الدكتور حسين عبدالبصير - وصية نونخت: حين قررت امرأة مصرية قديمة من يرث ممتلكاتها

في آخر العمر، جلست نونخت أمام الكتبة والشهود، لا لتروي قصة حياتها، وإنما لتتخذ قرارًا بشأن ما سيبقى منها بعد رحيلها. كانت امرأة مسنة من مجتمع دير المدينة، وقد عرفت أبناءها واحدًا واحدًا، رأت من وقف إلى جوارها ومن ابتعد عنها، ومن مد لها يد العون حين احتاجت إليه ومن لم يفعل. والآن، وهي تقترب من نهاية حياتها، أرادت أن تقول كلمتها الأخيرة: من يستحق أن يرث ما تملك، ومن لا يستحق.

لم تكن نونخت ملكة ولا أميرة، بل امرأة عاشت في مجتمع العمال والحرفيين الذين شيدوا وزينوا مقابر ملوك الدولة الحديثة. ومع ذلك، بقي صوتها محفوظًا في وثيقة نادرة تعود إلى العام الثالث من حكم الملك رمسيس الخامس، نحو القرن الثاني عشر قبل الميلاد.

لم تكتب نونخت وصيتها بيدها؛ أمْلت إرادتها على الكتبة، وسجلها الشهود. لكنها في تلك اللحظة امتلكت شيئًا بالغ الأهمية: حق أن تحدد مصير ممتلكاتها بنفسها.

كانت قد تزوجت مرتين؛ زوجها الأول الكاتب قنحرخِبِشِف، ثم تزوجت العامل خعمنون، وأنجبت من زواجها الثاني ثمانية أبناء. وفي وصيتها لم تساوِ بينهم جميعًا، بل جعلت ما قدموه لها في حياتها معيارًا لما سيحصلون عليه بعد وفاتها.

قالت، في جوهر وصيتها، إنها ربّت أبناءها وجهزتهم بما جرت به العادة، لكنها عندما تقدمت في العمر لم تجد من بعضهم العناية التي توقعتها. لذلك قررت أن يحصل من «مد لها يدًا» على نصيب من ممتلكاتها، وألا يحصل من لم يقدم لها شيئًا على شيء منها.

هنا تكمن قوة وصية نونخت. فالميراث لم يظهر عندها مجرد انتقال للمال من جيل إلى جيل، وإنما جاء مرتبطًا بعلاقة إنسانية: أم أعطت أبناءها، ثم انتظرت منهم الرعاية، وحين لم تجدها من الجميع قررت أن تميز بينهم.

وتزداد أهمية الوصية عندما نعرف أن نونخت كانت تملك أموالًا وممتلكات بصورة مستقلة عن ممتلكات زوجها. فقد ورثت بعض ممتلكاتها من أبيها ومن زوجها الأول، كما امتلكت نصيبًا من الممتلكات التي اكتسبتها مع زوجها الثاني. ولذلك لم يكن قرارها مجرد كلام عائلي، بل كان قرارًا قانونيًا يتعلق بممتلكات حقيقية.

وتكشف تفاصيل الوصية أنها منحت بعض أبنائها نصيبًا من ممتلكاتها، بينما حرمت آخرين من المشاركة في الجزء الذي كانت تملكه هي. لكنها لم تكن تتحكم في ممتلكات زوجها كلها؛ فقد ظل للأبناء حقهم في نصيبهم من أموال أبيهم. وهكذا تميز الوثيقة بدقة بين ملكية نونخت وملكية زوجها.

ومن بين ما تركته نونخت لابنها قنحرخِبِشِف حوضًا برونزيًا للغسل، ارتبط به في نص الوثيقة تقدير بعشرة أكياس من حبوب الإمر. كما وزعت أجزاء أخرى من ممتلكاتها على عدد من أبنائها وبناتها، وفقًا لما حددته في وصيتها.

وتكشف الوثيقة أيضًا عن حضور النساء في الحياة الاقتصادية والقانونية. فقد ظهرت بنات نونخت ضمن المستفيدات من ممتلكاتها، كما حفظت الوثيقة أسماء عدد من النساء في سياق الملكية والأسرة. غير أن أهمية ذلك لا تعني أن جميع النساء في مصر القديمة عشن الظروف نفسها أو امتلكن القدر نفسه من الاستقلال.

والأكثر إنسانية في وصية نونخت أن المال لم يكن قضيتها الوحيدة. كانت، في لحظة متأخرة من حياتها، تضع ميزانًا لذاكرة طويلة: من أعطاها حين احتاجت؟ ومن تركها وحدها؟ ثم حولت هذه الذاكرة إلى قرار سيبقى مكتوبًا بعد موتها.

لهذا لا تكمن أهمية نونخت في كونها امرأة مصرية قديمة امتلكت المال فحسب، وإنما في أنها تركت لنا صوتًا شخصيًا نادرًا، يظهر فيه الإنسان خلف الوثيقة القانونية: أم عجوز، وأبناء، وعلاقة أسرية اختبرتها السنوات، وميراث أرادت صاحبته أن تحدد مصيره بنفسها.

بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، لا نعرف كيف كان شعور أبنائها عندما سمعوا حكم أمهم. لكننا نعرف شيئًا واحدًا: أن نونخت أرادت أن تكون كلمتها الأخيرة هي التي تحدد من يستحق ما تركته وراءها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...