هدى حجاجي - 8قراءة نقدية في نص «كلمات من الزمن الجميل»

منذ العنوان الفرعي «من ورقاتي اليومية» يضعنا عمر دغرير أمام كتابة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الاعترافات اليومية، لكنها سرعان ما تتجاوز الخاص إلى العام، إذ يتحول الحزن الفردي إلى مرآة لحزن وطن كامل. واللافت أن الشاعر لا يتعامل مع الحزن باعتباره ضعفًا، بل يمنحه صفة رمزية لافتة في قوله: «لأن حزنك معفى من الضرائب»؛ فالحزن هنا خارج سلطة الحساب، لا يخضع لقانون ولا يمكن للسلطة أن تفرض عليه جبايتها.

وتتسع دائرة الوجع عبر صور المطر والسيول والأزقة والطرقات، وكأن الطبيعة نفسها أصبحت شريكة في المأساة. فـ«الأمطار الغزيرة» و«السيول الجارفة» ليستا مجرد صورتين شعريتين، وإنما امتداد للفوضى الداخلية والخارجية التي يعيشها المتكلم.

ثم تأتي واحدة من أقوى مناطق النص حين يقول: «صوتي كان في الساعات الماضية يمزقه / المقص والسيف والرصاص». هنا تتحول أدوات القطع والقتل إلى أدوات لتمزيق الصوت ذاته؛ وكأن المستهدف الحقيقي ليس الجسد وحده، وإنما حق الإنسان في الكلام. وفي المقابل يصبح الحرف ضحية أخرى: «حرفي على بلاط السلطان يُحرق». وهي صورة شديدة الدلالة، فالسلطان هنا يمكن أن يُقرأ بوصفه رمزًا لكل سلطة تصادر الكلمة، بينما احتراق الحرف يرمز إلى محاولة إخماد الوعي.

ومن أجمل الصور في النص قوله: «صمتي منفضة لسجائر اللصوص / في البلد المسلوب». صورة قاسية وساخرة في الوقت نفسه؛ إذ يجعل الشاعر من الصمت شيئًا يُستعمل ويُهَان، وكأن اللصوص لا يكتفون بسرقة الوطن، بل يستخدمون صمت أبنائه أيضًا لتثبيت واقعهم.

أما صورة «نساء الحقيبة» فتفتح بابًا آخر من أبواب القهر، حيث تنتقل القصيدة من قمع الكلمة إلى انتهاك الإنسان، وتصبح المرأة هنا علامة على وطن مهزوم تُسلب كرامته تحت أعين الحراس. وهذه الصورة تحديدًا تحمل شحنة درامية عالية، وإن كانت من أكثر الصور احتياجًا إلى التأمل والتأويل داخل السياق العام للنص.



ثم يصل الشاعر إلى ذروة الانكسار: «لم أعد أعرف اسمي». وهذه الجملة القصيرة ربما تكون أكثر مباشرة من كثير من الصور السابقة؛ لأن فقدان الاسم هو فقدان الهوية، وعندما يفقد الإنسان اسمه يصبح مهددًا بفقدان ذاته كلها.

لكن النص لا ينتهي عند العدم.

وهنا تكمن أهميته.

فبعد أن «أسلم» الشاعر روحه وينتظر «الثواب أو حتى العقاب»، يحدث التحول المفاجئ: «صمتي انتفض من تحت الرماد». الصمت الذي كان طوال النص علامة على القهر يتحول فجأة إلى قوة حياة. وهذه المفارقة هي العمود الفقري للنص كله: الصمت يُقمع، ثم ينتفض؛ الحرف يُحرق، ثم تعود الروح؛ الجسد يُمدد في الطرقات، ثم تُفتح النافذة.

والنافذة في الخاتمة ليست مجرد عنصر مكاني، وإنما رمز للخلاص والانفتاح واستعادة إمكانية الحياة: «وفتح النافذة حتى أستعيد الحياة يا وطني». وهنا يعود الوطن في النداء الأخير، بعد أن كان حاضرًا طوال النص بصورة غير مباشرة. وكأن الشاعر يقول إن استعادة الذات لا تنفصل عن استعادة الوطن.

ما يميز عمر دغرير في هذا النص أنه لا يقدم خطابًا سياسيًا مباشرًا بقدر ما يصنع مشهدًا شعريًا من الرماد، مستخدمًا قاموسًا كثيفًا من مفردات القهر: السيف، الرصاص، السلطان، الطغاة، اللصوص، الحراس، السلب، ثم يواجهها في النهاية بمفردات الحياة: الروح، الجسد، النافذة، الحياة، الوطن.

إنها كتابة تتحرك من الانكسار إلى المقاومة، ومن الصمت إلى الصوت، ومن الرماد إلى النافذة.

وربما تكون أجمل رسالة في النص أن الإنسان قد يُهزم مرات، وقد يُنتزع منه صوته، وقد يشعر أنه لم يعد يعرف حتى اسمه، لكن شيئًا في داخله يظل قادرًا على النهوض.

ذلك الشيء هو الأمل... حين يتحول الصمت نفسه إلى صوت.
النص



كلمات من الزمن الجميل :

من كتابي "فنجان شاي يعطره صمتي "

من ورقاتي اليومية

لأن حزنك معفى من الضرائب
أرى دموعك كأمطار غزيرة
و أرى السيول الجارفة في كل الأزقة
و الطرقاتْ ...
ماذا سأفعل الآن وسط الفوضى العارمة ؟...
صوتي كان في الساعات الماضية يمزقه
المقص و السيف و الرصاص ...
حرفي على بلاط السلطان
يُحرق
و ينثر رماده الطغاة ْ...
صمتي منفضة لسجائر اللصوص
في البلد المسلوبْ ...
و نساء الحقيبة يغتصبهن الحراس
في آخر الفجر و بعد كل غروبْ ....
لم أعد أعرف اسمي ...
أسلمت روحي لخالقي
و انتظرت الثواب أو حتى العقابْ...
و في غفلة مني
صمتي انتفض من تحت الرماد
وأعاد الروح لجسدي الممدد في كل الدروب
و فتح النافذة حتى أستعيد الحياة يا وطني ...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...