست لنفسي مساحة خاصة بي؛ لا بأس بها في مجال النقد، وحاولت البحث عن نظرية نقدية عربية كنظرية المعنى- التي طرحتها، وأسست لها، من خلال كتابي ” نظرية المعنى”، كبديل إلى جانب المجاز، ولعمري فقد وازن العرب بين اللفظ والمعنى، وحاول عبدالقادر الجرجاني وضع تأسيس أول للنظرية، لكنني أنطلقت من مكونات حداثية، وقد استفدت من نظرية تداخل الأجناس الأدبية، لوضع أسس نظرية ربما تمثل بذور النظرية العربية النقدية المعاصرة.
أما واقع المشهد النقدي في مصر فهو في مرحلة من التعافي منذ حازم القرطاجني، ومروراً بمحمد مندور، وبعض كتابات د. جابر عصفور،ود. صلاح فضل، لكن – كما أرى- فإن الكثير من النقاد المعاصرين قد جاوزوا هؤلاء، وأسسوا لتجربة نقدية مصرية عربية مغايرة، ولقد حرصت – منذ كتاباتي على تأسيس نقدي عربي/ غربي من خلال كتبي النقدية مثل : كتاب السيموطيقا والخطاب الأدبي، وكتاب السيمولوجيا والنص، وكتابي عن تحولات الرواية العربية المعاصرة، وكتابي علم النقد الأدبي، وكتابي نظرية الأجناس الأدبية كمدخل إلى نظرية المعنى، ولقد تم الاحتفاء- عربياً- بأطروحتي عن نظرية المعني ونشرت العديد من الأبحاث التي تؤطر لها في العديد من المجلات المحكمة، والمتخصصة في النقد الأدبي، ولقد وثقت ذلك خلال تأسيسي، وترأسي لرابطة الأدباء العرب، ورابطة الأدب الإفرو- آسيوي، وغير ذلك.
وأزمنة أن النقد بدا يتعافي مصرياً،عربياً.. بوجود بعض النقاد المتميزين سواء في مصر، أو الوطن العربي، لكنه مع ذلك لم يستطع مواكبة التسارع وتلاحقات العصر التكنولوجية، وظهور المنتج الإبداعي الجديد في كل الأشكال والأجناس الأدبية التي استفادت من الميديا المعاصرة، وتشابك العلوم والمعارف الكونية، والعلمية والتكنولوجيا الحديثة.
س6: بصفتكم حارس للذاكرة الأدبية السيناوية، ما هي الأزمة الحقيقية التي تواجه الكاتب الإقليمي في إيصال صوته للمؤسسات العاصمة ودوائر النشر الكبرى؟ وكيف ترى مستقبل نوادي الأدب والمجلات الإقليمية؟
– المحلية دليل العالمية، وأزمة نقاد وأدباء الأقاليم تكمن في بعدهم عن المركز، في العاصمة، إلى جانب وجود الشللية، واستحواذ بعض أنصاف المواهب على مقدرات النشر، علاوة إلى ارتفاع تكلفة النشر، وهو ما أدى إلى ابتعاد وعزوف كثير من الأقلام الجيدة التي آثرت الصمت تجاه هذا الهاموش الثقافي، الذي يتصدر المنابر الثقافية في العواصم العربية، وليس في مصر فحسب.
أما المجلات الإقليمية في مصر فهي قليلة جداً، ولا يليق بحجم دولة تمثل مركزية الثقافة العربية مثل مصر ألا نجد بها سوى بضعة مجلات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، وتلك طامة أخرى. وأرى أن نوادي الأدب لها دور فاعل، لكنها أصبحت شلليات، وهو ما يؤشر إلى تراجع الثقافة، رغم إصرار أدباء الأقاليم على أن يكون لهم مكان في خريطة المشهد الإبداعي المصري، فهي أزمة حقيقية لملف الإبداع في الوطن العربي.
س7: بعد هذه المسيرة الحافلة بين التدريس، البحث التاريخي، العمل المؤسسي، والإبداع الأدبي؛ ما هو المشروع الذي ما زال حاتم عبد الهادي يعكف عليه ويعتبره “وثيقته الأهم” التي لم تكتمل بعد؟
– لازلت أطمح في وجود مؤسسات ثقافية ومراكز حقيقية لجمع التراث والموروث السيناوي، الذي بدأ يحتضر – كما أرى- فهذا التراث يجسد الهوية المصرية، ويعمق قيم الولاء والإنتماء، والقيم المجتمعية، حيث يعتبر التراث هو سنامة الأمن القومي، خاصة في المحافظات الحدودية وسيناء. كما أنني بعد حوالي خمسين كتاباً قدمتها في العديد من المجالات الأدبية والثقافية لا زلت أرى أنني لم أقدم إلا اليسير مما لديٍ، إلا أن المشروع الذي أتبناه، وليت الدولة بمؤسساتها خاصة وزارة الثقافة تحاول اللحاق به- هو جمع التراث الشعبي السيناوي، وفي الحدود المصرية، وحصر التراث المعماري، والشعبي، والتأكيد على خصوصية سيناء لأنها الجزء الأهم في مشروع الدولة الوطنية، ومصر الحديثة، فالدول التي بلا تراث، وثقافة تأصيلية، ستزول وتنتهي.
والتراث هو الحافظ للهوية للدول، وهو عدو الأمبريالية، والماسونية العالمية، وهو ما تحاول قوي الإمبريالية، والصهيو- أوروبية فعله، في محو الهوية، والاستعمار الثقافي من خلال الشركات العابرة للقارات، والهيمنة، والعولمة، وتقسيم الوطن العربي إلى دويلات، تتنازعها صراع المذهبيات، والأعراق، والحروب والفتن، كما يحدث الآن، كذلك.
8. ”الصحراء في الإبداع الأدبي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي مفهوم فلسفي يتراوح بين العزلة والاتساع. كيف تتشكل ‘سيميائية الصحراء’ في نصوصك الروائية والشعرية؟ وهل ترى أن الصحراء بثرائها الرمزي تفرض على المبدع لغة خاصة تنحو نحو التكثيف والغموض الشفيف؟”.
– الصحراء هي البراح الممتد، والفضاء الذي يؤطر معظم أعمالي الإبداعية، فالصحراء تعني الوطن، ومكان الميلاد، والهوية، والأكسيولوجيا بقيمها الحضارية والثقافية والمعرفية والإنسانية كذلك. وهي موجودة في كل دواويني الشعرية، ورواياتي، بل وكتاباتي. والصحراء هي الورقة التي ميزت الأبجدية السينائية كأقدم أبجديات العالم، ومن الصحراء كانت البداوة والحضارة والتمدين، ولقد كان الفرعون لا يتم تعميده كمعبود، أو كحاكم للمصريين القدماء دون أن يتم انتقاله إلى سيناء، لأخذ ختم الإمارة من سيناء، وهذه الآثار موجودة في وادي المّكتَّب بوسط سيناء، وعلى جدران معبد سرابيط الخادم هناك، فسيناء هي المركز المصري القديم، ومفتاح الإمارة والحضارة، والملك والسلطان كذلك !!.
9. “في كتبك التوثيقية وموسوعاتك عن سيناء والقضاء العرفي تجتهد كمؤرخ وباحث يلتزم بالوثيقة، بينما في الرواية تتخفف من قيد الحقيقة لصالح الحقيقة الفنية. كيف يدير حاتم عبد الهادي هذا الصراع الأبستمولوجي بين صرامة المؤرخ، وحرية الروائي عندما يتعاملان مع المادة التاريخية ذاتها؟”.
– الإبداع عندي يتشابك مع المعرفة والعلم، فالكتاب التوثيقي له مادته، وطرائق تكوينيته، بينما الرواية والشعر يلعبان دوراً فاعلاً في الثقافة الشعبية، كما أن التخييل، والميثولوجيا لهما دورهما في كتاباتي، بغية إنتاج إبداع مغاير، له بصمة سيناء بتراثها الشعبي والثقافي، وطبوغرافيتها، ومناخها الجيو- سياسي، والسيسيولوجي والإجتماعي، ومن هنا كانت موسوعة أعلام سيناء كتاباً عن تاريخ البشر والأعلام والمؤثرين، وإن ارتبطت بالأركولوجيا، والمعاني الأبستمولوجية التي أحاول تأسيس جذور لها داخل العلاقة بين الذات والكون والعالم، وبين البرهان واليقين، في محاولة عندي للبحث عن المعنى خلف ظواهر الفن، لإبراز جمالياته، واستكناه جوهره، وفضاءاته، بعيداً عن الأيديولوجيا كذلك.
10. يعتمد التراث البدوي في جانب كبير منه على الشفاهية (المحاكاة، القصيد النبطي، الأسطورة المحلية). عند نقل هذه الشفاهية السيناوية الغنية إلى ‘نص مدون’ يخضع لقواعد الكتابة الحديثة، ما الذي يضيع في الطريق؟ وكيف تعمل على إنقاذ ‘روح الشفاهية’ من الجفاف عند صياغتها كتابياً؟”
– هذا سؤال ذكي، لكن افتقار سيناء إلى تدوين الموروث، قد أحدث شبه قطيعة بين الواقع والموروث، وما تتناوله الأعمال الأدبية والفنية يعد قشوراً في جوهر الموروث الشعبي السيناوي الزاخر بالمثيولوجيا، والقصص، والشعر النبطي” البدوي”، والأمثال والحكم، والسامر، والأغاني التراثية التي تحكي التاريخ، وتؤطر للمكان، وتكتب صفحة مفقودة من تاريخ مصر على مر العصور.
ولا شك بأن التناص مع التراث وإعادة انتاجيته يستلزم جمعه وتدوينه، وهو ما ننادي به، رغم وجود مشروع أطلس الفلكلور للهيئة العامة لقصور الثقافة، إلا أنه جمع القشور، لكن الزبد ما زال موجوداً، وبدأ يتلاشى الكثير بموت الحفاظ والرواة، وأمناء التراث الذين يحفظونه في الصدور شفاهة- دون تدوين كذلك.
11. القضاء العرفي في شمال سيناء يمثل قانوناً فاعلاً ينظم الحياة الاجتماعية منذ قرون. كيف يقرأ الباحث النص الأدبي لديك منظومة ‘البشعة’ و’الملامح العرفية’؟ هل تراها إرثاً إنسانياً لحفظ التوازن المجتمعي، أم أن النص الإبداعي يشتبك معها بنقد مضمر يرصد تحولاتها في العصر الحديث؟”
– إعادة انتاجية التراث السيناوي داخل النص الأدبي هي حنكة ومعرفة بطبيعة وجوهر الفن وقيم البداوة، ولقد وظف الأدب السيناوي ذلك، وتشابك مع التحولات العامة للمجتمع، فهو ليس موثقاً للأحداث فحسب، بل منتقداً أيضاً لبعض العادات التي لا تتماشى مع الفطرة، والتي تمثل رمزاً أيقونياً في دستور البداوة، حيث يعد القضاء العرفي هو قانون الصحراء، وهناك قبائل متخصصة في القضايا العامة، والخاصة فقبيلة بلي تخصصت في قضايا القتل والدم، وقبيلة المساعيد مختصة بشأن المرأة والإعتداء عليها، كالمنشد، وغيرها لقضايا الزروع والثمار، والإعتداء على الغير.
أما البشعة فهي نظام قضائي عشائري رادع،لكي يقر اللص أو المعتدي بجريمته،وإلا يلحس بلسانه النار المتجمرة، وطاسة البشعة مخيفة، لكنها ذات أثر رادع حقاً، وإن كان يمكن استحداث أدوات أخرى أقل رحمة، أو ترهيباً من النار ولحس طاسة النار دليل الردع، عند الإنكار، لتطبيق العدل القبلي من خلال القاضي العرفي.
12. تناولتَ أدب المقاومة والبطولات الوطنية في أعمالك (مثل ‘ثعلب الصحراء’). كيف تطورت صورة ‘المقاوم السيناوي’ في السرد المعاصر مقارنة بأدب الستينيات والسبعينيات؟ وهل انتقلت الرواية من مجرد رصد الفعل النضالي المباشر إلى تشريح أثره النفسي والوجودي على الشخصية؟”
– رصدت رواية ثعلب الصحراء أدب المقاومة في سيناء، وجسدت لأبطال أبناء سيناء من خلال العمليات البطولية لهم خلف خطوط المستعمر الصهيوني لسيناء، منذ نكسة ١٩٦٧م، ثم في حرب الإستنزاف، وأخيراً انتصارات أكتوبر عام ١٩٧٣م. وأبرزت الرواية دور المخابرات المصرية من خلال منظمة سيناء العربية؛ التي أسسها الرئيس/ محمد أنور السادات، والتي اعتمدت شعر البادية البدوي، كشيفرة لدى المخابرات، وكانت المنظمة نواة للدداع الإستراتيجي العسكري لدي الجيش المصري. فلقد كان ذكاء رجال المخابرات العامة، والمخابرات الحربية، والأجهزة المعنية في استحداث،واستخدام، شيفرة جديدة، لا تلتقطها أجهزة اللاسلكي الإسرائيلية، ولا تستطيع فك شيفرتها، وكان الشعر البدوي هو ذلك السلاح الأهم، لعدم معرفة رجال المخابرات الصهاينة بمفرداته، وما ترمي إليه، فجن جنونهم، بينما كانت الأوامر يتم توفيرها وارسالها للجنود والأهالي التابعين للأنظمة من خلال صياغتها في قصيدة بدوية، وشارك شعراء سيناء في ذلك، ومن خلال إذاعة الشعب، واذاعة صوت العرب، وبرنامج شعبنا المصري في سيناء استطاع الشعر أن يجسد المقاومة بحق، وفي روايتي ثعلب الصحراء آثرت الإشارة إلى بعض أعضاء هذه المنظمة من أبناء سيناء الذين كانوا الشرارة الأولى لحرب الإستنزاف، وانتصارات أكتوبر كذلك.
ومع أنها رواية توثيقية إلا أنها حفلت بالعديد من الجوانب الإنسانية، وأضاءت على عقلية السيناوي أثناء تكليفه بمهمة وطنية، وكيف كان يختلق الحيل الدفاعية المبتكرة، لكسر شوكة الصهاينة، وقد كان، ورأينا قواتنا المسلحة تجسد النصر في أكتوبر ١٩٧٣م، ولقد واكبت الرواية والشعر الأحداث، لكن ما زالت ملفات بطولات أبناء سيناء حبيسة أدراج المخابرات، ونتمنى الإفراج عنها؛ ليعرف الأبناء،والجيل المعاصر بطولات الآباء والأهالي على أرض سيناء.
13. تجمع في نتاجك الشعري بين الفصحى والعامية، وتضفرهما بنكهة سيناوية. ألا ترى أن هناك مسافة جمالية وفكرية تفصل بين المتلقي المترادف مع الفصحى والمتلقي النبطي؟ كيف تستطيع التوفيق بين الإيقاع البدوي الفطري وبين صرامة الخليل بن أحمد الفراهيدي دون أن تفقد إحدى التجربتين أصالتها؟”.
– الشعر هو الشعر بكل أشكاله، أنا فقط أعيد انتاجية التراث بشكل متواشج مع المعاصرة، وللقصيدة البدوية النبطية روادها الكبار، ومن المعاصرين كذلك. لكن الفن عندي يستفيد من كل المنجز التراثي والشعبي، ويعيد صياغته بنكهة المعاصرة في قالب فني متميز – كما أحسب، حتى في قصيدة النثر التي أكتبها، فلها نكهة بطعم قهوة سيناء، وصحرائها، وحياة البداوة الممزوجة بتمدين حداثي، أو مسحة مدينية معاصرة، وما بعد حداثية كذلك.
14. يُعاب على النقد العربي المعاصر استغراقه في ‘المركزية’ وإغفاله للتجارب الإبداعية في الأطراف والأقاليم. بصفتك ناقداً ومؤسساً في عمل الأدبيات العربية والآسيوية الإفريقية، هل تعتقد أن الأدب الإقليمي يحتاج إلى ‘مناهج نقدية خاصة’ تنبع من بيئته، أم أن أدوات النقد الحديثة كافية لتفكيكه؟”.
– أزعم أن الإبداع والنقد الجيد يوجدان في الأطراف بعيداً عن المركز، أما تصدير المركز للواقع المصري، فهو أمر ليس فيه عدالة. والمركز وإن حفل بالتعددية،والاختلاف فذلك- كما أرى- لأن أدباء ونقاد الأطراف، والأقاليم غزوه،بعد أن أهملهم كثيراً، وقلل من دورهم، بل وأخفي تميزهم. فلما أصبحوا داخل المركز تميزوا، لكنهم بأمانة هيمنوا على مقدرات الأدب والنقد، فترهل المركز من جديد، ولا سبيل لتجدد معينه إلا بصورة تضمن عدالة التوزيع، ورصد وتوثيق إبداع الأطراف لصالح المشهد المصري المعاصر، دون تمييز، فلا محاصصة في الفن، ولعلنا نستيقظ- معشر الأدباء والنقاد في مصر – كي ننهض برسالة الأدب، ونعلي مكانة مصر الحديثة، التي كانت تتصدر الأصالة، وتناول نحو الحداثة الكبرى كذلك.
15. العريش وسيناء في أدبك ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي كائن حي متحوّل. كيف تنظر إلى التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة؟ وهل انعكس هذا التحول في أدبك على شكل ‘نستولوجيا’ وحنين للملتقى القديم، أم كوعيٍ بضرورة التحديث؟”
– لاشك أن التحولات ومظاهرة الحياة الإجتماعية والاقتصادية في سيناء قد انعكست على الأدب والفنون، فلقد انتقلنا على مستوى الكتابة من النظرة الكلاسيكية التأصيلية إلى الانفتاح على براح الحداثة،والمعاصرة، بل وما بعد الحداثة. ولقد جسد ديواني : معطفي لن يمنع الحب، وسهوب العذاب هذه النظرة، حيث قصيدة النثر – هنا – هيمنت على النظرة التقليدية، بل واوجدت قصيدة المعنى – التي انطلقت وجوديتها، وانفتحت المجالات عندي على الإنحراف لكل جديد، وما هو تجريبي، بل إلى ما بعد الحداثة، وتناقضاتها المعرفية والأبستمولوجية، والسيميائيات المعاصرة، وغير ذلك. أما مدينة “العريش ” عندي فهي تمثل طائر النورس الذي يشق عباب المتوسط فيهدر بالحب، ويزهو فوق شمخ النخل، فوق أرض القمر والتاريخ، فالعريش بالنسبة لي – هي الرمز للوطن المتجذر حبه في دمائنا، وقلوبنا على الحدود عبر البوابة الشرقية لمصرنا الحبيبة.
16. كثيراً ما يُقال إن الناقد المبدع يعاني من ‘رقيب داخلي’ صارم يتدخل أثناء كتابة الرواية أو القصيدة. هل يسكن الناقد حاتم عبد الهادي في يد الشاعر والروائي أثناء اللحظة الإبداعية الأولى، أم أنك تمنح الفطرة السردية حريتها المطلقة ثم تستدعي الناقد لاحقاً للتهذيب؟”
– الشعر هو الذي يكتبني، وكذلك الرواية، فالقلم يتحرر من الذات عندي لحظة الكتابة؛فيجول في أقاليم وأقانيم العالم ليكتب للمكان فرادته، عبر لحظة تحرر من القيود، وغالباً لا أجعل الناقد داخلي يتدخل في صميم الفن، وأتجرد من كوني كناقد، لأتلبس حرفة الأديب، أو الشاعر، ثم لا أتدخل بعد ذلك إلا في ضبط الصياغة الفنية، أما القلم عندي فهو الذي يكتبني ويريق دمي على أوراق الشعر الزرقاء، أو مسارات الرواية وفضاءات وجودها الممتدة.
17. في ظل هيمنة التكنولوجيا والعوالم الافتراضية، كيف يستطيع السرد الصحراوي والسيناوي الصمود والمحافظة على جاذبيته لدى قارئ الأجيال الجديدة؟ هل تخشى على الذاكرة الشفاهية والتراثية السيناوية من الاندثار، أم أن الرقمية تمنحها فرصة جديدة للانتشار الكوني؟”
– لم يكن التقدم العلمي يوماً ضد الفن، فتقنيات التكنولوجيا والميديا الحديثة قدمت للفن والإبداع خدمات جليلة، من خلال الأدب الرقمي، ورقمنة التراث، وتوثيق الإبداع، بل أن الميديا المعاصرة قد أحدثت ثورة أدبية، فظهرت أشكال وأنواع جديدة للشعر، والقصة، فرأينا الأدب التفاعلي، والتشاركي، والقصة الومضة، والقصة الشاعرة وغير ذلك، وعبر تشابك الفنون والأجناس الأدبية، وتداخل تلك الأنواع برز النص الأدبي الذي يحوي العلوم والفنون والفلسفات، دون فواصل بينهم، فاستفاد الأدب حقيقة من التقنيات التكنولوجيا ومن رقمنة العالم والذات والكون والحياة كذلك. وقد أخشى على الموروث من الضياع، فلابد من رقمنته وتوثيقه، ونشره عبر الفضاء الكوني للخوارزميات، وعالم الميديا الجديدة.
18. كلمة أخيرة توجهها إلى الجيل الجديد من أدباء وشعراء البادية بشمال سيناء، والوادي الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم الكلمة.
– لابد للشباب من الأخذ بمقومات الحداثة، فالنص، واللغة، والإبداع،والموروث هم أول الصفوف لمواجهة المد العالمي للهيمنة والأمركة، وغزو الشعوب، ومحو الحضارات، فعليكم بتراثكم وأدبكم،ولغتكم العربية، ولاتنسوا هويتكم المصرية والعربية والإسلامية، ولا تلتفوا لفتن،أو اختلاف مذاهب وأعراق، لأن العدو يحاول تفتيت وحدتكم، والقفز على ثرواتكم ومقدراتكم، وعليكم العودة إلى الجذور والقيم، ولتغلفوا ذلك بنكهة حداثية ذات طابع عربي شرقي معاصر، ولتتسلحوا بالعلم والمعرفة، فهما الطريق والغاية لنهضة مستقبلكم الممتد.
موقع الكتابة 3 نوفمبر 2026
حاتم عبدالهادي السيد
٠١٠٧٠١٥١٩٠٥مصر
٠١٠٠٥٧٦٢٧٠٢مصر