هدى حجاجي - حين يصبح الغياب مكانًا للحنين قراءة نقدية في نص الشاعر حلمي أو حجاب

في نص «ظلالٌ على شفة السديم» للشاعر حلمي أبو حجاب، لا يقف الحنين عند حدود الشعور الداخلي، بل يتحول إلى كائن حيّ يتحرك داخل المكان، ويعيد تشكيل الأشياء من حول الذات. منذ المطلع: «يطلع الشوق من جسد الملح»، نحن أمام لغة لا تصف الحنين وصفًا مباشرًا، وإنما تمنحه جسدًا وملامح وحركة، فينهض جرحًا ويمشي في طرقات الغياب.



أبرز ما يلفت في النص هو قدرته على تحويل المكان إلى مرآة للروح. الغرفة ليست غرفة صامتة، والشوارع ليست مجرد شوارع، والمرايا لا تعكس الوجوه فقط؛ فكل شيء يشارك الذات عزلتها. «يبكي الخشب»، و**«تختنق المزهرية»، و«تستغيث الرخام»**؛ وهي تشخيصات تجعل الجماد حاملًا للوجع الإنساني، حتى يبدو أن العالم كله قد دخل في حالة حداد واحدة.

وتتأسس القصيدة على حقل دلالي واسع من مفردات الغياب: الليل، العتمة، الصمت، المطر، الاحتضار، الآهات، الحزن، والحنين. لكنها لا تقدم هذه المفردات بصورة تقريرية، بل تذيبها في صور مركبة، مثل «تتساقط أوراق البداية في جسد الليل»؛ فالبداية هنا لا تنتهي فقط، بل تسقط داخل الليل، وكأن الزمن نفسه فقد قدرته على استعادة ما مضى.

أما حضور المحبوبة، فهو حضور غائب؛ لا تظهر بصورة مباشرة، وإنما تأتي من خلال آثارها: «أنفاسك الوردية»، والعطر، والنافذة، والمرآة التي تبحث عن «وجهك المستحيل». وهذا التعبير تحديدًا يلخص طبيعة العلاقة في النص: المحبوبة ليست بعيدة فحسب، بل أصبحت مستحيلة، ولذلك تتحول محاولات العثور عليها إلى رحلة داخل الذاكرة لا داخل الواقع.

ومن أجمل الصور قوله: «تعصر العطر في شفتي، ثم تغرق في شهقة الاحتضار»؛ إذ يجمع الشاعر بين الرائحة واللمس والموت في صورة واحدة، فيصبح العطر أثرًا للحياة، بينما تتحول الشهقة إلى إعلان عن نهايتها. وهذه المفارقة تتكرر في النص كله: الحياة والموت، الحضور والغياب، المطر والاحتراق، القبلة والاحتضار.

والزمن في القصيدة ليس زمنًا عابرًا، بل زمنٌ مثقل بالانتظار. لذلك يقول الشاعر: «يراق هنا زمن كالرَّهين»، وكأن الزمن نفسه أسير في المكان، عاجز عن التقدم أو العودة. ومن هنا يصبح طلبه: «أعد لي صبابات أيامي الخالية» محاولة مستحيلة لاسترداد زمن لا يمكن استعادته، لكنه يظل حيًا في الذاكرة.

وتأتي الخاتمة لتكثف التجربة كلها: «ويبقى الحنين... شرارة شوق تهيم بعين الأبد». فالحنين الذي بدأ من «جسد الملح» ينتهي شرارةً في «عين الأبد»، أي أنه ينتقل من تجربة شخصية محدودة إلى حالة إنسانية مفتوحة على الزمن. وهنا تكمن قوة النص؛ فالغياب لا يقتل الحب، وإنما يمنحه شكلًا آخر من البقاء.

إن «ظلالٌ على شفة السديم» نص يقوم على شعرية الصورة أكثر مما يقوم على الحكاية، ويمنح اللغة وظيفة تتجاوز التعبير إلى خلق عالم موازٍ، تتحول فيه الأشياء إلى كائنات، والمكان إلى ذاكرة، والمطر إلى شاهد، والحنين إلى كائن لا يعرف النهاية.

إنها قصيدة عن الغياب، لكنها في عمقها قصيدة عن الأثر؛ فبعض الذين يغادرون لا يتركون فراغًا خلفهم، بل يتركون عالمًا كاملًا يسكننا، وكلما حاولنا إغلاق أبواب الذاكرة، تسللت منه رائحة قديمة، أو صورة، أو قطرة مطر، لتقول لنا إن بعض الغياب لا يغيب.







النص

ظِلاَلٌ عَلَى شَفَةِ السَّدِيمِ

يَطْلُعُ الشَّوْقُ مِنْ جَسَدِ المِلْحِ،
يَنْهَضُ جُرْحًا،
وَيَمْشِي عَلَى طُرُقَاتِ الغِيَابْ...
تَتَمَطَّى الأَرَائِكُ فِي الغُرْفَةِ المُطْفَأَةْ،
تَحْتَنِقُ المَزْهَرِيَّاتُ بالظَّلْمَاءِ،
يَبْكِي الخَشَبْ!
وَالشَّوَارِعُ تَشْرَبُ مَاءَ الشِّتَاءِ المُتَصِلِ،
تَأْكُلُ رُوحِي،
وَتَبْصُقُ هَذَا التَّعَبْ!

تَتَسَاقَطُ أَوْرَاقُ البِدايةَ
فِي جَسَدِ الليلِ،
تَلْتَاثُ بالصَّمْتِ كُلُّ الشِّفَاهْ.
وَالمَرَايَا تُسَافِرُ فِي العَتَمَاتِ،
تُفَتِّشُ عَنْ وَجْهِكِ المُسْتَحِيلِ،
تَخُورُ،
تُمَزِّقُ أَعْطَافَهَا فَوْقَ صَدْرِ الجِدَارْ!
تَتَسَلَّقُ أَنْفَاسُكِ الوَرْدِيَّةُ
نَافِذَتِي،
تَعْصِرُ العِطْرَ فِي شَفَتِي،
ثُمَّ تَغْرَقُ فِي شَهْقَةِ الٱحْتِضَارْ!

يُرَاقُ هُنَا زَمَنٌ كَالرَّهِينْ،
تَقْطُرُ الآَ هَاتُ فِي شَعَرِي،
يَسْتَغِيثُ الرُّخَامُ،
يُنَادِي المَطَرُ:
"أَعِدْ لِي صَبَابَاتِ أَيَّامِيَ الخَالِيَةْ!"
فَيَسْقُطُ حُزْنِي عَلَى الخَارِطَةْ،
يُشْعِلُ القُبُلاَتِ العَمِيقَةَ فِي شَفَةِ السَّحَابْ،
وَيَبْقَى الحَنِينُ...
شَرَارَةَ شَوْقٍ
تَهيمُ بِعَيْنِ الأَبَدْ!

بقلمي: حلمي ابو حجاب
Helmy Abohegab

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...