منذ أن تراجعت سلطة المؤلف بوصفه المرجع الوحيد لمعنى النص، أصبح السؤال النقدي أكثر تعقيدا: من يصنع الدلالة، المؤلف أم النص أم القارئ؟ وقد قدمت النظريات النقدية الحديثة إجابات مختلفة عن هذا السؤال، أعادت من خلالها النظر في العلاقة بين أطراف العملية الأدبية. وفي هذا السياق تبرز رؤيتا فولفغانغ آيزر وعبد الله الغذامي؛ فبينما جعل آيزر فعل القراءة والتفاعل بين النص والقارئ أساسا لتحقق العمل الأدبي، انشغل الغذامي باستقلال النص عن سلطة مؤلفه، قبل أن يوسع مشروعه باتجاه الكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة. وبين الرؤيتين تتشكل مساحة نقدية تكشف كيف انتقلت دراسة الأدب من البحث عن مقاصد الكاتب إلى مساءلة النص وآليات إنتاج المعنى.
مفهوم إقصاء المؤلف عند فولفغانغ آيزر
يمثل فولفغانغ آيزر أحد أبرز أعلام نظرية التلقي التي أعادت تشكيل العلاقة بين النص والقارئ في النقد الأدبي المعاصر، وقد انطلق مشروعه من مراجعة التصورات التقليدية التي كانت تجعل المؤلف المرجع النهائي لإنتاج المعنى مؤكدا ان النص الأدبي لا يكتمل بمجرد كتابته، وإنما يتحقق وجوده الجمالي من خلال فعل القراءة، ومن هنا لم يعد المؤلف يحتكر تفسير النص بل أصبح عنصرا من عناصر العملية الإبداعية التي لا تكتمل إلا بمشاركة القارئ، ولا يعني هذا التحول إقصاء المؤلف بوصفه منشئا للنص وإنما يعني الحد من سلطته بوصفه المفسر الوحيد لمعناه، فالنص في نظر آيزر لا يحمل دلالة جاهزة يمكن للقارئ استخراجها كما لا يسمح للقارئ بفرض معانٍ اعتباطية عليه، وإنما يقدم بنية مفتوحة تستدعي مشاركة المتلقي في استكمالها ومن ثم فإن المعنى لا يسبق القراءة بل يتولد أثناء التفاعل بين القارئ والنص،
ويرى آيزر أن النص الأدبي يتضمن عددا من الفراغات (Blanks أو Leerstellen) التي يتركها المؤلف عمدا أو تفرضها طبيعة البناء الفني، وهذه الفراغات ليست نقصا في النص وإنما تمثل عنصرا جمالياً يدفع القارئ إلى المشاركة في بناء الدلالة وربط أجزاء الخطاب واستكمال ما لم يُصرح به، وبهذا تصبح القراءة عملية إبداعية لا تقل أهمية عن عملية الكتابة، لأن القارئ يسهم في تشكيل المعنى من خلال ملء هذه الفراغات اعتمادا على خبرته وثقافته وأفقه المعرفي، و دعوة آيزر هذه تلتقي بدعوة جاك دريدا في ان النص يحتوي على ثغرات، و يجب الدخول الى النص من خلال هذه الثغرات، والتي لا تشكل عيبا في النص، بل وسيلة الى الولوج الى عوالم النص المخفية، و هنا يتقاطع كل من آيزر و دريدا.
ويعد مفهوم القارئ الضمني (Implied Reader) من أهم المفاهيم التي أسس لها آيزر، القارئ الضمني ليس شخصا حقيقيا وإنما هو نموذج افتراضي يبنيه النص في داخله ويحدد له مسارات القراءة الممكنة، فالنص لا يخاطب قارئا مطلق الحرية بل يفترض قارئا قادرا على التقاط إشاراته وفهم بنيته والتفاعل مع أنظمته الدلالية، ومن هنا فإن القراءة ليست فعلا ذاتيا خالصا بل هي استجابة لما يقترحه النص من إمكانات.
وانطلاقا من هذا التصور تتراجع أهمية البحث عن نية المؤلف، لأن النص لا يُختزل في مقاصد كاتبه بل يمتلك قدرة على إنتاج معانٍ جديدة مع كل قراءة، فالمؤلف يضع البنية الأولية للعمل غير أن هذه البنية لا تتحول إلى تجربة جمالية إلا عندما يتفاعل معها القارئ، ولهذا فإن النص الأدبي يعيش في منطقة وسطى بين الكتابة والقراءة حيث يتشكل المعنى باستمرار من خلال الحوار بين الطرفين، ويؤكد آيزر أن العمل الأدبي لا يوجد في صورته النهائية داخل النص وحده ولا في ذهن القارئ وحده وإنما يتكون من قطبين:
القطب الفني ويتمثل في النص الذي ينتجه المؤلف، والقطب الجمالي ويتمثل في فعل التلقي الذي يقوم به القارئ ومن خلال التفاعل بين هذين القطبين المتكاملين يولد العمل الأدبي بوصفه تجربة متجددة تختلف باختلاف القراء واختلاف الأزمنة واختلاف السياقات الثقافية، ومن هنا فإن مفهوم إقصاء المؤلف عند آيزر لا يقوم على إلغاء حضور الكاتب، كما لا يمنح القارئ سلطة مطلقة في إنتاج الدلالة، بل يسعى إلى إعادة توزيع أدوار العملية الأدبية، فالمؤلف يبدع النص والنص يوجه القراءة والقارئ يحقق العمل الأدبي من خلال تفاعله مع بنيته، ولذلك فإن المعنى لا يكون معطى سابقا ولا حقيقة نهائية وإنما هو حدث تأويلي يتولد في أثناء القراءة، ويبتعد هذا التصور قليلا عن أطروحة رولان بارت التي أعلنت موت المؤلف، وعن فلسفة جاك دريدا التي قامت على تفكيك مركزية المعنى والبحث في الاختلاف والأثر، إذ يظل آيزر مرتبطا بفلسفة التلقي أكثر من ارتباطه بفلسفة التفكيك، فهو لا ينكر دور المؤلف ولا يرفض وجود بنية للنص، وإنما يؤكد أن النص لا يحقق وجوده إلا عندما يلتقي بقارئ قادر على استثمار إمكاناته التأويلية، وعليه فإن إسهام آيزر يتمثل في نقل مركز الاهتمام من البحث عن قصد المؤلف إلى دراسة العلاقة التفاعلية بين النص والقارئ وبهذا أصبح العمل الأدبي عملية دينامية تتجدد مع كل قراءة ولم يعد المؤلف المرجع الأوحد للمعنى بل غدا أحد أطراف منظومة تأويلية يتشارك فيها النص والقارئ في إنتاج الدلالة ضمن حدود البنية النصية وإمكانياتها الجمالية، و يمكننا الوقوف على أهم آراء آيزر حول تراجع دور المؤلف، بمعنى إن حضور المؤلف يتراجع بوصفه المرجع النهائي للمعنى لكنه لا يُلغى:
1 المعنى لا ينتجه المؤلف وحده
2 مفهوم القارئ الضمني
3 مفهوم الفراغات النصية
4 القراءة فعل إنتاج
5- العمل الأدبي يتكون من قطبين، الفني يخلقه المؤلف والجمالي يخلقه القارئ
الغذامي وتراجع سلطة المؤلف الى سلطة النص
ما يميز رؤية الغذامي عن بارت و جاك دريدا هو عدم تسليمه بموت المؤلف بل بتراجع سلطته لصالح سلطة النص، و الذي قاده لاحقا الى تحليل النسق الذي تجاوز النص و المؤلف معا، و هذا التدرج عكس بتطور مشروعه النقدي و ابتعد قليلا عن أطروحات بارت و دريدا، يمثل مفهوم تراجع سلطة المؤلف إلى سلطة النص أحد المرتكزات الأساسية في المشروع النقدي لعبد الله الغذامي في مرحلته البنيوية كما تجلى في كتابه الخطيئة و التكفير من البنيوية الى التشريحية، و لم يكن هذا التحول دعوة الى إلغاء المؤلف أو إنكار دوره في العملية الإبداعية وإنما كان إعادة نظر في المرجعية التي ينبغي أن ينطلق منها النقد الأدبي، فالغاية لم تعد البحث عن مقاصد الكاتب أو ظروف إنتاج النص وإنما الكشف عن البنية النصية بوصفها المجال الذي تتولد فيه الدلالات، وينطلق الغذامي من نقد المناهج التقليدية التي ربطت العمل الأدبي بسيرة صاحبه وجعلت النص انعكاسا مباشرا لحياة المؤلف أو نفسيته أو بيئته، ووفق هذا المنظور أصبح النص تابعا للمؤلف وأصبحت القراءة محاولة لاستعادة قصده أكثر من كونها تحليلا للعمل الأدبي نفسه.
يرى الغذامي أن هذا المنهج يختزل النص في مرجعية خارجية ويحد من إمكاناته الجمالية والدلالية لأن النص يمتلك منطقا داخليا لا يمكن اختزاله في وعي منشئه، ومن هنا يدعو الغذامي إلى نقل مركز الاهتمام من المؤلف إلى النص بحيث تصبح البنية اللغوية هي نقطة الانطلاق في القراءة، فالنص بعد اكتمال كتابته يغادر سلطة صاحبه ويدخل في فضاء اللغة حيث يخضع لقوانينها وعلاقاتها الداخلية ويصبح قادرًا على إنتاج معانٍ قد لا تكون مطابقة لما قصده المؤلف، وهذا لا يعني أن المؤلف يفقد قيمته التاريخية أو الإبداعية وإنما يعني أن سلطته في توجيه التأويل لم تعد سلطة مطلقة، وتتجلى سلطة النص في تصور الغذامي في استقلال بنيته الداخلية، إذ إن العلاقات التي تربط بين ألفاظه وصوره ورموزه وإيقاعاته هي التي تمنح العمل الأدبي هويته وهي التي تتيح للناقد الكشف عن دلالاته.
ينبغي أن تنطلق القراءة من النص ذاته وأن تفسر عناصره في ضوء ترابطها الداخلي لا في ضوء ما يقوله المؤلف عن عمله أو ما ترويه المصادر التاريخية عنه، ويتقاطع هذا التصور مع البنيوية التي جعلت النص نظاما من العلامات، كما يلتقي مع التفكيكية التي زعزعت فكرة المعنى النهائي، غير ان الغذامي لم يتوقف عند حدود التحليل البنيوي أو التفكيكي بل وسّع مجال القراءة ليشمل البعد الثقافي الكامن في النص، فالنص في نظره لا ينتج جمالياته اللغوية فحسب وإنما يحمل أيضا أنساقا ثقافية مضمرة قد تعمل بصورة لا واعية وقد تكشف عن أنظمة فكرية واجتماعية تتجاوز وعي المؤلف نفسه، ولهذا فإن تراجع سلطة المؤلف لا يعني انتقال السلطة كاملة إلى القارئ كما قد يُفهم من بعض القراءات، وإنما يعني أن المرجع الأول في العملية النقدية هو النص بما يتيحه من إمكانات دلالية، فالقارئ لا يملك حرية مطلقة في فرض المعاني وإنما يتحرك داخل الحدود التي ترسمها البنية النصية ويستند في تأويله إلى العلاقات اللغوية والرمزية التي يتضمنها الخطاب، وتتضح هذه الرؤية بصورة أكبر في مشروع الغذامي اللاحق في النقد الثقافي، حيث لم يعد النص يُقرأ بوصفه بنية لغوية فحسب بل بوصفه خطابا يكشف عن أنساق ثقافية خفية، وهنا تتراجع سلطة المؤلف مرة أخرى ليس لصالح القارئ وحده بل لصالح تحليل البنى الثقافية التي يعمل النص على إعادة إنتاجها، فالسؤال النقدي لم يعد ماذا أراد المؤلف أن يقول؟ بل ما الذي يكشفه النص عن الثقافة التي انتجته وما الأنساق التي يكتنزها، سواء أدركها المؤلف ام لم يدركها؟
مفهوم تراجع سلطة المؤلف عند عبد الله الغذامي ينبغي أن يُفهم بوصفه تحولاً في منهج القراءة، لا حكما على قيمة المؤلف، فالمؤلف يبقى صاحب المبادرة في إنتاج النص، غير أن النص بعد ميلاده يكتسب استقلاليته بوصفه خطابا لغويا وثقافيا، وتصبح مهمّة النقد الكشف عن آلياته الداخلية وأنساقه المضمرة، لا الاكتفاء باستعادة نية صاحبه، وعليه فإن قراءة مشروع الغذامي تكشف أن انتقال السلطة من المؤلف إلى النص لم يكن غاية في ذاته بل كان خطوة منهجية لتحرير القراءة من هيمنة المرجعيات الخارجية وتوجيهها نحو تحليل الخطاب في بنيته اللغوية والثقافية، ومن خلال هذا التحول أسهم الغذامي في ترسيخ وعي نقدي جديد يجعل النص مركز العملية التأويلية ويمنح الناقد أدوات للكشف عن المعاني الظاهرة والأنساق المضمرة دون الوقوع في أسر قصد المؤلف أو سلطته التفسيرية.
خلاصة:
شكّل تراجع سلطة المؤلف تحولا أساسيا في النظر إلى النص الأدبي؛ فلم يعد قصد الكاتب المرجع الوحيد لتحديد المعنى، بل أصبح النص فضاء تتفاعل داخله اللغة والقراءة والتأويل. وفي هذا السياق، يقدم فولفغانغ آيزر وعبد الله الغذامي تصورين متقاطعين من دون أن يكونا متطابقين؛ فآيزر يجعل المعنى ثمرة التفاعل بين بنية النص وفاعلية القارئ، فيما ينقل الغذامي مركز الاهتمام من المؤلف إلى النص واستقلال بنيته، قبل أن يوسع مشروعه لاحقا نحو الكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة. وبذلك لا يعني تراجع المؤلف إلغاءه، ولا يمنح القارئ حرية مطلقة في التأويل، وإنما يعيد توزيع الأدوار بين المؤلف والنص والقارئ، لتصبح الدلالة عملية متجددة تتشكل عبر القراءة ولا تستقر عند معنى نهائي واحد.
رسول عدنان
مفهوم إقصاء المؤلف عند فولفغانغ آيزر
يمثل فولفغانغ آيزر أحد أبرز أعلام نظرية التلقي التي أعادت تشكيل العلاقة بين النص والقارئ في النقد الأدبي المعاصر، وقد انطلق مشروعه من مراجعة التصورات التقليدية التي كانت تجعل المؤلف المرجع النهائي لإنتاج المعنى مؤكدا ان النص الأدبي لا يكتمل بمجرد كتابته، وإنما يتحقق وجوده الجمالي من خلال فعل القراءة، ومن هنا لم يعد المؤلف يحتكر تفسير النص بل أصبح عنصرا من عناصر العملية الإبداعية التي لا تكتمل إلا بمشاركة القارئ، ولا يعني هذا التحول إقصاء المؤلف بوصفه منشئا للنص وإنما يعني الحد من سلطته بوصفه المفسر الوحيد لمعناه، فالنص في نظر آيزر لا يحمل دلالة جاهزة يمكن للقارئ استخراجها كما لا يسمح للقارئ بفرض معانٍ اعتباطية عليه، وإنما يقدم بنية مفتوحة تستدعي مشاركة المتلقي في استكمالها ومن ثم فإن المعنى لا يسبق القراءة بل يتولد أثناء التفاعل بين القارئ والنص،
ويرى آيزر أن النص الأدبي يتضمن عددا من الفراغات (Blanks أو Leerstellen) التي يتركها المؤلف عمدا أو تفرضها طبيعة البناء الفني، وهذه الفراغات ليست نقصا في النص وإنما تمثل عنصرا جمالياً يدفع القارئ إلى المشاركة في بناء الدلالة وربط أجزاء الخطاب واستكمال ما لم يُصرح به، وبهذا تصبح القراءة عملية إبداعية لا تقل أهمية عن عملية الكتابة، لأن القارئ يسهم في تشكيل المعنى من خلال ملء هذه الفراغات اعتمادا على خبرته وثقافته وأفقه المعرفي، و دعوة آيزر هذه تلتقي بدعوة جاك دريدا في ان النص يحتوي على ثغرات، و يجب الدخول الى النص من خلال هذه الثغرات، والتي لا تشكل عيبا في النص، بل وسيلة الى الولوج الى عوالم النص المخفية، و هنا يتقاطع كل من آيزر و دريدا.
ويعد مفهوم القارئ الضمني (Implied Reader) من أهم المفاهيم التي أسس لها آيزر، القارئ الضمني ليس شخصا حقيقيا وإنما هو نموذج افتراضي يبنيه النص في داخله ويحدد له مسارات القراءة الممكنة، فالنص لا يخاطب قارئا مطلق الحرية بل يفترض قارئا قادرا على التقاط إشاراته وفهم بنيته والتفاعل مع أنظمته الدلالية، ومن هنا فإن القراءة ليست فعلا ذاتيا خالصا بل هي استجابة لما يقترحه النص من إمكانات.
وانطلاقا من هذا التصور تتراجع أهمية البحث عن نية المؤلف، لأن النص لا يُختزل في مقاصد كاتبه بل يمتلك قدرة على إنتاج معانٍ جديدة مع كل قراءة، فالمؤلف يضع البنية الأولية للعمل غير أن هذه البنية لا تتحول إلى تجربة جمالية إلا عندما يتفاعل معها القارئ، ولهذا فإن النص الأدبي يعيش في منطقة وسطى بين الكتابة والقراءة حيث يتشكل المعنى باستمرار من خلال الحوار بين الطرفين، ويؤكد آيزر أن العمل الأدبي لا يوجد في صورته النهائية داخل النص وحده ولا في ذهن القارئ وحده وإنما يتكون من قطبين:
القطب الفني ويتمثل في النص الذي ينتجه المؤلف، والقطب الجمالي ويتمثل في فعل التلقي الذي يقوم به القارئ ومن خلال التفاعل بين هذين القطبين المتكاملين يولد العمل الأدبي بوصفه تجربة متجددة تختلف باختلاف القراء واختلاف الأزمنة واختلاف السياقات الثقافية، ومن هنا فإن مفهوم إقصاء المؤلف عند آيزر لا يقوم على إلغاء حضور الكاتب، كما لا يمنح القارئ سلطة مطلقة في إنتاج الدلالة، بل يسعى إلى إعادة توزيع أدوار العملية الأدبية، فالمؤلف يبدع النص والنص يوجه القراءة والقارئ يحقق العمل الأدبي من خلال تفاعله مع بنيته، ولذلك فإن المعنى لا يكون معطى سابقا ولا حقيقة نهائية وإنما هو حدث تأويلي يتولد في أثناء القراءة، ويبتعد هذا التصور قليلا عن أطروحة رولان بارت التي أعلنت موت المؤلف، وعن فلسفة جاك دريدا التي قامت على تفكيك مركزية المعنى والبحث في الاختلاف والأثر، إذ يظل آيزر مرتبطا بفلسفة التلقي أكثر من ارتباطه بفلسفة التفكيك، فهو لا ينكر دور المؤلف ولا يرفض وجود بنية للنص، وإنما يؤكد أن النص لا يحقق وجوده إلا عندما يلتقي بقارئ قادر على استثمار إمكاناته التأويلية، وعليه فإن إسهام آيزر يتمثل في نقل مركز الاهتمام من البحث عن قصد المؤلف إلى دراسة العلاقة التفاعلية بين النص والقارئ وبهذا أصبح العمل الأدبي عملية دينامية تتجدد مع كل قراءة ولم يعد المؤلف المرجع الأوحد للمعنى بل غدا أحد أطراف منظومة تأويلية يتشارك فيها النص والقارئ في إنتاج الدلالة ضمن حدود البنية النصية وإمكانياتها الجمالية، و يمكننا الوقوف على أهم آراء آيزر حول تراجع دور المؤلف، بمعنى إن حضور المؤلف يتراجع بوصفه المرجع النهائي للمعنى لكنه لا يُلغى:
1 المعنى لا ينتجه المؤلف وحده
2 مفهوم القارئ الضمني
3 مفهوم الفراغات النصية
4 القراءة فعل إنتاج
5- العمل الأدبي يتكون من قطبين، الفني يخلقه المؤلف والجمالي يخلقه القارئ
الغذامي وتراجع سلطة المؤلف الى سلطة النص
ما يميز رؤية الغذامي عن بارت و جاك دريدا هو عدم تسليمه بموت المؤلف بل بتراجع سلطته لصالح سلطة النص، و الذي قاده لاحقا الى تحليل النسق الذي تجاوز النص و المؤلف معا، و هذا التدرج عكس بتطور مشروعه النقدي و ابتعد قليلا عن أطروحات بارت و دريدا، يمثل مفهوم تراجع سلطة المؤلف إلى سلطة النص أحد المرتكزات الأساسية في المشروع النقدي لعبد الله الغذامي في مرحلته البنيوية كما تجلى في كتابه الخطيئة و التكفير من البنيوية الى التشريحية، و لم يكن هذا التحول دعوة الى إلغاء المؤلف أو إنكار دوره في العملية الإبداعية وإنما كان إعادة نظر في المرجعية التي ينبغي أن ينطلق منها النقد الأدبي، فالغاية لم تعد البحث عن مقاصد الكاتب أو ظروف إنتاج النص وإنما الكشف عن البنية النصية بوصفها المجال الذي تتولد فيه الدلالات، وينطلق الغذامي من نقد المناهج التقليدية التي ربطت العمل الأدبي بسيرة صاحبه وجعلت النص انعكاسا مباشرا لحياة المؤلف أو نفسيته أو بيئته، ووفق هذا المنظور أصبح النص تابعا للمؤلف وأصبحت القراءة محاولة لاستعادة قصده أكثر من كونها تحليلا للعمل الأدبي نفسه.
يرى الغذامي أن هذا المنهج يختزل النص في مرجعية خارجية ويحد من إمكاناته الجمالية والدلالية لأن النص يمتلك منطقا داخليا لا يمكن اختزاله في وعي منشئه، ومن هنا يدعو الغذامي إلى نقل مركز الاهتمام من المؤلف إلى النص بحيث تصبح البنية اللغوية هي نقطة الانطلاق في القراءة، فالنص بعد اكتمال كتابته يغادر سلطة صاحبه ويدخل في فضاء اللغة حيث يخضع لقوانينها وعلاقاتها الداخلية ويصبح قادرًا على إنتاج معانٍ قد لا تكون مطابقة لما قصده المؤلف، وهذا لا يعني أن المؤلف يفقد قيمته التاريخية أو الإبداعية وإنما يعني أن سلطته في توجيه التأويل لم تعد سلطة مطلقة، وتتجلى سلطة النص في تصور الغذامي في استقلال بنيته الداخلية، إذ إن العلاقات التي تربط بين ألفاظه وصوره ورموزه وإيقاعاته هي التي تمنح العمل الأدبي هويته وهي التي تتيح للناقد الكشف عن دلالاته.
ينبغي أن تنطلق القراءة من النص ذاته وأن تفسر عناصره في ضوء ترابطها الداخلي لا في ضوء ما يقوله المؤلف عن عمله أو ما ترويه المصادر التاريخية عنه، ويتقاطع هذا التصور مع البنيوية التي جعلت النص نظاما من العلامات، كما يلتقي مع التفكيكية التي زعزعت فكرة المعنى النهائي، غير ان الغذامي لم يتوقف عند حدود التحليل البنيوي أو التفكيكي بل وسّع مجال القراءة ليشمل البعد الثقافي الكامن في النص، فالنص في نظره لا ينتج جمالياته اللغوية فحسب وإنما يحمل أيضا أنساقا ثقافية مضمرة قد تعمل بصورة لا واعية وقد تكشف عن أنظمة فكرية واجتماعية تتجاوز وعي المؤلف نفسه، ولهذا فإن تراجع سلطة المؤلف لا يعني انتقال السلطة كاملة إلى القارئ كما قد يُفهم من بعض القراءات، وإنما يعني أن المرجع الأول في العملية النقدية هو النص بما يتيحه من إمكانات دلالية، فالقارئ لا يملك حرية مطلقة في فرض المعاني وإنما يتحرك داخل الحدود التي ترسمها البنية النصية ويستند في تأويله إلى العلاقات اللغوية والرمزية التي يتضمنها الخطاب، وتتضح هذه الرؤية بصورة أكبر في مشروع الغذامي اللاحق في النقد الثقافي، حيث لم يعد النص يُقرأ بوصفه بنية لغوية فحسب بل بوصفه خطابا يكشف عن أنساق ثقافية خفية، وهنا تتراجع سلطة المؤلف مرة أخرى ليس لصالح القارئ وحده بل لصالح تحليل البنى الثقافية التي يعمل النص على إعادة إنتاجها، فالسؤال النقدي لم يعد ماذا أراد المؤلف أن يقول؟ بل ما الذي يكشفه النص عن الثقافة التي انتجته وما الأنساق التي يكتنزها، سواء أدركها المؤلف ام لم يدركها؟
مفهوم تراجع سلطة المؤلف عند عبد الله الغذامي ينبغي أن يُفهم بوصفه تحولاً في منهج القراءة، لا حكما على قيمة المؤلف، فالمؤلف يبقى صاحب المبادرة في إنتاج النص، غير أن النص بعد ميلاده يكتسب استقلاليته بوصفه خطابا لغويا وثقافيا، وتصبح مهمّة النقد الكشف عن آلياته الداخلية وأنساقه المضمرة، لا الاكتفاء باستعادة نية صاحبه، وعليه فإن قراءة مشروع الغذامي تكشف أن انتقال السلطة من المؤلف إلى النص لم يكن غاية في ذاته بل كان خطوة منهجية لتحرير القراءة من هيمنة المرجعيات الخارجية وتوجيهها نحو تحليل الخطاب في بنيته اللغوية والثقافية، ومن خلال هذا التحول أسهم الغذامي في ترسيخ وعي نقدي جديد يجعل النص مركز العملية التأويلية ويمنح الناقد أدوات للكشف عن المعاني الظاهرة والأنساق المضمرة دون الوقوع في أسر قصد المؤلف أو سلطته التفسيرية.
خلاصة:
شكّل تراجع سلطة المؤلف تحولا أساسيا في النظر إلى النص الأدبي؛ فلم يعد قصد الكاتب المرجع الوحيد لتحديد المعنى، بل أصبح النص فضاء تتفاعل داخله اللغة والقراءة والتأويل. وفي هذا السياق، يقدم فولفغانغ آيزر وعبد الله الغذامي تصورين متقاطعين من دون أن يكونا متطابقين؛ فآيزر يجعل المعنى ثمرة التفاعل بين بنية النص وفاعلية القارئ، فيما ينقل الغذامي مركز الاهتمام من المؤلف إلى النص واستقلال بنيته، قبل أن يوسع مشروعه لاحقا نحو الكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة. وبذلك لا يعني تراجع المؤلف إلغاءه، ولا يمنح القارئ حرية مطلقة في التأويل، وإنما يعيد توزيع الأدوار بين المؤلف والنص والقارئ، لتصبح الدلالة عملية متجددة تتشكل عبر القراءة ولا تستقر عند معنى نهائي واحد.
رسول عدنان