فتح ( وقعه الكبير ) شهية الأدباء في عُرض و طول الوطن العربي، و هذا رابع رد على مقالي خلال 3 أسابيع فقط من نشره، مقالي الأصلي منشور على حسابي في إكس و الفيسبوك ممكن العودة إليه
شكري الخالص لجميع الأخوة الذين كتبوا لي على الخاص بإعادة نشر الردود مكتوبة، و احتراما لطلباتهم الكثيرة أعيد نشرها كما وردت :
---------------------------------
1- رد الدكتور على متعب جاسم
رئيس تحرير مجلة الأديب المعاصر في اتحاد الأدباء في العراق
المنشور في القدس العربي بتأريخ 24 /9 / 2026
بين مجلة «شعر» و «شعر 69» والريادة العراقية لقصيدة النثر
حفّزت مقالة الناقد والشاعر رسول عدنان المعنونة بـ»تفكيك مشروع مجلة شعر اللبنانية» المنشورة في «القدس العربي» اللندنية يوم الثلاثاء 8 من سبتمبر/أيلول 2026 لكتابة هذا التعقيب، والحقيقة أن المقال طرح مجموعة من الأفكار والعلامات الدالة على تبصّر مهم في تاريخ التحولات الشعرية العربية، ولعل دور مجلة «شعر» في الثقافة العربية لا يغفل، على الرغم مما ارتبط بها من شبهات، وبدءا يمكن الإحالة إلى مجموعة من المقالات والدراسات التي أظهرت بشكل من الأشكال ارتباطات مجلة «شعر» (المشبوهة) ففضلا عن دراسة سامي مهدي التفصيلية المنشورة في مجلة «الأقلام» عام 1987، كانت دراسة عبد الإله أحمد «محنة المثقف العربي بين استلاب الداخل ومسخ الغزو الثقافي على أعتاب القرن الواحد والعشرين» المنشورة في مجلة «الموقف الثقافي» عام 2000، وقبلها ما أشار إليه عز الدين المناصرة في مقالته «الآداب وتأسيس الحداثة الشعرية» المنشورة في مجلة «الآداب» عام 1994. هذه الإشارات الضمنية، أو الصريحة تضعنا أمام تساؤل كبير هو، إلى أي حد أسهمت مجلة «شعر» في زعزعة الحداثة الشعرية؟ ولماذا لم تؤخذ حركة الرواد العراقيين بالمعيار نفسه؟ بمعنى أوضح هل كانت قصيدة الرواد العراقيين نتاج حراك ثقافي عربي خالص؟ ثم هل كان الأمر متعلقا بالجماعة والمجلة، أم بالنتاج الشعري؟ لقد أجاب سامي مهدي عن هذا بشكل واضح في جزئية مهمة تتعلق بالأنموذج الإنكليزي والانموذج الفرنسي الذي هيمن لاحقا على جماعة المجلة، وقبل الحديث عنه أرى أن سامي مهدي، على الرغم من دقة بحثه، إلا إنه حلل ارتباطات مجلة «شعر» الأيديولوجية بمنطق أيديولوجي، لذلك حاول أن يسحب الوقائع إلى ساحته مع عدم إغفال أن جماعة شعر كانوا في أغلبهم متحزبين إلى الحزب القومي السوري وهو أمر معروف تاريخيا.
المثير في مقالة رسول عدنان عدّه حسين مردان رائد قصيدة النثر، وقبل أن أوثّق ما يذهب إليه، أشير إلى ما أورده سامي مهدي فيما يخص قصيدة النثر يقول: «في البداية، أي حين صدرت مجلة «شعر» عام 1957 بدا وكأنّ الكفّة تميل لصالح ذوي الثقافة الأنكلوسكسونية الذين يدعون إلى كتابة الشعر الحر». يقول أيضا «كانوا يمتلكون رؤية واضحة وقرارا واضحا، كانوا يعرفون الشعر الحر ويمارسون كتابته عدا يوسف الخال، الذي كان يكتب قصيدة التفعيلة»، وطبعا مصطلح الشعر الحر معروفة دلالته هنا. ويشير سامي إلى رسالة جبرا للمجلة ناقلا عنه «ألا من شعر حر بالفعل هنا في بغداد؟ أعتقد الجواب كلا».. ومن المناسب أن أشير أيضا إلى ما كتبه عز الدين المناصرة في مجلة «أفكار» عام 2012 إلى أن أعوام 1953 وما تلاها كانت حافلة بنشر قصائد النثر لتوفيق صايغ، أو لجبرا أو غيره وهو ما ذكره سامي أيضا. لكنّ لفاضل العزاوي في كتابه «الموجة الحية» رأي آخر، إذ أشار بوضوح إلى أن حسين مردان يعد رائد كتابة قصيدة النثر «93» ولعل قوله لم يستند إلى أدلة واضحة، وربما ساق هذا القول جزافا كما الحال في إشارته إلى عبد الرحمن الربيعي وكتابته لـ»الشعر المنثور»، يقول العزاوي «في اتحاد الأدباء التقيت حسين مردان « وهو ما يعني عام 57 أو بعده . ويشير إلى إنه كان يقرأ له ما ينشره في صحيفة «الأخبار» من نثر مركز.
إن ما يجدر الوقوف عنده بحق ما كتبه علي جواد الطاهر في كتابه «من يفرك الصدأ» عن «صور مرعبة « التي نشرت عام 1951، واصفا إياها «نثر في صورة شعر» ثم يقول، «هذا النثر المركز شعر آخر في روحه، إذا آمنا بأن الشعر روح… وليس من ذنب حسين مردان إن أخفق الآخرون في قصيدة النثر لأنهم جاءوا إليها ناثرين ولم يأتوا كما أتى شاعرين». ثم يقول «وإذا كان حسين مردان مبكرا فيه ومن رواده، إن لم يكن رائدا، فيصعب أن يكون قد خلقه من دون إلمام بسابق عليه، لا سيما إذا علمنا إمكان أن يكون هذا الرائد السابق عليه بودلير، وتذكرنا مكانة بودلير من مطمح حسين مردان ومزاجه»، ويضيف الطاهر «لقد نظم حسين مردان «صور مرعبة» على نمط لم يعرف له اسم، فلم يعرف بعد «بقصيدة النثر»، ولم يصل بعد الى اسم «النثر المركز»، وينقل عن مردان قوله «السبب الحقيقي الذي دفعني إلى كتابة هذا النوع من النثر، هو اكتشافي أن الوزن يحدّ من إظهار الحيوية النفسية ونقل العالم الباطني بصورة دقيقة.. ولذلك أطلقت عليه النثر المركز». وقد بيّن مردان موقفه من الوزن الشعري وفهمه للشعر بمقال «الأرجوحة هادئة الحبال» المنشور في جريدة «الأخبار» عام 1957. كما أورده عادل كتاب، في الجزء الثاني من الأعمال الكاملة للشاعر المذكور.
السؤال الكبير لماذا أُهمل النثر المركز ولم يدخل حتى في حساب إرهاصات سبقت قصيدة النثر؟ الحقيقة إن هذا السؤال يفتح نوافذ متعددة، ويحتاج إلى تتبع دقيق للمرحلة كلها، ويذكرنا بقول العقاد حين سئل عن الشعر العراقي فقال «وهل في العراق شعر؟»، والأمر نفسه لاحظناه في تعقيبات وتعليقات لبعض شعراء المجموعة حول شعر نازك، وأشير هنا إلى أدونيس والخال والمناصرة، ولا يقتصر الأمر عليها بل ثمة إشارات واضحة إلى «تقليدية السياب»، ويمكن أن أشير أيضا إلى أن جماعة شعر 69 «الستينيون العراقيون»، ذهبوا المذهب نفسه.
في إيجاز شديد، أرجح أن ثمة دوافع غير معلنة لانتزاع الريادة العراقية لقصيدة النثر، لكن هذه الدوافع «الخارجية» ليست هي الوحيدة، ثمة عوامل داخلية دفعت في الاتجاه نفسه، وأعني هنا تحديدا اللااستقرار السياسي في تلك المرحلة، وقد أثّر في نمو الاتجاهات الجديدة، فضلا عن الهيمنة الثقافية التي مارستها قصيدة التفعيلة على المشهد الثقافي آنذاك.
وآخر ما أشير إليه هو عن أثر جماعة شعر في جماعة «شعر 69». وقد لوّح بهذا الشاعر والناقد خالد علي مصطفى في كتابه «شعراء خارج البيان الشعري» بقوله مشيرا إلى أدونيس «ويجب الاعتراف إنه كان لقصيدة (هذا هو اسمي) تأثير ملموس على شعراء جيلي (وما أبرئ نفسي)»، ويقول سامي مهدي في «الموجة الصاخبة» مشيرا إلى جيله «وكانت أنظارهم تتجه إلى الخارج صوب بيروت وتلاحق أعداد مجلة شعر ومجلة حوار وتتفاعل مع ما ينشر فيها.. وصار كثير منهم يفضل توفيق صايغ وأدونيس وأنسي الحاج، وربما يوسف الخال وفؤاد رفقه على السياب والبياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة، وكان لديوان أغاني مهيار الدمشقي ثم ديوان كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار وكتاب لن، وقع كبير بينهم». وثمة إشارات واضحة يوردها فوزي كريم في كتابه «تهافت الستينيين»، يقول «الروح الجديدة التي أطلقتها الستينيات داخل المجتمع العراقي.. كانت ظاهرة عراقية بالتأكيد، لكنها لم تحدث بمعزل عن الروح الجديدة التي كانت تعصف بالعالم كله آنذاك» و»يتبنى هاجس الرفض المطلق الذي سبقه أدونيس إليه» ويقول، «حين جاءتنا قصائد أدونيس كانت كما شاء لها الشاعر أن تكون «إنجيل الرفض».. كان الجميع يطمع به رفضا شاملا لكل ما أعطاه التاريخ». كتب العزاوي مميزا ثلاثة اتجاهات في القصيد\ة الستينية» الطليعي/ الشكلي/ التجديدي»، ويرى أن الاتجاه الثاني من شعراء الستينيات كان متأثرا بمجلة «شعر» كما إن الثالث متأثر بأدونيس وشعراء آخرين»، ولا يكف العزاوي مثل أقرانه الآخرين عن تأكيد اختلافهم عن الرواد. وأشار إلى أن أدونيس من أوائل من انتبهوا إلى ظاهرة الكتابة الجديدة في العراق»، ووصف العزاوي إن مجلة «شعر» تمثل اتجاها في حين أنهم يمثلون فضاء ثقافيا». وأشار إلى أن تمويل «شعر» لم يكن صعبا على أدونيس والخال، ووصف ذلك وأرجعه إلى ما سماه الظرف الذاتي المختلف عن تكوين جماعتهم». «ولم يختلف العزاوي عن غيره بإشارته إلى مجموعة «شعر» أن تجديدهم مرتبط بميول وحساسيات بضعة شعراء». إن ما ورد أعلاه موثقا يبني حقيقة أن لا وجود لأي تحول ثقافي بمعزل عن الحراك العالمي بشكله الواسع، ولا يخلو أي تحول من ضواغط الأيديولوجيا على الإطلاق، لذلك أرى أن القصيدة الستينية أثريت بفعل مؤثرات مختلفة كان من ضمنها جماعة «شعر» اللبنانية ثم استوفت خصائص مشروعها الشعري الذي تباين هو الآخر.
-------------------------
الرد الثاني من الدكتور عبد اللطيف الوراري - ناقد مغربي
المنشور في القدس العربي بتأريخ 2026/10/2 الشهر العاشر
هل دشّن حسين مردان «حساسية جديدة»؟
عبر تاريخ الشعر العربي الحديث تتراص الأمكنة، والاستراتيجيات، والبرامج في النظر والممارسة، وتتنافس المشاريع والرؤى، وتشتبك في الطريق الأيدي والألسنة. ولهذا يحفل هذا التاريخ الجريح بالأشباه والنظائر من جهة، وبالأضداد والبدائل من جهة ثانية، غير أن الكتابات التي قرأته، بهذا الوعي أو ذاك، جعلته مليئاً بالشقوق والفخاخ، لنقصانها أو جهلها أو انحيازها أو تشيعها، لهذا أو ذاك في الموقف الذي يقفه الشعراء مُخلصين أو متبرجين، مما خلف معه سلطة القراءة المُغْرضة، فما أكثر الشعراء الذين ظلمهم منجز النقد الشعري، بغير وجه حق، وقد يكون الإشعاع الذي ضرب حول رواد الحداثة في المشرق، قد ألقى ظلاله في الموضوع، ووَجه نظر الدارسين، صادقين ومتهافتين، لتكريس ما هو مُكرس.
حسين مردان (1927- 1972)، ضمن آخرين من المشرق والمغرب على السواء، من أبرز الأصوات التي تكون قد ظُلمتْ في ثقافتنا العربية الحديثة، بالنظر إلى خصوصية منجزه الشعري وما فيه من مغايرة واختلاف بائنين. كان شاعرا في الأساس، وصاحب مقالة ورأي في الشعر والحياة، بل إن شخصيته الشعرية هي جزء من الصورة «الثقافية» التي ضُربتْ حوله. ومن المهم، هنا، ألا تجري قراءة دواوين الشاعر بمعزلٍ عن آرائه وسيرته، وإلا سيبدو مشروعه غير ذي قيمة. فالأجدى، والحال هذه، هو البحث عن شعرية مردان في مجموع كتاباته، لا عن صورة شاعر «بوهيمي» وحسب.
شاعر حساسية راعفة
يمكن القول ابتداء إن تجربة حسين مردان الشعرية لم تُهْمَل تماما، لكنها عانَتْ من سوء استقبال نقدي واختزال شديد، وقد يكون تزامنها مع حركة الشعر الحر التي انطلقت إبان صعود نجمه؛ أي أواسط القرن العشرين، سببا معقولا في حجبها، أو بالأحرى، في مواكبتها أُسْوة بنظائرها من تجارب الشعر الحديث، رغم موقعها المُبكر في تحديث الشعر العراقي؟
صحيحٌ أن الشاعر عُرِف في بلده العراق أكثر من غيره، ولهذا رُبما وصلتْ صورتُه إلينا كما وصلت. ففي العراق، أو في بغداد التي انتقل إليها وهو في العشرين من عمره وتَشبع فيها بروح الرفض والتمرد، وبفكرة الوجودية الناشئة وقتذاك. وحين نشر «قصائد عارية» (1949) التي أهداها لنفسه، وكانت ذات نفَسٍ إباحي مكشوف تحت تأثير قراءته لـ»أزهار الشر» للفرنسي شارل بودلير، أثار ضجة في الوسط الثقافي وحُوكِم بسببها ودخل السجن. وبدلا من أن تُلفت الواقعة عنايةَ النقاد بالنص ومغامرته في الخروج عن السائد والمألوف، أثارت فضولهم نحو الشخص المتمرد والصعلوك، الذي يحاول أن يخرج في سلوكه وصورته العامة على الأعراف؛ ما جعل المؤسسة النقدية تتعامل معه أخلاقيا أكثر مما تعاملت معه شعريا، فلم تفصل بين النص وصورة الشاعر في المخيال النقدي. ولذلك أمست سيرته وشخصيته مادة دسمة في حديث الصحف والمجلات أكثر إثارة من نصوص التجربة نفسها وما أضافته إلى سيرورة تحديث القصيدة العربية، سواء تعلق الأمر بوظيفية اللغة الشعرية وعلاقتها بالنثر، أو باقترابها من قصيدة اليومي وكتابة الجسد، أو عبر سعيها إلى تدشين إيقاع أخذ يشتغل خارج النموذج الخليلي، رغم أنها في هذه المرحلة ما تزال متمسكة بالشكل التقليدي في جانبه الإيقاعي.
فالسؤال الشعري كان يُخْلي مكانه لما هو أخلاقي وأيديولوجي، وحتى «قصائد عارية» باتت تطارده مثل لعنة، وأسرت تجربته كُلها عوض أن تحفزها على استئناف حداثتها الناشئة باستمرار، وتنتمي باختلافيتها ومغايرتها إلى «السردية الكبرى» للحداثة الشعرية العراقية نفسها، التي ظهر أنها أعطت الأولوية للتحويل الشكلي فاستقرت على الأسماء الكبرى المعروفة؛ مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري بدرجة أقل. فهو على الأقل لم يكن يقدم نفسه كنموذج لما يجب أن تكون عليه قصيدة التفعيلة، بالمعنى الذي استقرتْ عليه هذه السردية، وطرحته نازك الملائكة في «دفوعاتها» النقدية، أكثر من كونه اجترح شكلا مختلفا وفق ترتيبات خاصة ضمن الشعر المنثور، أو «النثر المركز» حسب اصطلاحه الأثير، الذي ادعى أنه «خلقه خَلْقا»، لا سيما في دواوينه التالية: «صور مرعبة» (1951)، و«عزيزتي فلانة» (1952)، و«الربيع والجوع» (1953)، ثم «هلاهل نحو الشمس» (1959)، التي لم تكن تخفي مجهودها الإبداعي لتدشين وعي كتابي جديد تأسستْ عليه النصوص الأولى لقصيدة النثر العربية، حتى قبل انطلاق مشروع مجلة «شعر» اللبنانية، وقبل أن تصبح قصيدة النثر نفسها مشروعا معلنا ومُـؤسسيا في الستينيات، بما في ذلك جماعة كركوك الطليعية ،التي تأثرتْ بحساسيته، بل كان للشاعر تأثير في تجارب فاضل العزاوي وسركون بولص وصلاح فائق على نحو ما.
إذا عدنا اليوم إلى نصوص «النثر المُركز» الذي عُرف به، فلا يبدو التخلي عن الوزن والانتظام الوزني قيمة في حد ذاته، ولكن في ما أشاعه ذلك في مجموع دوال النص وعناصره البانية من آثار نوعية مست جملته الشعرية القصيرة بما تنطوي عليه من اقتصاد لغوي وتكثيف وتوتر، ومن مفارقة في تشكيل الصورة، ومن سريان إيقاع داخلي كان يغنم من تبديد الحدود بين ما هو شعري ونثري. وهذا يجعل مردان مهماً ليس فقط لأنه كتب بلا وزن، بل لأنه كان يبحث عن بديلٍ آخر للإيقاع الخليلي داخل ممارسته الشعرية في ضوء تفكيك العلاقة بين الوزن والتركيب، وتكثيف البناء النصي وإطلاق مسار إنتاج الدلالة في وجوه أخرى، أو قُلْ كان يبحث عن مفهوم جديد للشعرية قبل أن تستقر تسمية «قصيدة النثر» نفسها. في ضوء ما سبق، يمكن صياغة فرضية أكثر دقة: ألم يكن حسين مردان يتحرك خارج الحداثة المترسمة، أي خارج التصنيف المدرسي المتاح الذي رُسم للحداثة نقديا؟ فالنقد في معظمه كان يقرأ «الحداثة» من خلال الشكل أكثر مما قرأها من خلال الحساسية بوصفها تحولا في علاقة الشاعر باللغة والذات واليومي والمحظور الاجتماعي، وبالجسد بما هو كناية عن التمرد الاجتماعي ورفض السلطة الأخلاقية والاحتجاج على الطبقة الاجتماعية، وعن القلق الوجودي وتحرير اللغة من الرقابة واستعادة الفرد لحقه في الرغبة. كان «ضد» الجميع.
بهذا المعنى، كان الشاعر حسين مردان حداثيا في الحساسية أكثر مما كان حداثيا في الشكل، أي حداثة الحساسية لا حداثة الوزن فقط. وهذا النوع من الحداثة لم يحظَ بالقدر نفسه من العناية النقدية.
«هامشي» المركز
نعود مرة أخرى إلى المركز والأطراف. بغداد في زمن الشاعر كانت مركزا بالنظر إلى الزخم النقدي الذي أطلقته حركة الشعر الحر التي خرجت من بلاده في أواسط القرن العشرين، وكان من المفروض أن يستفيد الشاعر حسين مردان من ذلك؛ أي من سنوات إقامته في بغداد باعتبارها أبرز مختبرات التجديد الشعري العربي، غير أن الاهتمام بالشاعر بقي محصورا داخل العراق ولم يتجاوزه إلى غيره من البلاد العربية، لا سيما المراكز الشعرية (القاهرة، بيروت..) ذاتها، التي كانت تتحكم بدرجة أكبر في تشكيل الذائقة الشعرية العربية على فترات لاحقة متتالية، وكانت لها الجغرافيا الثقافية لصناعة القيمة والريادة في الشعر العربي الحديث، ولها اليد الطولى في تحقيق التداول والانتشار، ثم لإضفاء الشرعية.
ففي الوقت الذي كان فيه شعراء من أمثال السياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف وغيرهم، يتحركون في فضاء ثقافي شديد الحيوية، قبل الانفتاح على مراكز الجوار الشعري واغتنام الزخم أو السجال النقدي الذي كان داخل الوسطين الثقافي والإعلامي (الآداب، شعر، الثقافة المصرية..) ومن علاقات الهيمنة نفسها، كان حسين مردان يصنع لنفسه «طرازا خاصا» لم يكن في وسعه أن يخترق «شبكات» الحداثة.
قد تكون اليوم عودة لاكتشاف «حساسية» حسين مردان، من خلال بعض الدراسات النقدية التي اهتمتْ بشعره، أو حاولت أن تعيد النظر في صورته، لكن من الصعب أن تردم المسافة بين حقبتين، بين مبادرة التجريب المبكر والريادة التاريخية وسؤال القيمة الجمالية والتراكم النصي، أو هي قد تستعيد ما كان الصراع الأدبي يحجبه ويُسْقطه من حساب التاريخ، أو من شجرة النسب لصالح أسلاف آخرين. وعلى حد تعبير جوناثان كالر «بعض النصوص أكثر «يُتْما» من غيرها، لأن أعراف القراءة ليست راسخة بما يكفي لتوفر لها أبا بديلا». قصيدة حسين مردان الذي لم ينحز لجماعة أو سلطة، قد تكون عنوانا لمشروع معزول لم يكتمل، لكن صوته الفردي لم ينطفئ وظلتْ بروقه تتراءى في نصوص أجيال لاحقة، وهنا تكمن قيمة هذا الشاعر ومن في سلالته: إنه يربك التاريخ الخطي والمستقيم للحداثة.
----------------------------------- --
3- رد الناقد العراقي أمجد نجم الزيدي
المنشور في صفحته على الفيسبوك بتأريخ 2026/11/9
بين القرينة والاتهام في قراءة مشروع مجلة (شعر)
ليس من الصعب أن نتفق مع الدكتور رسول عدنان، في أن تاريخ مجلة (شعر) اللبنانية يحتاج إلى إعادة قراءة، تتجاوز الصورة المألوفة، التي قدمتها كأحد العناوين المؤسسة للحداثة الشعرية العربية، فالمجلة لم تكن معزولة عن المناخ الثقافي والسياسي الدولي، وما علاقة منظمة الحرية الثقافية بالحرب الثقافية التي خاضتها الولايات المتحدة في زمن الحرب الباردة، وارتباطها السري بوكالة الاستخبارات المركزية، إلا من الحقائق التي كشفتها الوثائق والدراسات اللاحقة، والتي لا يصح تجاهلها، كما أن حضور يوسف الخال وأدونيس في مؤتمر روما سنة 1961، الذي رعته المنظمة، واقعة ثابتة، مثلما أن علاقة المنظمة بمجلة (حوار) وتوفيق صايغ أوضح وأوثق، المشكلة، في الطريقة التي تُرتب بها القرائن وصولاً إلى النتائج، وليست في فتح هذا الملف.
فحين تشير القرائن إلى وجود شبكة ثقافية دولية حاولت استقطاب مثقفين عرب، فهذا لا يكفي وحده للقول إن مجلة (شعر) كانت مشروعاً استخباراتياً صُمم لتخريب الشعر العربي، ثمة مسافة بين الاتصال بالمؤسسة، والاستفادة من نشاطاتها، والتعرض لمحاولة الاستقطاب، وبين إثبات التبعية أو التجنيد أو تنفيذ مشروع مرسوم سلفاً، وهذه المسافة لا يمكن اختصارها بمجرد تتابع الأحداث زمنياً.
ويزداد الموضوع حساسية حين يُستدل بحضور الخال وأدونيس في مؤتمر رعته منظمة الحرية الثقافية على وجود علاقة استخباراتية مباشرة بهما، تذكر آنا ديلا سوبين (Anna Della Subin) في مقالتها (How Arabic Made It New) المنشورة في صحيفة (The New York Review of Books) 2019، صلة المؤتمر بالمنظمة، وحضور الخال وأدونيس، لكنها تقول، صراحة، أنهما (لم يكونا على دراية بمصدر التمويل)، وتشير أيضاً إلى أن المنظمة نفسها لم ترَ في مشروع مجلة (شعر) الخيار الأنسب لمشروعها العربي، وأن اهتمامها اتجه في النهاية إلى توفيق صايغ ومجلة (حوار)، وهنا تصبح العلاقة بين (شعر) والمنظمة بحاجة إلى تمييز دقيق عن العلاقة التي ثبتت بصورة أوضح مع (حوار)، بالإضافة إلى أن الدعوة للمؤتمر كانت تشير صراحة إلى أن اللقاء سيكون (أدبياً بحتاً)، كما تنقل سوبين، والذي يجعلنا نفترض حسن النية في تلبية الدعوة.
أما القول إن وجود مشروع سابق لحسين مردان ثم ظهور مجلة (شعر) يمثل سرقة متعمدة للريادة العراقية، فهو يحتاج إلى دليل يتجاوز أسبقية التجربة، لا شك أن إعادة الاعتبار إلى مردان مسألة مشروعة في كتابة تاريخ قصيدة النثر العربية، ومتفق عليها بالتأكيد، لكن السبق التاريخي لا يثبت وحده وجود قصد بالاستيلاء أو الإلغاء، ينبغي هنا أن نفرق بين الريادة، وانتقال الأفكار، وإعادة صياغتها، ثم الطريقة التي صنعت بها المؤسسة الأدبية ذاكرتها الخاصة عن البدايات.
والأمر نفسه ينطبق على القول إن شعراء مجلة (شعر) كانوا يعرفون النموذج الفرنسي لقصيدة النثر ثم تعمدوا مخالفته بهدف إفساد الشعر العربي، فمعرفة النموذج لا تؤدي منطقياً إلى إثبات نية تخريبه، قد تكون المخالفة تأويلاً، أو تكييفاً، أو اختياراً جمالياً، أو انحرافاً عن الأصل، ولكي تتحول هذه الاحتمالات إلى اتهام تاريخي، نحتاج إلى وثيقة تثبت القصد، لا إلى الاستنتاج من طبيعة النصوص وحدها.
لذلك لا أرى أن القضية الحقيقية تكمن في تبرئة المجلة أو إدانتها، فالأهم، بتصوري، هو أن نميز، ونحن نعيد كتابة تاريخ الحداثة العربية، بين ما تثبته الوثيقة، وما ترجحه القرينة، وما نستنتجه نحن تأويلياً، فالخلط بين هذه المستويات يجعل الباحث ينتقل، من حيث لا يشعر، من كتابة التاريخ إلى كتابة الرواية التي يريد للتاريخ أن يقولها.
شكري الخالص لجميع الأخوة الذين كتبوا لي على الخاص بإعادة نشر الردود مكتوبة، و احتراما لطلباتهم الكثيرة أعيد نشرها كما وردت :
---------------------------------
1- رد الدكتور على متعب جاسم
رئيس تحرير مجلة الأديب المعاصر في اتحاد الأدباء في العراق
المنشور في القدس العربي بتأريخ 24 /9 / 2026
بين مجلة «شعر» و «شعر 69» والريادة العراقية لقصيدة النثر
حفّزت مقالة الناقد والشاعر رسول عدنان المعنونة بـ»تفكيك مشروع مجلة شعر اللبنانية» المنشورة في «القدس العربي» اللندنية يوم الثلاثاء 8 من سبتمبر/أيلول 2026 لكتابة هذا التعقيب، والحقيقة أن المقال طرح مجموعة من الأفكار والعلامات الدالة على تبصّر مهم في تاريخ التحولات الشعرية العربية، ولعل دور مجلة «شعر» في الثقافة العربية لا يغفل، على الرغم مما ارتبط بها من شبهات، وبدءا يمكن الإحالة إلى مجموعة من المقالات والدراسات التي أظهرت بشكل من الأشكال ارتباطات مجلة «شعر» (المشبوهة) ففضلا عن دراسة سامي مهدي التفصيلية المنشورة في مجلة «الأقلام» عام 1987، كانت دراسة عبد الإله أحمد «محنة المثقف العربي بين استلاب الداخل ومسخ الغزو الثقافي على أعتاب القرن الواحد والعشرين» المنشورة في مجلة «الموقف الثقافي» عام 2000، وقبلها ما أشار إليه عز الدين المناصرة في مقالته «الآداب وتأسيس الحداثة الشعرية» المنشورة في مجلة «الآداب» عام 1994. هذه الإشارات الضمنية، أو الصريحة تضعنا أمام تساؤل كبير هو، إلى أي حد أسهمت مجلة «شعر» في زعزعة الحداثة الشعرية؟ ولماذا لم تؤخذ حركة الرواد العراقيين بالمعيار نفسه؟ بمعنى أوضح هل كانت قصيدة الرواد العراقيين نتاج حراك ثقافي عربي خالص؟ ثم هل كان الأمر متعلقا بالجماعة والمجلة، أم بالنتاج الشعري؟ لقد أجاب سامي مهدي عن هذا بشكل واضح في جزئية مهمة تتعلق بالأنموذج الإنكليزي والانموذج الفرنسي الذي هيمن لاحقا على جماعة المجلة، وقبل الحديث عنه أرى أن سامي مهدي، على الرغم من دقة بحثه، إلا إنه حلل ارتباطات مجلة «شعر» الأيديولوجية بمنطق أيديولوجي، لذلك حاول أن يسحب الوقائع إلى ساحته مع عدم إغفال أن جماعة شعر كانوا في أغلبهم متحزبين إلى الحزب القومي السوري وهو أمر معروف تاريخيا.
المثير في مقالة رسول عدنان عدّه حسين مردان رائد قصيدة النثر، وقبل أن أوثّق ما يذهب إليه، أشير إلى ما أورده سامي مهدي فيما يخص قصيدة النثر يقول: «في البداية، أي حين صدرت مجلة «شعر» عام 1957 بدا وكأنّ الكفّة تميل لصالح ذوي الثقافة الأنكلوسكسونية الذين يدعون إلى كتابة الشعر الحر». يقول أيضا «كانوا يمتلكون رؤية واضحة وقرارا واضحا، كانوا يعرفون الشعر الحر ويمارسون كتابته عدا يوسف الخال، الذي كان يكتب قصيدة التفعيلة»، وطبعا مصطلح الشعر الحر معروفة دلالته هنا. ويشير سامي إلى رسالة جبرا للمجلة ناقلا عنه «ألا من شعر حر بالفعل هنا في بغداد؟ أعتقد الجواب كلا».. ومن المناسب أن أشير أيضا إلى ما كتبه عز الدين المناصرة في مجلة «أفكار» عام 2012 إلى أن أعوام 1953 وما تلاها كانت حافلة بنشر قصائد النثر لتوفيق صايغ، أو لجبرا أو غيره وهو ما ذكره سامي أيضا. لكنّ لفاضل العزاوي في كتابه «الموجة الحية» رأي آخر، إذ أشار بوضوح إلى أن حسين مردان يعد رائد كتابة قصيدة النثر «93» ولعل قوله لم يستند إلى أدلة واضحة، وربما ساق هذا القول جزافا كما الحال في إشارته إلى عبد الرحمن الربيعي وكتابته لـ»الشعر المنثور»، يقول العزاوي «في اتحاد الأدباء التقيت حسين مردان « وهو ما يعني عام 57 أو بعده . ويشير إلى إنه كان يقرأ له ما ينشره في صحيفة «الأخبار» من نثر مركز.
إن ما يجدر الوقوف عنده بحق ما كتبه علي جواد الطاهر في كتابه «من يفرك الصدأ» عن «صور مرعبة « التي نشرت عام 1951، واصفا إياها «نثر في صورة شعر» ثم يقول، «هذا النثر المركز شعر آخر في روحه، إذا آمنا بأن الشعر روح… وليس من ذنب حسين مردان إن أخفق الآخرون في قصيدة النثر لأنهم جاءوا إليها ناثرين ولم يأتوا كما أتى شاعرين». ثم يقول «وإذا كان حسين مردان مبكرا فيه ومن رواده، إن لم يكن رائدا، فيصعب أن يكون قد خلقه من دون إلمام بسابق عليه، لا سيما إذا علمنا إمكان أن يكون هذا الرائد السابق عليه بودلير، وتذكرنا مكانة بودلير من مطمح حسين مردان ومزاجه»، ويضيف الطاهر «لقد نظم حسين مردان «صور مرعبة» على نمط لم يعرف له اسم، فلم يعرف بعد «بقصيدة النثر»، ولم يصل بعد الى اسم «النثر المركز»، وينقل عن مردان قوله «السبب الحقيقي الذي دفعني إلى كتابة هذا النوع من النثر، هو اكتشافي أن الوزن يحدّ من إظهار الحيوية النفسية ونقل العالم الباطني بصورة دقيقة.. ولذلك أطلقت عليه النثر المركز». وقد بيّن مردان موقفه من الوزن الشعري وفهمه للشعر بمقال «الأرجوحة هادئة الحبال» المنشور في جريدة «الأخبار» عام 1957. كما أورده عادل كتاب، في الجزء الثاني من الأعمال الكاملة للشاعر المذكور.
السؤال الكبير لماذا أُهمل النثر المركز ولم يدخل حتى في حساب إرهاصات سبقت قصيدة النثر؟ الحقيقة إن هذا السؤال يفتح نوافذ متعددة، ويحتاج إلى تتبع دقيق للمرحلة كلها، ويذكرنا بقول العقاد حين سئل عن الشعر العراقي فقال «وهل في العراق شعر؟»، والأمر نفسه لاحظناه في تعقيبات وتعليقات لبعض شعراء المجموعة حول شعر نازك، وأشير هنا إلى أدونيس والخال والمناصرة، ولا يقتصر الأمر عليها بل ثمة إشارات واضحة إلى «تقليدية السياب»، ويمكن أن أشير أيضا إلى أن جماعة شعر 69 «الستينيون العراقيون»، ذهبوا المذهب نفسه.
في إيجاز شديد، أرجح أن ثمة دوافع غير معلنة لانتزاع الريادة العراقية لقصيدة النثر، لكن هذه الدوافع «الخارجية» ليست هي الوحيدة، ثمة عوامل داخلية دفعت في الاتجاه نفسه، وأعني هنا تحديدا اللااستقرار السياسي في تلك المرحلة، وقد أثّر في نمو الاتجاهات الجديدة، فضلا عن الهيمنة الثقافية التي مارستها قصيدة التفعيلة على المشهد الثقافي آنذاك.
وآخر ما أشير إليه هو عن أثر جماعة شعر في جماعة «شعر 69». وقد لوّح بهذا الشاعر والناقد خالد علي مصطفى في كتابه «شعراء خارج البيان الشعري» بقوله مشيرا إلى أدونيس «ويجب الاعتراف إنه كان لقصيدة (هذا هو اسمي) تأثير ملموس على شعراء جيلي (وما أبرئ نفسي)»، ويقول سامي مهدي في «الموجة الصاخبة» مشيرا إلى جيله «وكانت أنظارهم تتجه إلى الخارج صوب بيروت وتلاحق أعداد مجلة شعر ومجلة حوار وتتفاعل مع ما ينشر فيها.. وصار كثير منهم يفضل توفيق صايغ وأدونيس وأنسي الحاج، وربما يوسف الخال وفؤاد رفقه على السياب والبياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة، وكان لديوان أغاني مهيار الدمشقي ثم ديوان كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار وكتاب لن، وقع كبير بينهم». وثمة إشارات واضحة يوردها فوزي كريم في كتابه «تهافت الستينيين»، يقول «الروح الجديدة التي أطلقتها الستينيات داخل المجتمع العراقي.. كانت ظاهرة عراقية بالتأكيد، لكنها لم تحدث بمعزل عن الروح الجديدة التي كانت تعصف بالعالم كله آنذاك» و»يتبنى هاجس الرفض المطلق الذي سبقه أدونيس إليه» ويقول، «حين جاءتنا قصائد أدونيس كانت كما شاء لها الشاعر أن تكون «إنجيل الرفض».. كان الجميع يطمع به رفضا شاملا لكل ما أعطاه التاريخ». كتب العزاوي مميزا ثلاثة اتجاهات في القصيد\ة الستينية» الطليعي/ الشكلي/ التجديدي»، ويرى أن الاتجاه الثاني من شعراء الستينيات كان متأثرا بمجلة «شعر» كما إن الثالث متأثر بأدونيس وشعراء آخرين»، ولا يكف العزاوي مثل أقرانه الآخرين عن تأكيد اختلافهم عن الرواد. وأشار إلى أن أدونيس من أوائل من انتبهوا إلى ظاهرة الكتابة الجديدة في العراق»، ووصف العزاوي إن مجلة «شعر» تمثل اتجاها في حين أنهم يمثلون فضاء ثقافيا». وأشار إلى أن تمويل «شعر» لم يكن صعبا على أدونيس والخال، ووصف ذلك وأرجعه إلى ما سماه الظرف الذاتي المختلف عن تكوين جماعتهم». «ولم يختلف العزاوي عن غيره بإشارته إلى مجموعة «شعر» أن تجديدهم مرتبط بميول وحساسيات بضعة شعراء». إن ما ورد أعلاه موثقا يبني حقيقة أن لا وجود لأي تحول ثقافي بمعزل عن الحراك العالمي بشكله الواسع، ولا يخلو أي تحول من ضواغط الأيديولوجيا على الإطلاق، لذلك أرى أن القصيدة الستينية أثريت بفعل مؤثرات مختلفة كان من ضمنها جماعة «شعر» اللبنانية ثم استوفت خصائص مشروعها الشعري الذي تباين هو الآخر.
-------------------------
الرد الثاني من الدكتور عبد اللطيف الوراري - ناقد مغربي
المنشور في القدس العربي بتأريخ 2026/10/2 الشهر العاشر
هل دشّن حسين مردان «حساسية جديدة»؟
عبر تاريخ الشعر العربي الحديث تتراص الأمكنة، والاستراتيجيات، والبرامج في النظر والممارسة، وتتنافس المشاريع والرؤى، وتشتبك في الطريق الأيدي والألسنة. ولهذا يحفل هذا التاريخ الجريح بالأشباه والنظائر من جهة، وبالأضداد والبدائل من جهة ثانية، غير أن الكتابات التي قرأته، بهذا الوعي أو ذاك، جعلته مليئاً بالشقوق والفخاخ، لنقصانها أو جهلها أو انحيازها أو تشيعها، لهذا أو ذاك في الموقف الذي يقفه الشعراء مُخلصين أو متبرجين، مما خلف معه سلطة القراءة المُغْرضة، فما أكثر الشعراء الذين ظلمهم منجز النقد الشعري، بغير وجه حق، وقد يكون الإشعاع الذي ضرب حول رواد الحداثة في المشرق، قد ألقى ظلاله في الموضوع، ووَجه نظر الدارسين، صادقين ومتهافتين، لتكريس ما هو مُكرس.
حسين مردان (1927- 1972)، ضمن آخرين من المشرق والمغرب على السواء، من أبرز الأصوات التي تكون قد ظُلمتْ في ثقافتنا العربية الحديثة، بالنظر إلى خصوصية منجزه الشعري وما فيه من مغايرة واختلاف بائنين. كان شاعرا في الأساس، وصاحب مقالة ورأي في الشعر والحياة، بل إن شخصيته الشعرية هي جزء من الصورة «الثقافية» التي ضُربتْ حوله. ومن المهم، هنا، ألا تجري قراءة دواوين الشاعر بمعزلٍ عن آرائه وسيرته، وإلا سيبدو مشروعه غير ذي قيمة. فالأجدى، والحال هذه، هو البحث عن شعرية مردان في مجموع كتاباته، لا عن صورة شاعر «بوهيمي» وحسب.
شاعر حساسية راعفة
يمكن القول ابتداء إن تجربة حسين مردان الشعرية لم تُهْمَل تماما، لكنها عانَتْ من سوء استقبال نقدي واختزال شديد، وقد يكون تزامنها مع حركة الشعر الحر التي انطلقت إبان صعود نجمه؛ أي أواسط القرن العشرين، سببا معقولا في حجبها، أو بالأحرى، في مواكبتها أُسْوة بنظائرها من تجارب الشعر الحديث، رغم موقعها المُبكر في تحديث الشعر العراقي؟
صحيحٌ أن الشاعر عُرِف في بلده العراق أكثر من غيره، ولهذا رُبما وصلتْ صورتُه إلينا كما وصلت. ففي العراق، أو في بغداد التي انتقل إليها وهو في العشرين من عمره وتَشبع فيها بروح الرفض والتمرد، وبفكرة الوجودية الناشئة وقتذاك. وحين نشر «قصائد عارية» (1949) التي أهداها لنفسه، وكانت ذات نفَسٍ إباحي مكشوف تحت تأثير قراءته لـ»أزهار الشر» للفرنسي شارل بودلير، أثار ضجة في الوسط الثقافي وحُوكِم بسببها ودخل السجن. وبدلا من أن تُلفت الواقعة عنايةَ النقاد بالنص ومغامرته في الخروج عن السائد والمألوف، أثارت فضولهم نحو الشخص المتمرد والصعلوك، الذي يحاول أن يخرج في سلوكه وصورته العامة على الأعراف؛ ما جعل المؤسسة النقدية تتعامل معه أخلاقيا أكثر مما تعاملت معه شعريا، فلم تفصل بين النص وصورة الشاعر في المخيال النقدي. ولذلك أمست سيرته وشخصيته مادة دسمة في حديث الصحف والمجلات أكثر إثارة من نصوص التجربة نفسها وما أضافته إلى سيرورة تحديث القصيدة العربية، سواء تعلق الأمر بوظيفية اللغة الشعرية وعلاقتها بالنثر، أو باقترابها من قصيدة اليومي وكتابة الجسد، أو عبر سعيها إلى تدشين إيقاع أخذ يشتغل خارج النموذج الخليلي، رغم أنها في هذه المرحلة ما تزال متمسكة بالشكل التقليدي في جانبه الإيقاعي.
فالسؤال الشعري كان يُخْلي مكانه لما هو أخلاقي وأيديولوجي، وحتى «قصائد عارية» باتت تطارده مثل لعنة، وأسرت تجربته كُلها عوض أن تحفزها على استئناف حداثتها الناشئة باستمرار، وتنتمي باختلافيتها ومغايرتها إلى «السردية الكبرى» للحداثة الشعرية العراقية نفسها، التي ظهر أنها أعطت الأولوية للتحويل الشكلي فاستقرت على الأسماء الكبرى المعروفة؛ مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري بدرجة أقل. فهو على الأقل لم يكن يقدم نفسه كنموذج لما يجب أن تكون عليه قصيدة التفعيلة، بالمعنى الذي استقرتْ عليه هذه السردية، وطرحته نازك الملائكة في «دفوعاتها» النقدية، أكثر من كونه اجترح شكلا مختلفا وفق ترتيبات خاصة ضمن الشعر المنثور، أو «النثر المركز» حسب اصطلاحه الأثير، الذي ادعى أنه «خلقه خَلْقا»، لا سيما في دواوينه التالية: «صور مرعبة» (1951)، و«عزيزتي فلانة» (1952)، و«الربيع والجوع» (1953)، ثم «هلاهل نحو الشمس» (1959)، التي لم تكن تخفي مجهودها الإبداعي لتدشين وعي كتابي جديد تأسستْ عليه النصوص الأولى لقصيدة النثر العربية، حتى قبل انطلاق مشروع مجلة «شعر» اللبنانية، وقبل أن تصبح قصيدة النثر نفسها مشروعا معلنا ومُـؤسسيا في الستينيات، بما في ذلك جماعة كركوك الطليعية ،التي تأثرتْ بحساسيته، بل كان للشاعر تأثير في تجارب فاضل العزاوي وسركون بولص وصلاح فائق على نحو ما.
إذا عدنا اليوم إلى نصوص «النثر المُركز» الذي عُرف به، فلا يبدو التخلي عن الوزن والانتظام الوزني قيمة في حد ذاته، ولكن في ما أشاعه ذلك في مجموع دوال النص وعناصره البانية من آثار نوعية مست جملته الشعرية القصيرة بما تنطوي عليه من اقتصاد لغوي وتكثيف وتوتر، ومن مفارقة في تشكيل الصورة، ومن سريان إيقاع داخلي كان يغنم من تبديد الحدود بين ما هو شعري ونثري. وهذا يجعل مردان مهماً ليس فقط لأنه كتب بلا وزن، بل لأنه كان يبحث عن بديلٍ آخر للإيقاع الخليلي داخل ممارسته الشعرية في ضوء تفكيك العلاقة بين الوزن والتركيب، وتكثيف البناء النصي وإطلاق مسار إنتاج الدلالة في وجوه أخرى، أو قُلْ كان يبحث عن مفهوم جديد للشعرية قبل أن تستقر تسمية «قصيدة النثر» نفسها. في ضوء ما سبق، يمكن صياغة فرضية أكثر دقة: ألم يكن حسين مردان يتحرك خارج الحداثة المترسمة، أي خارج التصنيف المدرسي المتاح الذي رُسم للحداثة نقديا؟ فالنقد في معظمه كان يقرأ «الحداثة» من خلال الشكل أكثر مما قرأها من خلال الحساسية بوصفها تحولا في علاقة الشاعر باللغة والذات واليومي والمحظور الاجتماعي، وبالجسد بما هو كناية عن التمرد الاجتماعي ورفض السلطة الأخلاقية والاحتجاج على الطبقة الاجتماعية، وعن القلق الوجودي وتحرير اللغة من الرقابة واستعادة الفرد لحقه في الرغبة. كان «ضد» الجميع.
بهذا المعنى، كان الشاعر حسين مردان حداثيا في الحساسية أكثر مما كان حداثيا في الشكل، أي حداثة الحساسية لا حداثة الوزن فقط. وهذا النوع من الحداثة لم يحظَ بالقدر نفسه من العناية النقدية.
«هامشي» المركز
نعود مرة أخرى إلى المركز والأطراف. بغداد في زمن الشاعر كانت مركزا بالنظر إلى الزخم النقدي الذي أطلقته حركة الشعر الحر التي خرجت من بلاده في أواسط القرن العشرين، وكان من المفروض أن يستفيد الشاعر حسين مردان من ذلك؛ أي من سنوات إقامته في بغداد باعتبارها أبرز مختبرات التجديد الشعري العربي، غير أن الاهتمام بالشاعر بقي محصورا داخل العراق ولم يتجاوزه إلى غيره من البلاد العربية، لا سيما المراكز الشعرية (القاهرة، بيروت..) ذاتها، التي كانت تتحكم بدرجة أكبر في تشكيل الذائقة الشعرية العربية على فترات لاحقة متتالية، وكانت لها الجغرافيا الثقافية لصناعة القيمة والريادة في الشعر العربي الحديث، ولها اليد الطولى في تحقيق التداول والانتشار، ثم لإضفاء الشرعية.
ففي الوقت الذي كان فيه شعراء من أمثال السياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف وغيرهم، يتحركون في فضاء ثقافي شديد الحيوية، قبل الانفتاح على مراكز الجوار الشعري واغتنام الزخم أو السجال النقدي الذي كان داخل الوسطين الثقافي والإعلامي (الآداب، شعر، الثقافة المصرية..) ومن علاقات الهيمنة نفسها، كان حسين مردان يصنع لنفسه «طرازا خاصا» لم يكن في وسعه أن يخترق «شبكات» الحداثة.
قد تكون اليوم عودة لاكتشاف «حساسية» حسين مردان، من خلال بعض الدراسات النقدية التي اهتمتْ بشعره، أو حاولت أن تعيد النظر في صورته، لكن من الصعب أن تردم المسافة بين حقبتين، بين مبادرة التجريب المبكر والريادة التاريخية وسؤال القيمة الجمالية والتراكم النصي، أو هي قد تستعيد ما كان الصراع الأدبي يحجبه ويُسْقطه من حساب التاريخ، أو من شجرة النسب لصالح أسلاف آخرين. وعلى حد تعبير جوناثان كالر «بعض النصوص أكثر «يُتْما» من غيرها، لأن أعراف القراءة ليست راسخة بما يكفي لتوفر لها أبا بديلا». قصيدة حسين مردان الذي لم ينحز لجماعة أو سلطة، قد تكون عنوانا لمشروع معزول لم يكتمل، لكن صوته الفردي لم ينطفئ وظلتْ بروقه تتراءى في نصوص أجيال لاحقة، وهنا تكمن قيمة هذا الشاعر ومن في سلالته: إنه يربك التاريخ الخطي والمستقيم للحداثة.
----------------------------------- --
3- رد الناقد العراقي أمجد نجم الزيدي
المنشور في صفحته على الفيسبوك بتأريخ 2026/11/9
بين القرينة والاتهام في قراءة مشروع مجلة (شعر)
ليس من الصعب أن نتفق مع الدكتور رسول عدنان، في أن تاريخ مجلة (شعر) اللبنانية يحتاج إلى إعادة قراءة، تتجاوز الصورة المألوفة، التي قدمتها كأحد العناوين المؤسسة للحداثة الشعرية العربية، فالمجلة لم تكن معزولة عن المناخ الثقافي والسياسي الدولي، وما علاقة منظمة الحرية الثقافية بالحرب الثقافية التي خاضتها الولايات المتحدة في زمن الحرب الباردة، وارتباطها السري بوكالة الاستخبارات المركزية، إلا من الحقائق التي كشفتها الوثائق والدراسات اللاحقة، والتي لا يصح تجاهلها، كما أن حضور يوسف الخال وأدونيس في مؤتمر روما سنة 1961، الذي رعته المنظمة، واقعة ثابتة، مثلما أن علاقة المنظمة بمجلة (حوار) وتوفيق صايغ أوضح وأوثق، المشكلة، في الطريقة التي تُرتب بها القرائن وصولاً إلى النتائج، وليست في فتح هذا الملف.
فحين تشير القرائن إلى وجود شبكة ثقافية دولية حاولت استقطاب مثقفين عرب، فهذا لا يكفي وحده للقول إن مجلة (شعر) كانت مشروعاً استخباراتياً صُمم لتخريب الشعر العربي، ثمة مسافة بين الاتصال بالمؤسسة، والاستفادة من نشاطاتها، والتعرض لمحاولة الاستقطاب، وبين إثبات التبعية أو التجنيد أو تنفيذ مشروع مرسوم سلفاً، وهذه المسافة لا يمكن اختصارها بمجرد تتابع الأحداث زمنياً.
ويزداد الموضوع حساسية حين يُستدل بحضور الخال وأدونيس في مؤتمر رعته منظمة الحرية الثقافية على وجود علاقة استخباراتية مباشرة بهما، تذكر آنا ديلا سوبين (Anna Della Subin) في مقالتها (How Arabic Made It New) المنشورة في صحيفة (The New York Review of Books) 2019، صلة المؤتمر بالمنظمة، وحضور الخال وأدونيس، لكنها تقول، صراحة، أنهما (لم يكونا على دراية بمصدر التمويل)، وتشير أيضاً إلى أن المنظمة نفسها لم ترَ في مشروع مجلة (شعر) الخيار الأنسب لمشروعها العربي، وأن اهتمامها اتجه في النهاية إلى توفيق صايغ ومجلة (حوار)، وهنا تصبح العلاقة بين (شعر) والمنظمة بحاجة إلى تمييز دقيق عن العلاقة التي ثبتت بصورة أوضح مع (حوار)، بالإضافة إلى أن الدعوة للمؤتمر كانت تشير صراحة إلى أن اللقاء سيكون (أدبياً بحتاً)، كما تنقل سوبين، والذي يجعلنا نفترض حسن النية في تلبية الدعوة.
أما القول إن وجود مشروع سابق لحسين مردان ثم ظهور مجلة (شعر) يمثل سرقة متعمدة للريادة العراقية، فهو يحتاج إلى دليل يتجاوز أسبقية التجربة، لا شك أن إعادة الاعتبار إلى مردان مسألة مشروعة في كتابة تاريخ قصيدة النثر العربية، ومتفق عليها بالتأكيد، لكن السبق التاريخي لا يثبت وحده وجود قصد بالاستيلاء أو الإلغاء، ينبغي هنا أن نفرق بين الريادة، وانتقال الأفكار، وإعادة صياغتها، ثم الطريقة التي صنعت بها المؤسسة الأدبية ذاكرتها الخاصة عن البدايات.
والأمر نفسه ينطبق على القول إن شعراء مجلة (شعر) كانوا يعرفون النموذج الفرنسي لقصيدة النثر ثم تعمدوا مخالفته بهدف إفساد الشعر العربي، فمعرفة النموذج لا تؤدي منطقياً إلى إثبات نية تخريبه، قد تكون المخالفة تأويلاً، أو تكييفاً، أو اختياراً جمالياً، أو انحرافاً عن الأصل، ولكي تتحول هذه الاحتمالات إلى اتهام تاريخي، نحتاج إلى وثيقة تثبت القصد، لا إلى الاستنتاج من طبيعة النصوص وحدها.
لذلك لا أرى أن القضية الحقيقية تكمن في تبرئة المجلة أو إدانتها، فالأهم، بتصوري، هو أن نميز، ونحن نعيد كتابة تاريخ الحداثة العربية، بين ما تثبته الوثيقة، وما ترجحه القرينة، وما نستنتجه نحن تأويلياً، فالخلط بين هذه المستويات يجعل الباحث ينتقل، من حيث لا يشعر، من كتابة التاريخ إلى كتابة الرواية التي يريد للتاريخ أن يقولها.