مصطفى الصميدي - الصوت الذي يحبونه

"هذا هو الصوت الذي أحبه أكثر"، قالها بن غفير وهو يشرف على هدم منزل فلسطيني في الضفة الغربية. لم يكن بطبيعته النرجسية يحتفي بضجيج الجرافة بقدر ما كان يكشف عن عقلية سياسية متطرفة ترى في خراب الآخر انتصاراً صنعه هو ومن على شاكلته بهذه الطريقة المقيتة. فهدم البيت الذي يعني لصاحبه ذاكرةً وأماناً وانتماء قد يصبح عند صاحب المشروع التوسعي خطوة إلى الأمام. إنها صورة مكثفة لسياسة تعسفية يغدو فيها الألم وسيلة للاحتفال، وصوت الخراب نغماً يطرب الأذهان.

ولا تتوقف هذه الفكرة عند حدود فلسطين، فالتاريخ السياسي للحروب يخبرنا أن هناك دائماً من لا يرى في النار إلا فرصة، ولا يسمع في صرخات الضحايا إلا إيقاعاً مطرباً يخدم حساباته ومصالحه. ومن هنا، لا تبدو المسافة بين مشهد الجرافة في الضفة ومشهد الحرب الذي فرض على اليمن شاسعة كما قد تبدو للوهلة الأولى. فهناك أرض تدفع ثمن صراع يتجاوز سكانها، وهناك مرتزقة تحمل السلاح ضد وطنها، وهناك قوى مارقة تدعمها باسم التحرير وإعادة الشرعية، وهناك قوى تجد في استمرار الحرب مصلحة كبرى فتدعم وتراقب من وراء البحار وتقول في سريرتها هذا هو الصوت الذي أريده أن يستمر.

فعندما تُفرض الحرب وتُستنزف الأطراف، تنتج مستفيدين مجرمين لا يعيشون نتائجها، لكنهم ينظرون إلى هدير المدافع من بعيد بالمنطق نفسه: صوت مؤلم لأصحاب الأرض لكنه مفيد للحسابات اللوبية. وهكذا تلتقي فلسطين واليمن في سؤال الإنسان عندما يصبح هامشاً في حسابات القوة والنفوذ. ففي الضفة، صوت الجرافة يعلن اجتثاث بيت، وفي اليمن صوت المدفع والمقاتلة يعلن جولة جديدة من الاستنزاف. والذين يراقبون من بعيد يستطيعون أن يتحدثوا عن النفوذ والممرات والمصالح والتوازنات ويحيلوا الحرب إلى غاية تخدم مصالحهم في إبقاء الخصم ضعيفاً ومشغولاً ومستنزفاً، بينما هم يهندسون لمشاريع توسعية ولا أكثر من ذلك. وهذا ما يُراد للشرق الأوسط أن يظل في حالة حروب دائمة من أجل تحقيق غاية أمريكية صهيونية يعرفها الجميع.

لهذا فإن أخطر ما في عبارة بن غفير ليس كلمة "أحب" وحدها، بل الفكرة التي تختبئ خلفها: أن يتحول خراب الإنسان إلى مكسب سياسي، وأن يصبح استمرار الحرب مرغوباً ما دام يؤدي وظيفة في مشروع القوة. فالجرافة لا تعرف السياسة، والمدفع لا يعرف الخرائط؛ كلاهما يصنع الركام. لكن الفارق بين الضحية والمستفيد أن الأول يعيش تحت صوت الهدم والانفجار، بينما يستطيع الثاني أن يقف بعيداً ويقول: هذا هو الصوت الذي أحبه أكثر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...