جمعي شايبي - العالم من منظور غربي __ الدكتور عبد الوهاب المسيري __

في هذه الدراسة المنهجية المستفيضة ، وبهذا النقد الإبداعي الفريد ، يتعرض العبقري الملهم الدكتور الراحل عبد الوهاب المسيري رحمه الله ، للحضارة الغربية المادية ، ويخضعها للتقييم النقدي ، فكشف ببراعة مذهلة أن جوهر رؤيتها المادية في حقيقتها تنكر على الإنسان قداسة إنسانيته ، وتقر أسبقيتها على كل القيم الأخلاقية ، وأنها بثقافتها الإستهلاكية قد سحبت الإنسان نفسه من طبيعته الإنسانية ، ووضعته في عالم الأشياء ، إذ أنها تنكر عليه خصوصيته وعقله وإبداعه وفعاليته ، وتنكر عليه قدرته على تجاوز وضعه المادي .
لكون أن هذه الحضارة الغربية المادية ، لا تنظر للتقدم إلا بمفهوم مادي بحت ، بعيدا عن المتظور المعنوي والأخلاقي ، وتظل ماديتها قاصرة عن الإحاطة بجوانب الظاهرة الإنسانية ، لأنها تعتمد على الكم دون الكيف ، ولهذا يظل لتقدم علمها الصناعي علاقة مطردة بالتخلف الكوني الإنساني .




يرد المفكر العظيم الدكتور عبد الوهلب المسيري رحمه الله سبب تحول الغرب إلى قيمة مطلقة أوجبت تبنيها ، وفرضت نفسها كنقطة مرجعية نهائية يجب الوصول إليها أو مقاربتها باعتبار حضارتها المادية نموذجا تقدميا يعمل على تكثير المنفعة وتكثيفها وعلى تعظيم اللذة وتوفيرها ، إلى تحيزنا الذاتي الحاد ، وإلى إذعاننا الفكري الأبله ، وتبعيتنا الفكرية الكلية البليدة لهذا النموذج الحضاري الغربي.
سواء كان تحيزنا تحيزا واعيا ، وهو ذلك التحيز الذي يكرسه المثقفون والنخب بإعادة صياغة القيم الغربية ، وإشاعتهم للنموذج الحضاري الغربي ، أو بتحيزنا غير الواعي الذي يرسخه عوام الشعوب بتبعية مذلة .
أي تحيزا واعيا من جانب المنتج ، وتحيزا غير واع من جانب المستهلك .
ومهما يكن هذا التحيز بشقيه ، فإنه تحيز لنموذج حضاري غربي مشبع بتناقضاته مع واقعنا الوجودي .
إن كتاب العالم من منظور غربي ، نقد كلي للحضارة الغربية المادية ، ومنهجية حكيمة محكمة للتخلص من الإحساس بمركزية الغرب ، تنزع عنه صفة العالمية والعلمية والمطلقية عن حضارته ، إذ تعيد الغرب إلى غربيته وتجرده من عالميته المغالية ، بإدراك محليته وخصوصيته الحضارية .
لقد برهن المسيري بحجج دامغة على أن قيم الغرب تنبع من رؤية داروينية للواقع ، وخلخل قبضة مفهوم التقدم المادي اللانهائي الكمي ، إذ بين معايبه ، وكشف عوراته وقبحه المتجلي في شيوع المخذرات والإباحية ، تآكل الأسرة ، تراجع التواصل بين الناس بسبب التكنولوجيات المتغولة ، تزايد العنف والجريمة ، انتشار الفلسفات العدمية ، تزايد الإحساس بالإغتراب ، علاقة الإيدز بالحرية الجنسية المرتبطة بالإنفتاح والتقدم ، كما تطرق طويلا إلى كشف معايب هذه الحضارة الغربية المادية وفضح عدمية فلسفتها المفلسة التي تقوم على داروينية صراعها من أجل البقاء ، التي روج لها كثيرا رجل الكوبوي في أفلام الويسترن الهوليودية .
إن المسيري رحمه الله لم يكتفي بالتدليل والبرهنة على أن الإنسان في ظل هذه الحضارة الإستهلاكية العالمية لا يحمل أي أعباء أخلاقية وليس له ذاكرة تاريخية ، بل قدم لنا منهجية مدهشة في كيفية التحرر من التبعية الإدراكية للمشروع المعرفي الغربي ، وشق لنا سبيلا آمنا لتجنب مخاطر زعامته العدمية المعادية للإنسان ، وقدم لنا خطة حكيمة محكمة ، لتحرير الذات من تبعية الآخر ، وكسر النظرية الخلدونية التي تؤكد بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب .
ويؤكد المسيري على أن فعل التخلي عن تحيزاتنا الذاتية العمياء البلهاء للغرب ، لابد أن ينبع من واقعنا التاريخي والإنساني والوجودي ، لأن سبب هيمنة النموذج الحضاري الغربي هو زهدنا في التراث ، وبليتنا الكبرى تجاه تراثنا هي عدم قدرتنا على الإبداع .
إن عبقرية المسيري لا تتجلى فقط في قدرته المذهلة على استرداده للمنظور النقدي تجاه الحضارة الغربية التي تهمل الكيف وتعنى بالكم ، بل إن عبقريته تتخطى ذلك إلى قدرته المدهشة على صياغة وتأسيس نموذج معرفي بديل ، يستفيد من العلم الغربي وغيره من العلوم دون التماهي والإنصهار في كلية قالبه .
إذ كان له ذلك رفقة العديد من النخب والأمخاخ المصرية الواعية ، حيث تظافرت جهودهم جميعا ، كلا حسب تخصصه في صياغة بديل معرفي ناجم عن تراثنا الذاتي وتاريختا الحضاري.
لقد قدم الدكتور المسيري رحمه الله رفقة أولئك الجهابذة الأفذاذ مشروعا نهضويا ، لو تلتزم الأنظمة العربية بتجسيده ، فمن المؤكد أن الحضارة الغربية ستفقد مركزيتها العالمية على المستوى المادي ، وتنكمش إلى حدودها التي نشأت فيها دون قدرة لها على التمدد .
إنه حلمنا الأكبر الذي سيكذب نبوءة المركزية العالمية الخادعة التي قولبتها وتديرها صهيونية عالمية متسلطة .
لنا أن نعتبر في ألوان قوس قزح في مجموعها دون تداخلها فيما بينها ، إذ أن كل لون فيها لا يخسر تميزه واستقلاله وحدوده ، مع ذلك فإن كل الجمال يكمن في مجموعها وتناسقها .
إن ألوان قوس قزح مثل الحضارات لو أعادت ترتيب تموقعها واحترمت نفسها و غيرها ، إنها بذلك تعطي للإنسانية جمالا مبهرا ضافيا .
ولكم ان تتأكدوا من قبح الحضارة المادية الغربية التي جعلت لألوان قوس قزح راية تخص المثليين ، إن قبحها يشوه فطرة الإنسان والطبيعة معا .



إن كتاب العالم من منظور غربي رغم كونه مادة فكرية دسمة ، أرى أنه من الأفضل ألا تكون قراءته حكرا على النخب وذوي المستويات العالية ، بل من الواجب تدريسه في كل مؤسساتنا التربوية العربية ، حتى يتكون لجميعنا وعيا جمعيا وإدراكا أمميا شاملا يمكننا من تجسيد هذا المشروع النهضوي العظيم من القاعدة إلى القمة ، لأن هذا المشروع يستوجب نشاطا وحراكا هرميا طبقيا شاملا .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...