علي سيف الرعيني -| الكاتب : وساعات الليل !!

نوع من الحزن مختلف قليلا
يجلس صاحبه بهدوء يجيب حين يُسأل يبتسم في الوقت المناسب ويمضي بين الناس كأن شيئًا لم يتغير لكن شيئًا في داخله لم يعد كما كان شيء صغير انطفأ دون ضجيج ولم ينتبه أحد إلى غيابه
هكذا يعيش الكاتب بعض أيامه
ليس منكسرًا بالمعنى الذي يتخيله الآخرون ولا غارقًا في البكاء إنه فقط متعب من الداخل كمن حمل طويلًا أشياء لا يستطيع شرحها ثم اكتشف أن شرحها لن يعيد شيئًا
في آخر الليل حين يقل الكلام ويصبح للساعة صوتها الخاص يجلس أمام مكتبه يفتح ملفًا جديدًا أو يقلب صفحات قديمة ثم يظل طويلًا دون أن يكتب
الغريب أن الكاتب الذي يجد الكلمات للآخرين قد يعجز أحيانًا عن العثور على جملة واحدة تصف ما يحدث داخله
يمد يده إلى القلم ثم يتراجع
ماذا سيكتب عن شخص غاب لقد غاب وانتهى الأمر عن وعد لم يتحقق
الوعود التي لا تُنفّذ لا تحتاج إلى مرثية
عن خذلان جاء من المكان الذي كان يظنه أكثر أمانًا
ربما
لكن المشكلة أن بعض الأشياء حين تؤلمنا بشدة تصبح عصية على اللغة لا نستطيع أن نقولها كما نشعر بها لأن الكلمات تبدو أصغر من الوجع
لذلك يظل صامتًاثم بلا سبب واضح تعود إليه ذكرى قديمة ليست الذكرى المهمةبالضرورة أحيانًا تكون تفصيلة سخيفة جدًا رسالة احتفظ بها مقعد جلس عليه ذات مساء أغنية لم يعد يستطيع سماعها أوجملة عادية قالها شخص ما ولم يعرف وقتها أنها ستظل عالقة في رأسه كل هذه السنوات وهنا يفهم شيئًا مؤلمًا
نحن لا نشتاق دائمًا إلى الأشخاص بل إلى النسخة التي كنا عليها ونحن معهم
نشتاق إلى أنفسنا قبل أن نعرف بعض الحقائق
قبل أن نفهم أن القرب لايعني الوفاء وأن كثرة الكلام تعني صدق المشاعر وأن الإنسان قد يمنحك من الطمأنينة ما يكفي لتفتح له قلبك ثم يغادر دون أن يشعر بحجم الفوضى التي تركها خلفه
لهذا يبدو الخذلان أحيانًا أشد قسوة من الفقد
الفقد يقول لك إن شيئًا انتهى
أما الخذلان فيجعلك تعيد تفسير الماضي كله
تتساءل عن مواقف كنت تراها جميلة ثم تعود إليها بعين مختلفة هل كانت حقيقية هل كنت وحدي الذي منحها ذلك المعنى هل كنت أقرأ في تصرفات الآخرين ما كنت أتمنى أن أجده وفيها
هذه الأسئلة لا تترك الإنسان بسهولة
والكاتب بطبيعته يبالغ في ملاحقة التفاصيل لا يستطيع أن يمر على الأشياء مرورا مثل مرور الاخرين يفتش في نبرة الصوت في الصمت الذي جاء بعد جملة في التأخر عن الرد وفي التغير البسيط الذي لم يلاحظه أحد ربما لهذا يتعب أكثر
إنه لا يعيش الموقف مرة واحدة يعيش تفاصيله مرات عديدة وفي كل مرة يحاول أن يكتشف أين بدأ كل شيء في الانهيار
ومع ذلك لا يكتب يمر الليل
تتغير الإضاءة على شاشة الحاسوب ويظل السطر الأول فارغا
ثم يكتب أخيرًا جملة واحدة
(لم أعد غاضبا وهذا أكثر ما يحزنني) يتوقف
يقرأها مرة أخرى يشعر أنها صادقة
فالغضب يحتاج إلى شيء من التعلق أما اللامبالاة التي تأتي بعد خيبة طويلة فهي أشبه بالتعب الأخير حين يتوقف الإنسان عن انتظار الاعتذار وعن مراجعة هاتفه وعن تخيل ما كان يمكن أن يحدث لو اختار الآخرون البقاء
في تلك اللحظة لا يكون قد سامح بالضرورة ولا نسي
هو فقط أدرك أن بعض الأسئلة لا تستحق أن يقضي بقية عمره في انتظار إجاباتها
يغلق الصفحة لكن قبل أن يطفئ الحاسوب ينظر إلى ما كتبه ويكتشف أن النص لم يكن عن الذين خذلوه كما ظن كان عنه هو
عن سنوات حاول فيها أن يكون مفهومًا للجميع بينما لم يمنح نفسه فرصة واحدة ليقول لقد تعبت
عن قلب ظل يبرر للآخرين حتى عندما كان يحتاج إلى من يبرر له هو
عن كاتب اعتاد أن يحول وجعه إلى نصوص جميلة حتى نسي أن الجرح ليس مطالبًا بأن يكون جميلًا كي يكون حقيقيًا
وهنا ربما يبدأ التعافي الحقيقي ليس حين تختفي الذكريات ولا حين يصبح الماضي بلا أثر بل حين يتوقف الإنسان عن مطالبة الماضي بأن يمنحه شيئًا لم يمنحه إياه يتركه في مكانه
لا يمزقه ولا يقدسه فقط يتركه هناك
ثم ينهض من أمام مكتبه ويذهب إلى نافذة الغرفة
لا يرى شيئًا استثنائيًا في الخارج شارع هادئ أضواء بعيدة ومدينة تواصل حياتها دون أن تعرف شيئًا عن معركته الصغيرة
وهذا يريحه بطريقة غريبة
فالعالم لم يتوقف بسبب حزنه وهذه للمرة الأولى ليست فكرة قاسية
فرصة لأن يبدأ حياته دون أن ينتظر من أحد أن يعيد إليه ما أخذه
يعود إلى مكتبه ويكتب آخر سطر
بعض الخيبات لا تُشفى نتعلم فقط أن نعيش دون أن نضع أيدينا عليها كل يوم ثم يترك القلم
هذه المرة لا ينتظر جملة أجمل
يكفيه أنه قال الحقيقة!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...