كيف دخل ياسر عبد الرحمن إلى قدس الأقداس ؟
في وجدان كل مصري، هناك ركنٌ صغير، مقدس، لا نسمح لأحد أن يقترب منه.
ركنٌ محفورٌ فيه أصواتٌ قديمة، حفظناها كما نحفظ أسماءنا. فيه صوت عبد الحليم وهو يقول "الناجح يرفع إيده"، وصوت عبد المطلب "رمضان جانا"، وفايزة أحمد "ست الحبايب"، وصوت "بسم الله.. الله أكبر بسم الله" وهي تخرج من حناجر الجنود لا من الإذاعة.
هذه ليست أغانٍ. هذه ترانيم مقدسة. نحن لا نسمعها، نحن نتعبد بها كلما جاءت مناسبة أو عيد. ولا نسمح لنغمٍ جديد أن يدخل هذا الحرم. والمقدس لا يُمس.
سنواتٌ طويلة والمحراب مغلق.
ثم جاء ياسر عبد الرحمن.
لم يطرق الباب. لم يستأذن. لم يقل: عندي لحنٌ جديد لأكتوبر.
هو فقط ألّف موسيقى لفيلم عن السادات. موسيقى بلا كلمات، بلا حنجرة، بلا هتاف. ظننا أنها ستمر مع الفيلم وتنتهي بانتهاء العرض.
لكنها لم تمر.
تسللت.
نغمةٌ هادئة، حزينة، عميقة وشامخة، كأنها تمشي على أطراف أصابعها، دخلت من شقٍ صغير في جدار القلب المصري، وجلست.
لم ننتبه في البداية. ثم فجأة، في كل احتفالٍ بأكتوبر، أصبحنا نسمعها في التلفزيون، في الشارع.. في فيديوهات وسائل التواصل الاجتماعي. أصبحت هي العلامة والإشارة التي تقول لنا: استعدوا، أكتوبر قادم.
كيف حدث هذا؟
كيف استطاع لحنٌ وُلد عام 2001 أن يزاحم ألحاناً وُلدت في قلب النار عام 73؟ كيف استطاعت موسيقى بلا كلمات أن تأخذ مكاناً بين أناشيد حفظناها وعاشت في وجداننا؟
أظن أنها عاشت لأنها لم تأتِ لتزاحم.. جاءت لتكمل.
الأغاني القديمة كانت تصرخ فينا: افرحوا، انتصرنا. كانت تأمر القلب أن يفرح.
أما موسيقى ياسر عبد الرحمن فلم تأمر. هي فقط وضعت يدها على كتفنا، وقالت: تذكروا..
لم تعطنا معنى جاهزاً، بل أعطتنا مساحة لنضع فيها حزننا الخاص وفرحنا الخاص.
كل واحدٍ منا وضع فيها قصته.
ولهذا قبلناها.. الوجدان المصري لا يقبل من يلقنه، بل يقبل من يترك له حرية أن يتذكر.
ياسر عبد الرحمن لم يؤلف موسيقى لأكتوبر. هو أيقظ أكتوبر النائم فينا.
لم يشرح الحرب، بل أيقظ الرعشة التي شعرنا بها أول مرة حين عرفنا أننا عبرنا.
الموسيقى العظيمة لا تحتاج إلى جواز سفر لتدخل القلب. هي تعرف الطريق وحدها.
واليوم، حين تأتي تلك النغمة.. نغمة "أيام السادات".. كثيرون لم يشاهدوا الفيلم أصلاً، ولا يعرفون أنها موسيقى تصويرية. لكنهم يشعرون بها كطقس. كجزء من طقوس نصر أكتوبر نفسه، كأنها كانت هناك دائماً، منذ العبور الأول.
الكل يعرف أنها لم تعد مجرد موسيقى تصويرية لفيلم.
إنها الدليل على أن قلب مصر، رغم كل ما مر به، ما زال يعرف كيف يحفظ نغماً جديداً، وما زال قادراً على أن يقدس ما يستحق التقديس.
لقد دخل ياسر عبد الرحمن إلى قدس الأقداس، لا كعابر سبيل، بل كصاحب بيت وسيبقى فيه للأبد.
في وجدان كل مصري، هناك ركنٌ صغير، مقدس، لا نسمح لأحد أن يقترب منه.
ركنٌ محفورٌ فيه أصواتٌ قديمة، حفظناها كما نحفظ أسماءنا. فيه صوت عبد الحليم وهو يقول "الناجح يرفع إيده"، وصوت عبد المطلب "رمضان جانا"، وفايزة أحمد "ست الحبايب"، وصوت "بسم الله.. الله أكبر بسم الله" وهي تخرج من حناجر الجنود لا من الإذاعة.
هذه ليست أغانٍ. هذه ترانيم مقدسة. نحن لا نسمعها، نحن نتعبد بها كلما جاءت مناسبة أو عيد. ولا نسمح لنغمٍ جديد أن يدخل هذا الحرم. والمقدس لا يُمس.
سنواتٌ طويلة والمحراب مغلق.
ثم جاء ياسر عبد الرحمن.
لم يطرق الباب. لم يستأذن. لم يقل: عندي لحنٌ جديد لأكتوبر.
هو فقط ألّف موسيقى لفيلم عن السادات. موسيقى بلا كلمات، بلا حنجرة، بلا هتاف. ظننا أنها ستمر مع الفيلم وتنتهي بانتهاء العرض.
لكنها لم تمر.
تسللت.
نغمةٌ هادئة، حزينة، عميقة وشامخة، كأنها تمشي على أطراف أصابعها، دخلت من شقٍ صغير في جدار القلب المصري، وجلست.
لم ننتبه في البداية. ثم فجأة، في كل احتفالٍ بأكتوبر، أصبحنا نسمعها في التلفزيون، في الشارع.. في فيديوهات وسائل التواصل الاجتماعي. أصبحت هي العلامة والإشارة التي تقول لنا: استعدوا، أكتوبر قادم.
كيف حدث هذا؟
كيف استطاع لحنٌ وُلد عام 2001 أن يزاحم ألحاناً وُلدت في قلب النار عام 73؟ كيف استطاعت موسيقى بلا كلمات أن تأخذ مكاناً بين أناشيد حفظناها وعاشت في وجداننا؟
أظن أنها عاشت لأنها لم تأتِ لتزاحم.. جاءت لتكمل.
الأغاني القديمة كانت تصرخ فينا: افرحوا، انتصرنا. كانت تأمر القلب أن يفرح.
أما موسيقى ياسر عبد الرحمن فلم تأمر. هي فقط وضعت يدها على كتفنا، وقالت: تذكروا..
لم تعطنا معنى جاهزاً، بل أعطتنا مساحة لنضع فيها حزننا الخاص وفرحنا الخاص.
كل واحدٍ منا وضع فيها قصته.
ولهذا قبلناها.. الوجدان المصري لا يقبل من يلقنه، بل يقبل من يترك له حرية أن يتذكر.
ياسر عبد الرحمن لم يؤلف موسيقى لأكتوبر. هو أيقظ أكتوبر النائم فينا.
لم يشرح الحرب، بل أيقظ الرعشة التي شعرنا بها أول مرة حين عرفنا أننا عبرنا.
الموسيقى العظيمة لا تحتاج إلى جواز سفر لتدخل القلب. هي تعرف الطريق وحدها.
واليوم، حين تأتي تلك النغمة.. نغمة "أيام السادات".. كثيرون لم يشاهدوا الفيلم أصلاً، ولا يعرفون أنها موسيقى تصويرية. لكنهم يشعرون بها كطقس. كجزء من طقوس نصر أكتوبر نفسه، كأنها كانت هناك دائماً، منذ العبور الأول.
الكل يعرف أنها لم تعد مجرد موسيقى تصويرية لفيلم.
إنها الدليل على أن قلب مصر، رغم كل ما مر به، ما زال يعرف كيف يحفظ نغماً جديداً، وما زال قادراً على أن يقدس ما يستحق التقديس.
لقد دخل ياسر عبد الرحمن إلى قدس الأقداس، لا كعابر سبيل، بل كصاحب بيت وسيبقى فيه للأبد.