من تخوم طولكرم.. تفكيك السلطة أم تفكيك الطريق إلى الدولة؟
تصريحات بن غفير بين الحساب الانتخابي وإعادة تشكيل جغرافيا الضفة الغربية
المحامي علي أبو حبلة
لا يمكن قراءة تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير من تخوم طولكرم بمعزل عن موقعها الجغرافي والسياسي، ولا عن صفته الرسمية وتوقيت تصريحاته. فقد وقف بن غفير، صباح 7 تشرين الأول/أكتوبر، عند السياج قرب مفترق نيتساني عوز المحاذي لطولكرم، وربط موقعه بذكرى هجوم 7 أكتوبر، محذراً من تكرار سيناريو مماثل في وسط إسرائيل، وداعياً إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاح أجهزتها واعتقال أفرادها.
قانونياً، تظل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أرضاً فلسطينية محتلة وفق الإطار القانوني الدولي، ولا يغيّر ذلك اختلاف ترتيبات الإدارة أو السيطرة الأمنية التي نشأت في مراحل العملية السياسية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 أن سياسات الاستيطان والضم والإجراءات الرامية إلى إحداث تغييرات دائمة في الأرض المحتلة تمس حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
ومن هذه الزاوية، فإن الدعوة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ليست مجرد مسألة أمنية داخلية إسرائيلية؛ لأنها تتصل بمستقبل بنية مؤسساتية فلسطينية قائمة، وبالسؤال الأوسع المتعلق بمستقبل الضفة الغربية وإمكان قيام دولة فلسطينية.
أما سياسياً، فمن المشروع النظر إلى تصريحات بن غفير في ضوء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، ولا سيما أن الوزير نفسه طرح في أيلول خطة تضمنت نزع سلاح أجهزة السلطة واعتقال قيادات فيها وتشجيع ما وصفه بـ«الهجرة الطوعية» من الضفة الغربية وقطاع غزة.
لكن اختزال التصريحات في الدعاية الانتخابية وحدها يحتاج إلى الحذر. فالتصريحات تأتي بالتزامن مع نقاش إسرائيلي أوسع بشأن مستقبل الضفة، ومع استمرار الاستيطان وتغيير الوقائع الميدانية. وقد وثقت محكمة العدل الدولية أن الاستيطان والبنية المرتبطة به والسياسات الأخرى تؤدي إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وخلق آثار دائمة يصعب عكسها.
لماذا طولكرم؟
اختيار تخوم طولكرم ليس تفصيلاً جغرافياً عابراً. فالمحافظة تقع في الجزء الشمالي الغربي من الضفة، وتطل جغرافياً على منطقة الساحل الإسرائيلي، بينما تشكل مدن وقرى شمال الضفة حلقة اتصال بين نابلس وجنين وطوباس من جهة، ومنطقة الوسط والسهل الساحلي من جهة أخرى.
ولهذا فإن أي تغيير في وضع طولكرم ومحيطها لا ينعكس على المحافظة وحدها؛ بل يمكن أن تكون له آثار على التواصل الجغرافي لشمال الضفة مع وسطها، وعلى حركة السكان والاقتصاد والاتصال بين التجمعات الفلسطينية.
ومن هنا، فإن استخدام موقع طولكرم لتقديم تصور أمني يقوم على تفكيك السلطة يستحق قراءة أوسع: هل المقصود معالجة تهديد أمني محدد، أم أن الخطاب يأتي ضمن تصور سياسي أوسع لمستقبل الضفة؟
لا توجد، استناداً إلى التصريحات وحدها، قرينة كافية للقول إن هناك قراراً إسرائيلياً موحداً بتفكيك السلطة وإقامة كيان بديل. لكن تكرار الدعوات إلى إضعاف السلطة، بالتزامن مع الاستيطان ومصادرة الأراضي، يجعل السؤال السياسي مشروعاً ويستوجب المتابعة.
السلطة الفلسطينية ومسؤوليتها
وفي المقابل، فإن الدفاع عن بقاء المؤسسات الفلسطينية لا يعني إعفاء السلطة من مسؤولياتها. فالسلطة مطالبة بتجديد الشرعية السياسية عبر الانتخابات، وتعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وتوحيد المؤسسات، وضمان خضوع الأجهزة الأمنية للقانون، وإعادة بناء الثقة الشعبية.
كما أن معالجة مكامن الضعف الداخلي تصبح أكثر إلحاحاً عندما تواجه المؤسسة الفلسطينية دعوات خارجية لتفكيكها. فالمؤسسة القوية لا تحمي نفسها بالشعارات، وإنما بالشرعية والشفافية والكفاءة وسيادة القانون.
وهنا تتصل قضية السلطة مباشرة بمستقبل الدولة الفلسطينية. فإذا أُضعفت المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه استمر تغيير الجغرافيا بفعل الاستيطان والطرق والبؤر ومصادرة الأراضي، فإن المسألة لا تعود متعلقة بمستقبل السلطة وحدها، بل بالمقومات الإقليمية والسياسية لأي دولة فلسطينية قابلة للحياة.
أما الحديث عن احتمال قيام كيان تحت تسمية «يهودا والسامرة»، فينبغي أن يبقى في إطار التحليل والسيناريو الافتراضي، لا أن يقدم باعتباره قراراً إسرائيلياً قائماً ما لم تثبته قرارات رسمية واضحة.
الخلاصة
تصريحات بن غفير من تخوم طولكرم تستحق القراءة على مستويين: انتخابي وأمني من جهة، واستراتيجي يتعلق بمستقبل الضفة من جهة أخرى.
والاختبار الحقيقي ليس في التصريحات وحدها، وإنما في السياسات التي قد تترتب عليها. فإذا تحولت الدعوة إلى تفكيك السلطة إلى سياسة عملية، بالتوازي مع استمرار الاستيطان وتغيير الوقائع الجغرافية، فإن آثارها ستتجاوز السلطة إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وإمكان قيام الدولة.
أما الرد الفلسطيني الأكثر فاعلية، فلا يكون بالدفاع عن الوضع القائم كما هو، وإنما بإصلاح مؤسسات السلطة وتجديد شرعيتها وتوحيد النظام السياسي، مع مواصلة المسار القانوني والدبلوماسي الدولي.
فطولكرم ليست جزيرة منفصلة عن الضفة؛ ومصير شمال الضفة مرتبط بتواصلها الجغرافي مع وسطها وجنوبها. ومن ثم فإن أي سياسة تعيد رسم هذه الجغرافيا تستحق أن تُقرأ باعتبارها قضية تتعلق بمستقبل الضفة كلها، لا بمحافظة واحدة.
تصريحات بن غفير بين الحساب الانتخابي وإعادة تشكيل جغرافيا الضفة الغربية
المحامي علي أبو حبلة
لا يمكن قراءة تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير من تخوم طولكرم بمعزل عن موقعها الجغرافي والسياسي، ولا عن صفته الرسمية وتوقيت تصريحاته. فقد وقف بن غفير، صباح 7 تشرين الأول/أكتوبر، عند السياج قرب مفترق نيتساني عوز المحاذي لطولكرم، وربط موقعه بذكرى هجوم 7 أكتوبر، محذراً من تكرار سيناريو مماثل في وسط إسرائيل، وداعياً إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاح أجهزتها واعتقال أفرادها.
قانونياً، تظل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أرضاً فلسطينية محتلة وفق الإطار القانوني الدولي، ولا يغيّر ذلك اختلاف ترتيبات الإدارة أو السيطرة الأمنية التي نشأت في مراحل العملية السياسية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 أن سياسات الاستيطان والضم والإجراءات الرامية إلى إحداث تغييرات دائمة في الأرض المحتلة تمس حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
ومن هذه الزاوية، فإن الدعوة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ليست مجرد مسألة أمنية داخلية إسرائيلية؛ لأنها تتصل بمستقبل بنية مؤسساتية فلسطينية قائمة، وبالسؤال الأوسع المتعلق بمستقبل الضفة الغربية وإمكان قيام دولة فلسطينية.
أما سياسياً، فمن المشروع النظر إلى تصريحات بن غفير في ضوء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، ولا سيما أن الوزير نفسه طرح في أيلول خطة تضمنت نزع سلاح أجهزة السلطة واعتقال قيادات فيها وتشجيع ما وصفه بـ«الهجرة الطوعية» من الضفة الغربية وقطاع غزة.
لكن اختزال التصريحات في الدعاية الانتخابية وحدها يحتاج إلى الحذر. فالتصريحات تأتي بالتزامن مع نقاش إسرائيلي أوسع بشأن مستقبل الضفة، ومع استمرار الاستيطان وتغيير الوقائع الميدانية. وقد وثقت محكمة العدل الدولية أن الاستيطان والبنية المرتبطة به والسياسات الأخرى تؤدي إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وخلق آثار دائمة يصعب عكسها.
لماذا طولكرم؟
اختيار تخوم طولكرم ليس تفصيلاً جغرافياً عابراً. فالمحافظة تقع في الجزء الشمالي الغربي من الضفة، وتطل جغرافياً على منطقة الساحل الإسرائيلي، بينما تشكل مدن وقرى شمال الضفة حلقة اتصال بين نابلس وجنين وطوباس من جهة، ومنطقة الوسط والسهل الساحلي من جهة أخرى.
ولهذا فإن أي تغيير في وضع طولكرم ومحيطها لا ينعكس على المحافظة وحدها؛ بل يمكن أن تكون له آثار على التواصل الجغرافي لشمال الضفة مع وسطها، وعلى حركة السكان والاقتصاد والاتصال بين التجمعات الفلسطينية.
ومن هنا، فإن استخدام موقع طولكرم لتقديم تصور أمني يقوم على تفكيك السلطة يستحق قراءة أوسع: هل المقصود معالجة تهديد أمني محدد، أم أن الخطاب يأتي ضمن تصور سياسي أوسع لمستقبل الضفة؟
لا توجد، استناداً إلى التصريحات وحدها، قرينة كافية للقول إن هناك قراراً إسرائيلياً موحداً بتفكيك السلطة وإقامة كيان بديل. لكن تكرار الدعوات إلى إضعاف السلطة، بالتزامن مع الاستيطان ومصادرة الأراضي، يجعل السؤال السياسي مشروعاً ويستوجب المتابعة.
السلطة الفلسطينية ومسؤوليتها
وفي المقابل، فإن الدفاع عن بقاء المؤسسات الفلسطينية لا يعني إعفاء السلطة من مسؤولياتها. فالسلطة مطالبة بتجديد الشرعية السياسية عبر الانتخابات، وتعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وتوحيد المؤسسات، وضمان خضوع الأجهزة الأمنية للقانون، وإعادة بناء الثقة الشعبية.
كما أن معالجة مكامن الضعف الداخلي تصبح أكثر إلحاحاً عندما تواجه المؤسسة الفلسطينية دعوات خارجية لتفكيكها. فالمؤسسة القوية لا تحمي نفسها بالشعارات، وإنما بالشرعية والشفافية والكفاءة وسيادة القانون.
وهنا تتصل قضية السلطة مباشرة بمستقبل الدولة الفلسطينية. فإذا أُضعفت المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه استمر تغيير الجغرافيا بفعل الاستيطان والطرق والبؤر ومصادرة الأراضي، فإن المسألة لا تعود متعلقة بمستقبل السلطة وحدها، بل بالمقومات الإقليمية والسياسية لأي دولة فلسطينية قابلة للحياة.
أما الحديث عن احتمال قيام كيان تحت تسمية «يهودا والسامرة»، فينبغي أن يبقى في إطار التحليل والسيناريو الافتراضي، لا أن يقدم باعتباره قراراً إسرائيلياً قائماً ما لم تثبته قرارات رسمية واضحة.
الخلاصة
تصريحات بن غفير من تخوم طولكرم تستحق القراءة على مستويين: انتخابي وأمني من جهة، واستراتيجي يتعلق بمستقبل الضفة من جهة أخرى.
والاختبار الحقيقي ليس في التصريحات وحدها، وإنما في السياسات التي قد تترتب عليها. فإذا تحولت الدعوة إلى تفكيك السلطة إلى سياسة عملية، بالتوازي مع استمرار الاستيطان وتغيير الوقائع الجغرافية، فإن آثارها ستتجاوز السلطة إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وإمكان قيام الدولة.
أما الرد الفلسطيني الأكثر فاعلية، فلا يكون بالدفاع عن الوضع القائم كما هو، وإنما بإصلاح مؤسسات السلطة وتجديد شرعيتها وتوحيد النظام السياسي، مع مواصلة المسار القانوني والدبلوماسي الدولي.
فطولكرم ليست جزيرة منفصلة عن الضفة؛ ومصير شمال الضفة مرتبط بتواصلها الجغرافي مع وسطها وجنوبها. ومن ثم فإن أي سياسة تعيد رسم هذه الجغرافيا تستحق أن تُقرأ باعتبارها قضية تتعلق بمستقبل الضفة كلها، لا بمحافظة واحدة.