لعل تحفة موسم الهجرة إلى الشمال لمؤلفها العبقري الراحل ، الطيب صالح رحمه الله ، لم تبقي لأي كاتب بعده أن يحكي حكيه ، حول ثيمات الهوية والهجرة والإغتراب .
ولعل النصوص التي ارتكزت في بنيتها على هذه الثيمات ، ماهي إلا قطرة من فيض إبداعه ، وقبس من أنوار إلهامه المشعة .
رغم أن قصة قنديل أم هاشم للملهم يحي حقي ، قد رأت النور قبل موسم الهجرة إلى الشمال ، بما ينيف عن العشرين حولا ، إلا أن بينهما تناصا جليا ، ورغم أن يحي حقي قد أبدع في خلق شخصية متكاملة جديرة بتقمص دور البطولة في منجزه ، ورغم أن طرحه من خلال النص جاء ليرسخ وعي عزة الإنتماء والتشبث بالهوية ، وعدم الإنسلاخ من المقومات أو التسليم والتنكر لليقينيات والمسلمات ، ولكون نصه دعوة صريحة للتمسك بالتقاليد والتراث ، إلا أنه لا يخلو من إساءة للمعرفة ، وتقزيم لدور العلم في تحقيق المنفعة الإنسانية .
وأقصد تحديدا إساءته لعلم الطب على حساب تقاليد وموروثات شعبية بالية ، ألبسها الكاتب لبوس الورع والزهد والتقوى ، وقنعها بأقنعة الدين والتصوف ، وبهرجها بزينة التبرك بالصالحين ، لكأن رجاء بركتهم أجل وأعلى شأنا وأجدى نفعا من أي علم من العلوم .
كما أعيب على النص قصره ، والذي يبصمه ويضفي عليه إسم القصة لا الرواية ، لأنها لم تمنح شخوصها الثانويين حقهم في الحكي وإثبات الذات بإسماع صوتهم ، على عكس جنس الرواية التي تمنح لشخوصها فضاءات تعبيرية أرحب ، وحرية أكبر ووجودا كاملا غير مختزل ولا منقوص .
كما أنني أستغرب رقم ترتيبها في قائمة أجمل مئة رواية عربية ، حيث تحتل المرتبة السادسة والثلاثين ، وهذا إجحاف في حق الكثير من النصوص التي تفوقها روعة وجمالا .
ولعل لهذا الترتيب ولهذه المعايير القيمية خلفيات ودوافع ليس هذا مقام ذكرها .
لقد تطرق الكاتب الكبير يحي حقي باقتدار إلى تسليط الضوء على الصراع المحتدم بين العلم والدين والتقاليد ، أو بين المعرفة والإيمان والخرافة ، وإن كان قصده النبيل هو التأكيد على أن لا فائدة من العلم دون إيمان وهوية .
لقد نجح الكاتب في رصد حيثيات وتداعيات هذه الحرب الفكرية والروحية ، لكنه أخفق إلى حد بعيد في المزاوجة بين هذا الثالوث .
لأنها محاولة فاشلة في الجمع بين الأضداد والمتناقضات ، ولا أقصد تضاد العلم والدين ، لأنه لا تضاد بينهما ، إنما القصد التضاد والتماهي المستحيل بين العلم والخرافة .
كأن أحاول من خلال طول قراءتي التي يقرب عمرها عن ست وثلاثين سنة في صحبة الكتب ، في أن أجمع بين رواية لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هيسه التي تمجد وتقدس وتنتصر للعلم والتي نال على إثرها جائزة نوبل للآداب ، وبين قنديل أم هاشم التي تقدس الخرافة ، أليس هذا ضرب من الجنون يدركه من قاسمني قراءة النصين معا .
إن تطرقي للنص بهذه الموضوعية والحيادية ، ليس تقليلا من جماليته ، ولا هو حط من شأن مؤلفه ، خاصة وأن الكاتب الكبير يحي حقي ، قد أثبت براعته وعبقريته ، في كل تلك القصص التي احتوتها هذه الأضمومة القصصية الرائعة .
وأشهد بأن لنصوصه جمالا ضافيا ، يرقى على الكثير مما ينشر اليوم في حقلنا الأدبي من نصوص أقل ما يقال عنها أنها نصوص متواضعة لم تشتمل على الكثير من التشويق والإدهاش ، وعلى ذلك السحر السردي المبهر ، الذي يظل ميزة الملهمين ، وصنعة كبار الأدباء من أمثال يحي حقي ومن شاكله .
جمعي شايبي .
ولعل النصوص التي ارتكزت في بنيتها على هذه الثيمات ، ماهي إلا قطرة من فيض إبداعه ، وقبس من أنوار إلهامه المشعة .
رغم أن قصة قنديل أم هاشم للملهم يحي حقي ، قد رأت النور قبل موسم الهجرة إلى الشمال ، بما ينيف عن العشرين حولا ، إلا أن بينهما تناصا جليا ، ورغم أن يحي حقي قد أبدع في خلق شخصية متكاملة جديرة بتقمص دور البطولة في منجزه ، ورغم أن طرحه من خلال النص جاء ليرسخ وعي عزة الإنتماء والتشبث بالهوية ، وعدم الإنسلاخ من المقومات أو التسليم والتنكر لليقينيات والمسلمات ، ولكون نصه دعوة صريحة للتمسك بالتقاليد والتراث ، إلا أنه لا يخلو من إساءة للمعرفة ، وتقزيم لدور العلم في تحقيق المنفعة الإنسانية .
وأقصد تحديدا إساءته لعلم الطب على حساب تقاليد وموروثات شعبية بالية ، ألبسها الكاتب لبوس الورع والزهد والتقوى ، وقنعها بأقنعة الدين والتصوف ، وبهرجها بزينة التبرك بالصالحين ، لكأن رجاء بركتهم أجل وأعلى شأنا وأجدى نفعا من أي علم من العلوم .
كما أعيب على النص قصره ، والذي يبصمه ويضفي عليه إسم القصة لا الرواية ، لأنها لم تمنح شخوصها الثانويين حقهم في الحكي وإثبات الذات بإسماع صوتهم ، على عكس جنس الرواية التي تمنح لشخوصها فضاءات تعبيرية أرحب ، وحرية أكبر ووجودا كاملا غير مختزل ولا منقوص .
كما أنني أستغرب رقم ترتيبها في قائمة أجمل مئة رواية عربية ، حيث تحتل المرتبة السادسة والثلاثين ، وهذا إجحاف في حق الكثير من النصوص التي تفوقها روعة وجمالا .
ولعل لهذا الترتيب ولهذه المعايير القيمية خلفيات ودوافع ليس هذا مقام ذكرها .
لقد تطرق الكاتب الكبير يحي حقي باقتدار إلى تسليط الضوء على الصراع المحتدم بين العلم والدين والتقاليد ، أو بين المعرفة والإيمان والخرافة ، وإن كان قصده النبيل هو التأكيد على أن لا فائدة من العلم دون إيمان وهوية .
لقد نجح الكاتب في رصد حيثيات وتداعيات هذه الحرب الفكرية والروحية ، لكنه أخفق إلى حد بعيد في المزاوجة بين هذا الثالوث .
لأنها محاولة فاشلة في الجمع بين الأضداد والمتناقضات ، ولا أقصد تضاد العلم والدين ، لأنه لا تضاد بينهما ، إنما القصد التضاد والتماهي المستحيل بين العلم والخرافة .
كأن أحاول من خلال طول قراءتي التي يقرب عمرها عن ست وثلاثين سنة في صحبة الكتب ، في أن أجمع بين رواية لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هيسه التي تمجد وتقدس وتنتصر للعلم والتي نال على إثرها جائزة نوبل للآداب ، وبين قنديل أم هاشم التي تقدس الخرافة ، أليس هذا ضرب من الجنون يدركه من قاسمني قراءة النصين معا .
إن تطرقي للنص بهذه الموضوعية والحيادية ، ليس تقليلا من جماليته ، ولا هو حط من شأن مؤلفه ، خاصة وأن الكاتب الكبير يحي حقي ، قد أثبت براعته وعبقريته ، في كل تلك القصص التي احتوتها هذه الأضمومة القصصية الرائعة .
وأشهد بأن لنصوصه جمالا ضافيا ، يرقى على الكثير مما ينشر اليوم في حقلنا الأدبي من نصوص أقل ما يقال عنها أنها نصوص متواضعة لم تشتمل على الكثير من التشويق والإدهاش ، وعلى ذلك السحر السردي المبهر ، الذي يظل ميزة الملهمين ، وصنعة كبار الأدباء من أمثال يحي حقي ومن شاكله .
جمعي شايبي .