غانية ملحيس - في الحاجة إلى عقل ينقد نفسه قراءة نقدية في «خطاب العقل المنير» للدكتور عبد الرحمن بسيسو

ملخص تنفيذي
هذا المقال قراءة نقدية لمقال الدكتور عبد الرحمن بسيسو «خطاب العقل المنير»، يثمن مقترحه لبناء «حداثة عربية خاصة» تتجاوز الجمود والتبعية، ويضع الحرية والكرامة في قلب مشروع النهضة. لكنه يقترح، في الوقت نفسه، مسارا نقديا أعمق يدعو إلى الانتقال من «الدعوة إلى العقل» إلى «نقد العقل ذاته».
ويميز بين العقل النقدي التحرري والعقل الأداتي الذي يختزل العقلانية في كفاءة الوسائل وحسابات السيطرة بمعزل عن السؤال الأخلاقي حول الغايات. ويستحضر الإبادة في قطاع غزة، في سياق الحرب الحديثة وتقنياتها العسكرية، بوصفها مثالا صارخا على خطورة انفصال القدرة التقنية عن السؤال الأخلاقي، وعن حدود حماية الإنسان وكرامته، مع التأكيد على عدم الخلط بين التحليل الفلسفي والأحكام القضائية الدولية.
كما يحذر المقال من تحول العقلانية إلى «دوغمائية جديدة» تحتكر تعريف التنوير، وتفرض نماذج جاهزة لـ«الإنسان الجديد»، مؤكدا أن العقل المنير ينبغي أن يقوم على التواضع المعرفي، وقبول التعدد والاختلاف، واحترام حق الإنسان في صياغة ذاته بحرية.
وعلى الصعيد التطبيقي، يؤكد المقال أن التنوير لا يكتمل بالنصح الأخلاقي، بل يتطلب بناء شروط مادية ومؤسسية للعقلانية، تتجسد في جامعة مستقلة عن ضغوط السلطة والسوق، ومناهج تعليمية تنمي التفكير النقدي والفلسفي، وحوكمة أخلاقية للتقنية، وفضاء عام آمنا يحرر الإنسان من الخوف والحاجة؛ إذ يصعب على عقل يتهدده الفقر أو القمع أن يمارس استقلاله المعرفي.
ويخلص المقال إلى أن الكرامة الإنسانية ليست مجرد ثمرة متوقعة للعقل أو الحداثة، بل هي الغاية والمعيار والحد الأخلاقي الذي يوجه العقل والتكنولوجيا ويمنع تحولهما إلى أدوات للهيمنة.


المقال الكامل: في الحاجة إلى عقل ينقد نفسه
قراءة نقدية في «خطاب العقل المنير» للدكتور عبد الرحمن بسيسو



يأتي مقال الدكتور عبد الرحمن بسيسو، «خطاب العقل المنير»، في سياق سؤال عربي قديم متجدد: كيف يمكن الخروج من أسر الجمود والتقليد والاستبداد، وبناء أفق نهضوي يجعل الإنسان حرا وكريما وفاعلا في التاريخ؟
وما يمنح المقال أهميته أنه لا يطرح هذا السؤال من زاوية القطيعة الساذجة مع الماضي، ولا من زاوية استنساخ نموذج جاهز من الخارج، وإنما يقترح ثلاث مسارات متفاعلة: مراجعة المكونات العقلية والمنيرة في التراث العربي، وتحليل الواقع العربي تحليلا علميا عميقا، والانفتاح النقدي على تجارب الآخر الحديث والمتقدم، وصولا إلى ما يسميه «الحداثة العربية الخاصة». وهذه، في تقديري، من أقوى نقاط المقال.
فالكاتب لا يدعو إلى استعادة الماضي بوصفه مستقبلا، كما لا يدعو إلى محاكاة الآخر لمجرد أنه تقدم تاريخيا. إنه يبحث عن طريق ثالث: الاستفادة من التراث دون الارتهان إليه، والاستفادة من تجارب الآخرين دون استنساخها، وبناء الحداثة من داخل الشروط التاريخية والاجتماعية والثقافية العربية.
كما أن وضع الحرية والكرامة الإنسانية في قلب المشروع يمثل نقطة جوهرية. فالحداثة التي لا تزيد من حرية الإنسان وكرامته لا تكون، بهذا المعنى، حداثة إنسانية مكتملة، وإنما قد تكون مجرد تحديث تقني أو مؤسسي.
غير أن قوة هذه المنطلقات نفسها تفتح بابا لحوار نقدي يمكن أن يدفع أطروحة المقال خطوة أخرى إلى الأمام.

أولاً: هل يكفي أن نقول «العقل»؟
يمنح المقال العقل مكانة مركزية في مشروعه، ويعوّل على خطاب العقل المنير في تجاوز التخلف والاستبداد والجمود. ولا خلاف على أهمية العقل النقدي والعلمي في أي مشروع نهضوي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أي عقل نتحدث عنه؟ وما حدوده؟
فالقول بالعقل لا يحسم وحده جميع الأسئلة الإنسانية. العقل يستطيع أن يبحث في الوسائل، وأن يكشف التناقضات، وأن يختبر الوقائع، وأن يساعد على اكتشاف العلاقات السببية، لكنه لا ينتج بالضرورة، من تلقاء ذاته، منظومة أخلاقية تحدد لنا دائما ما ينبغي أن نفعله.
إن السؤال «كيف نحقق الهدف؟» ليس هو السؤال نفسه «هل ينبغي أن يكون هذا الهدف غايتنا؟».
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين العقل بوصفه قدرة نقدية وتحررية، وبين العقل الأداتي الذي يقيس الأشياء والأفعال أساسا بمقدار كفاءتها في تحقيق غاية محددة.

ثانياً: من نقد العقل التقليدي إلى نقد العقل الأداتي
لقد أظهرت تجربة الحداثة الغربية أن تحرير العقل من سلطة التقليد لا يؤدي بصورة آلية إلى تحرير الإنسان.
فالحداثة أنتجت العلم والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها أنتجت أيضا أنظمة هائلة من التنظيم والسيطرة، وفتحت المجال أمام توظيف العلم والتكنولوجيا في الاستعمار والمراقبة والحروب والتدمير.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في تجربة الحداثة: العقل الذي أراد الإنسان من خلاله أن يتحرر من الخرافة والهيمنة أصبح قادرا، في بعض صوره، على أن يتحول إلى أداة جديدة للهيمنة.

وقد تنبّه النقد الفلسفي للحداثة الغربية، في مساراته المختلفة، إلى هذه المفارقة: فالعقل الذي تحرر من سلطة الموروث والأسطورة وفتح آفاقا هائلة للعلم والمعرفة، يمكن أن ينقلب، حين تختزل العقلانية في حساب الوسائل والكفاءة والسيطرة، إلى عقل أداتي يزداد قدرة على التحكم في العالم، من دون أن تزداد بالضرورة قدرته على تحديد ما ينبغي أن يكون غاية لهذا التحكم.
ومن هنا لا يعود السؤال: ماذا يستطيع العقل أن يفعل؟ فحسب، وإنما يصبح السؤال الأكثر إلحاحا: لأي غاية يستخدم قدرته، وما الحدود التي ينبغي أن تقف عندها هذه القدرة حين يتعلق الأمر بالإنسان وكرامته وحريته؟
وعليه فإن المطلوب ليس فقط تحرير العقل من التقليد، وإنما أيضا تحرير العقل من وهم الاكتفاء بذاته.
فالعقل يحتاج إلى أن يسأل عن غاياته، لا عن وسائل تحقيقها فقط؛ وعن نتائج أفعاله، لا عن كفاءتها فقط؛ وعن الإنسان الذي تخدمه، لا عن النظام الذي ترفع كفاءته.

ثالثاً: غزة بوصفها سؤالا للحداثة والعقل الأداتي
تجعل إبادة غزة هذا السؤال أكثر إلحاحا. فالمسألة هنا ليست مجرد مأساة إنسانية هائلة، ولا مجرد توصيف سياسي لما يجري؛ وإنما هي أيضا موضوع لمسار قضائي دولي أمام محكمة العدل الدولية، التي اتخذت منذ بداية القضية تدابير مؤقتة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وما تزال القضية منظورة أمامها. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع السابق، استنادا إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهم عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ومن دون الخلط بين هذه الإجراءات والأحكام القضائية النهائية، فإن ما جرى ويجري في غزة يضع أمامنا، بصورة مأساوية، سؤال العقل الأداتي: ماذا يحدث عندما تبلغ القدرة التقنية على تحقيق الأهداف العسكرية مستوى هائلا، بينما يبقى السؤال الأخلاقي عن الإنسان وحدود القوة موضع صراع؟
فالحديث هنا ليس عن إصدار حكم فلسفي يحل محل الحكم القانوني بشأن توصيف ما وقع، وإنما عن سؤال يتعلق بطبيعة العقل الذي توظفه الحرب الحديثة: ماذا يحدث عندما تصبح التكنولوجيا، والبيانات، والخوارزميات، والاستخبارات، والقدرة الهائلة على التدمير، أدوات لتحقيق أهداف عسكرية وفق حسابات الكفاءة والفعالية؟
إن مأساة غزة، بهذا المعنى الفلسفي، تفرض علينا ألا نكتفي بالسؤال عن مقدار ما تستطيع التكنولوجيا الحديثة أن تفعله، بل أن نسأل أيضا: ماذا ينبغي لها أن تفعل؟ ومتى يجب أن تتوقف؟ ومن يضع الحدود الأخلاقية لاستخدامها؟
وهنا تكتسب عودة بسيسو إلى الحرية والكرامة الإنسانية معناها الأعمق: فإذا كانت الكرامة قيمة تأسيسية لأي مشروع نهضوي، فلا ينبغي أن تكون مجرد ثمرة يُفترض أن ينتجها العقل أو الحداثة، بل ينبغي أن تكون أيضاً المعيار الذي نحاكم به العقل والحداثة والتقدم. فالعقل لا يُقاس فقط بما يتيحه من معرفة وقدرة على الفعل، وإنما بما يفعله بهذه القدرة ولأي غاية يوجهها؛ والحداثة لا تُقاس فقط بمستوى التطور العلمي والتقني، وإنما بمدى توسيعها مجال الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. وبذلك تصبح الكرامة الإنسانية غاية للعقل والتقنية والحداثة، ومعيارا للحكم عليها، وحدا أخلاقيا لا يجوز لها أن تتجاوزه. وعندها لا تكون الكرامة الإنسانية مجرد موضوع يدافع عنه العقل، بل تصبح المعيار الذي يهدي العقل ويحدّ من انحراف قدرته.

رابعاً: العقل الذي لا ينقد نفسه قد يتحول إلى عقيدة
ينتقد المقال الاتباع والتبعية والجمود، وهذا جوهر إيجابي فيه. لكن ثمة مفارقة ينبغي التنبه إليها: إذا أصبح «العقل» نفسه مرجعية مطلقة غير قابلة للمساءلة، فقد يتحول خطاب التحرر من الدوغمائية إلى دوغمائية جديدة.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن سؤال حدود العقل:
من يملك حق تعريف ما هو عقلاني؟ فالعقل لا يعمل في فراغ اجتماعي أو سياسي، وقد تتحول سلطة تعريف «العقلاني» نفسها إلى شكل من أشكال السلطة، تمارسها نخبة أو مؤسسة أو منظومة فكرية، فتقرر ما هو التنوير وما هو التخلف، وما هو التقدم وما هو الرجوع إلى الوراء. ومن ثم فإن نقد العقل لا يقتصر على مساءلة حدوده المعرفية، بل يمتد أيضا إلى مساءلة السلطة التي تتحدث باسمه.
فليس كافيا أن نتحرر من سلطة التقليد إذا أقمنا مكانها سلطة جديدة تحتكر تعريف العقل والتنوير. وربما يكون أحد شروط العقل المنير أن يظل مفتوحا للتعدد والاختلاف، بحيث لا يتحول إلى مرجعية مغلقة تحدد للآخرين مسبقا كيف ينبغي أن يفكروا، أو أي إنسان ينبغي أن يكونوا.
ولهذا فإن العقل المنير، في تقديري، ليس العقل الذي يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، وإنما العقل الذي يمتلك القدرة على نقد نفسه، ومراجعة مقدماته، والاعتراف بحدوده، والاستماع إلى المختلف. العقل المنير ليس عقل اليقين المطلق، وإنما عقل التواضع المعرفي.
ومن هنا ربما يكون من الضروري أن يتسع مفهوم العقل المنير في مشروع بسيسو ليشمل بعده النقدي الذاتي؛ أي أن يكون العقل قادرا ليس فقط على نقد التراث والواقع والآخر، بل على نقد مقدماته وحدوده والسلطة التي قد تتحدث باسمه.

خامساً: الحداثة العربية لا ينبغي أن تكون مجرد «تكييف» للحداثة الغربية
من الإيجابيات المهمة في المقال رفضه لمحاكاة الآخر. لكن فكرة «الحداثة العربية الخاصة» تحتاج إلى مزيد من التحديد.
فإذا كانت الحداثة الغربية نفسها قد حملت توترا بين التحرر والسيطرة، وبين العقل النقدي والعقل الأداتي، فإن المطلوب عربيا ليس مجرد البحث عن نسخة عربية من الحداثة الغربية، وإنما الدخول في حوار نقدي معها. نأخذ منها ما وسّع إمكانات الإنسان في الحرية والمعرفة والعدالة والمؤسسات، ونفحص في الوقت نفسه ما أنتجته من أشكال للسيطرة والاغتراب وتحويل الإنسان والطبيعة إلى موضوعات للحساب والمنفعة.
وهذا يعني أن «الآخر» ليس نموذجا يُحتذى، ولا خصما يُرفض، وإنما خبرة تاريخية نتعلم منها، إيجابا وسلبا. وهنا يلتقي هذا التصور مع أفضل ما في مقال بسيسو نفسه.

سادساً: التراث أيضاً يحتاج إلى قراءة نقدية مزدوجة
ومن الناحية الأخرى، لا يكفي أن نبحث في التراث عن «مكوناته المنيرة»، بل ينبغي أن نسأل أيضا: ما الذي يجعل مكونا ما منيرا؟ وهل يكفي أن يتوافق مع بعض قيم الحاضر حتى نمنحه هذه الصفة؟ أم أن المعيار ينبغي أن يكون قدرته على إنتاج أسئلة جديدة، وفتح إمكانات للتفكير، ومقاومة احتكار الحقيقة والسلطة؟
ولعل المعيار الأهم ليس قدم الفكرة أو حداثتها، وإنما قدرتها على توسيع مجال الحرية، وإطلاق السؤال، ومقاومة احتكار الحقيقة. وبهذا المعنى، لا تكون «الإنارة» صفة ثابتة لمكوّن تراثي، بل حكما نقديا يتصل بقدرته على فتح أفق الإنسان وتحرير التفكير من الجمود.
إن التراث ليس كتلة واحدة، كما أن الحداثة ليست كتلة واحدة. ففي كليهما عناصر للتحرر وعناصر لإعادة إنتاج السلطة. ولذلك لا ينبغي أن يكون هدفنا العثور على «تراث منير» جاهز نضعه في مواجهة «تراث مظلم»، وإنما إعادة قراءة التراث قراءة نقدية تكشف إمكاناته وحدوده معا، وتستخرج منه ما يمكن أن يثري الحاضر من دون أن تحول الماضي إلى سلطة جديدة.

سابعاً: من خطاب العقل إلى بناء شروط العقل
ثمة سؤال معرفي وسياسي لا مفر من مواجهته: كيف يصبح العقل فاعلا في التاريخ؟
فالإنسان لا يمارس العقل في فراغ تجريدي، والتفكير النقدي ليس مجرد خيار فردي يصدر عن إرادة معزولة، بل هو نشاط مشروط بوجود «بنية مادية ومؤسسية للعقلانية». ومن ثمّ، فإن أي مشروع لتنوير العقل العربي يكتفي بالنصح الأخلاقي أو الدعوة الخطابية إلى «إعمال العقل» يظل مشروعا ناقصا، ما لم ينشغل بالشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل هذا التفكير ممكنا وآمنا. فلا يكفي أن نقول للإنسان: «كُن عقلانيا ومستقلا»، بينما تُعاقبه البيئة السياسية على التفكير الحر، أو تحرمه البيئة الاقتصادية من شروط الحياة الكريمة التي تمكّنه من الاستقلال المعرفي.
إن الانتقال من «خطاب العقل» إلى «بناء شروط العقل» يقتضي تجسيد التنوير في جامعة مستقلة تحمي استقلال الأكاديمي عن ضغوط السلطة والسوق، وفي مناهج تعليمية تُعنى بالفلسفة ونقد المعرفة بدلا من التلقين، وفي حوكمة أخلاقية ومؤسسية للتقنية تملك سلطة كبح العقل الأداتي وتطبيقاته العسكرية، وفي فضاء عام حر يضمن أمن الإنسان من الخوف والحاجة. فالعقل الذي يُهدده الفقر أو يقمعه الاستبداد يستحيل عليه أن يمارس التواضع المعرفي أو نقد الذات، بل يضطر إلى الارتهان إما لسطوة الموروث أو لكفاءة البقاء. ودون هذه الشروط المادية، سيظل «العقل المنير» أمنية فكرية محلّقة فوق واقع يرزح تحت الجمود والاستبداد

ثامناً: من «الإنسان العربي الجديد» إلى الإنسان القادر على صناعة ذاته
يطرح بسيسو في نهاية مشروعه فكرة «الإنسان العربي الجديد»، وهي فكرة تنسجم، في ظاهرها، مع تطلعه إلى بناء إنسان متحرر من الجمود والتبعية وقادر على المشاركة في صناعة مستقبل مختلف. لكن هذه الفكرة نفسها تحتاج إلى قدر من المراجعة النقدية: من يحدد صورة هذا «الإنسان الجديد»؟ ومن يقرر الصفات التي ينبغي أن يتوافر عليها؟ وألا يمكن أن يتحول النموذج المنشود، إذا صيغ في صورة مكتملة سلفا، إلى نموذج جديد يُطلب من الإنسان أن يطابقه؟
المشكلة هنا ليست في السعي إلى إنسان أكثر حرية ووعيا، وإنما في أن يتحول هذا السعي إلى مشروع لإعادة تشكيل الإنسان وفق تصور مسبق لما ينبغي أن يكون عليه. فالإنسان الذي يدافع عنه مشروع التنوير لا ينبغي أن يكون مجرد نتيجة لمشروع فكري تضعه نخبة أو منظومة معرفية، بل ينبغي أن يكون شريكا في تحديد صورته وغاياته. ومن هنا يصبح التمكين من صناعة الذات أكثر اتساقا مع الحرية من صناعة نموذج جاهز للإنسان.
فالحرية لا تعني فقط تحرير الإنسان من سلطة الماضي أو من أنظمة القمع، وإنما تعني أيضا حقه في أن يختار هويته ومواقفه وقيمه، وأن يراجعها ويغيرها، وأن يختلف مع التصورات السائدة لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان «الحديث» أو «المتقدم».
ولذلك فإن مشروع التنوير لا يكتمل حين ننتج إنسانا يطابق صورة معينة، بل حين نوفر للإنسان الشروط التي تمكنه من صناعة ذاته بحرية ومسؤولية.
وعندها لا تكون الكرامة الإنسانية مجرد موضوع يدافع عنه العقل، بل تصبح المعيار الذي يهدي قدرته ويضع لها حدودا أخلاقية. فالعقل الذي يريد تحرير الإنسان لا يستطيع، في الوقت نفسه، أن يصادر حقه في أن يكون مختلفا، أو أن يحل نموذجا جاهزا محل نموذج قديم. إن الدفاع عن كرامة الإنسان يقتضي أن يبقى الإنسان غاية المشروع لا مادته الخام.

وإذا كان مشروع بسيسو يريد تأسيس حداثة عربية على العقل والحرية والكرامة، فإن الخطوة التي أقترح أن يفتحها هذا المشروع هي الانتقال من عقل ينقد التراث والواقع والآخر إلى عقل ينقد ذاته أيضا؛ عقل يدرك حدود العقل الأداتي، ويميز بين كفاءة الوسيلة ومشروعية الغاية، ويجعل الكرامة الإنسانية معيارا للعلم والتقنية والحداثة، لا مجرد نتيجة متوقعة لها.

تاسعاً: نحو عقل منير ينقد نفسه
لذلك فإنني أقرأ «خطاب العقل المنير» بوصفه دعوة مهمة إلى فتح أفق التفكير العربي على العقل والحرية والكرامة والتجربة الإنسانية، وليس بوصفه مشروعا مكتمل الأجوبة.
وقوة الطرح، في تقديري، لا تكمن في أنه قدم الإجابة النهائية، وإنما في أنه أعاد طرح سؤال النهضة من موقع الإنسان والعقل والحرية.
لكن دفع هذا السؤال إلى الأمام يقتضي أن نضيف إلى العقل نقد العقل، وإلى الحداثة نقد الحداثة، وإلى التقدم سؤال الغاية من التقدم، وإلى العلم المسؤولية الأخلاقية عن استخدامه.
فالعقل ليس قوة بلا حدود، والعلم ليس خيرا بذاته، والتكنولوجيا ليست تقدما بمجرد ازدياد قدرتها، والحداثة ليست تحررا بالضرورة.
إن العقل الذي نحتاجه ليس فقط العقل القادر على اكتشاف الوسائل الأكثر كفاءة، بل العقل القادر على مساءلة الغايات التي تخدمها هذه الوسائل.
ولعل السؤال الذي يمكن أن يضاف إلى «خطاب العقل المنير» هو:
كيف نبني عقلا يحرر الإنسان، من دون أن يتحول هو نفسه إلى أداة للسيطرة عليه؟
وهنا ربما تبدأ المرحلة الأعمق من مشروع التنوير: أن يصبح العقل قادرا ليس فقط على نقد التراث، ونقد الواقع، ونقد تجربة الآخر، وإنما أيضا على نقد نفسه.
فليس المطلوب أن ننتقل من سلطة الماضي إلى سلطة العقل، وإنما أن ننتقل من كل سلطة تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية إلى عقل حر، نقدي، متواضع، إنساني، يضع الكرامة الإنسانية غاية ومعيارا وحدا في آن واحد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...