شاهدتُ حوارًا قديمًا للموسيقار محمد سلطان، يتحدث فيه عن فايزة أحمد، زوجته وشريكة حياته وأم أولاده، وصوتًا ارتبطت به ألحانه. كان الرجل قد تقدم به العمر، ومع ذلك، حين تحدث عنها، غلبه التأثر وبكى. لم يكن بكاء عابرًا، بل بدا كأن سنوات طويلة من الحب والذكريات قد تجمعت في لحظة واحدة، فخانته الكلمات.
توقفتُ أمام المشهد طويلًا. فخلف الحكاية العاطفية سؤالٌ فني وإنساني يستحق التأمل: كيف فشلت فايزة أحمد في معرفة حقيقة مشاعر شريك حياتها الى الدرجة التي رسخت في أذهاننا جميعا أنه عاش معها من أجل ( مصلحته ) الفنية فقط ..كيف لصاحبة هذا الصوت الاستثنائي، أن تظل أقل حضورًا في الوجدان العام من مطربات أخريات، مثل وردة الجزائرية، رغم ما امتلكته من موهبة وإمكانات صوتية؟
كانت فايزة، أو «كروان الشرق» كما لُقبت، صاحبة صوت فريد، منساب، لا يبدو أنه يبذل جهدًا كي يصل إلى المستمع. هناك أصوات تشعر وأنت تستمع إليها بأنها تحمل عبء الغناء؛ تضغط على الحروف، وتستعرض قدرتها، وكأنها تخوض معركة لإثبات جدارتها. أما فايزة، فكانت تغني وكأنها تترك صوتها يمضي في طريقه الطبيعي، بلا استعراض ولا افتعال أو كما نقول بالعامية ( بتغني وهي سايبة ايديها ) .. صوت يمنحك الراحة، ويصل إليك دون أن يطلب منك أن تنبهر به.
ومع ذلك، فإن امتلاك صوت بهذا الجمال لم يمنحها بالضرورة المكانة الجماهيرية نفسها التي حظيت بها وردة، ولا حجم الانتشار الذي حققته أغنيات الأخيرة، ولا ذلك الحضور الذي يجعل الفنان جزءًا من الذاكرة الجماعية لأجيال متعاقبة.
لماذا إذن؟
في تقديري، لا تكمن الإجابة في الموهبة وحدها، ولا حتى في جودة الصوت، وإنما في مجموعة من العوامل النفسية والفنية والإنسانية التي تصنع النجم، وفي مقدمتها ما يمكن أن نسميه الذكاء العاطفي، والقدرة على إدارة الذات والعلاقات والاختيارات.
بالطبع، لا يمكن اختزال الفارق بين فايزة ووردة في الشخصية وحدها؛ فهناك عوامل أخرى، منها الألحان والكلمات والتسويق والظروف الفنية وطبيعة المرحلة التي عاشتها كل منهما. لكن شخصية الفنان، في رأيي، تظل أحد العناصر التي قد تصنع مسيرته أو تعرقلها.
من خلال ما رُوي عن فايزة أحمد في لقاءات بعض معاصريها، وما تحدث عنه محمد سلطان نفسه، تتشكل صورة امرأة لم تكن حياتها العاطفية سهلة، ولا علاقتها بنفسها مستقرة بالقدر الكافي.
كانت، بحسب تلك الروايات، سريعة الانفعال، حادة المزاج، شديدة الحساسية تجاه الآخرين، ويبدو أن الغيرة والشك قد استنزفا جانبًا كبيرًا من طاقتها النفسية. وربما كان وراء ذلك شعور عميق بعدم الأمان، لا سيما في علاقتها بزوجها محمد سلطان، الذي كان يتمتع بالوسامة والحضور، والذي ارتبطت به عاطفيًا وفنيًا.
لا أستطيع الجزم بما كانت تشعر به في داخلها، لكن يبدو لي أن تلك المرأة التي تمتلك موهبة كبيرة كانت عاجزة عن الشعور بالاطمئنان إلى قيمتها ( كإمرأة ) . فالثقة بالنفس ليست نتيجة حتمية للنجاح، كما أن تصفيق الجمهور لا يعالج بالضرورة جرحًا داخليًا.
قد يعرف الإنسان أنه موهوب، لكنه لا يشعر بأنه محبوب بما يكفي. وقد يقتنع بأنه ناجح، لكنه يظل خائفًا من أن يأتي يوم يكتشف فيه الآخرون شخصًا أفضل منه.
وهنا تبدأ المفارقة: بدلًا من أن يصبح النجاح مصدرًا للأمان، يتحول إلى شيء يجب الدفاع عنه باستمرار، وبدلًا من أن تكون العلاقة العاطفية مساحة للطمأنينة، تصبح ساحة لاختبار الحب وقياسه ومراقبة احتمالات فقدانه.
والغيرة، حين تتجاوز حدودها الطبيعية، لا تحمي العلاقة بالضرورة؛ بل قد تستهلكها. والشك المستمر لا يمنح صاحبه ضمانًا ضد الخيانة أو الفقد، وإنما يسلبه القدرة على الاستمتاع بما يملكه بالفعل.
ثمة فرق بين الذكاء الذي يجعل الإنسان قادرًا على الغناء بإتقان، والذكاء الذي يجعله قادرًا على إدارة حياته الفنية والإنسانية بنجاح .
الفنان يحتاج إلى أن يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يتجاهل، ومتى يواجه. يحتاج إلى أن يختلف دون أن يحوّل كل خلاف إلى معركة، وأن يتقبل نجاح الآخرين دون أن يراه انتقاصًا من نجاحه، وأن يدرك أن محبة الناس ليست موردًا محدودًا يتنافس الجميع على اقتسامه.
وتبدو هذه المهارات شديدة الأهمية في الوسط الفني، حيث تختلط المنافسة المهنية بالعلاقات الشخصية، ويتجاور الإعجاب مع الغيرة، ويصبح الفنان محاطًا بآراء متناقضة ومصالح متشابكة.
وحين يفتقر الإنسان إلى الشعور الداخلي بالأمان، قد يفسر النقد باعتباره عداءً، والاختلاف باعتباره تقليلًا من شأنه، ونجاح زميله باعتباره تهديدًا لمكانته.
وهكذا يستهلك في معاركه الجانبية ما كان يمكن أن يستثمره في فنه.
ولعل هذا أحد الأوجه التي تستحق التأمل في سيرة فايزة أحمد. فقد عُرف عنها، في بعض الروايات، دخولها في خلافات مع عدد من الفنانين، رغم ما نُقل عنها أيضًا من طيبة القلب وخفة الظل. وليس في الأمر تناقض بالضرورة؛ فالإنسان قد يكون طيبًا في جوهره، لكنه متعب في علاقاته، وقد يمتلك حسًا مرهفًا يجعله فنانًا عظيمًا، ثم يعجز عن توظيف هذا الحس في فهم نفسه والآخرين.
بينما تجربة وردة الجزائرية تفتح بابًا للتأمل في أهمية اجتماع الصوت بالاختيارات المناسبة، وبالأغنية التي تعيش، وبالحضور الذي يستطيع أن يتجدد. وقد أسهم تعاونها مع بليغ حمدي في تقديم أعمال أصبحت علامات في تاريخ الأغنية العربية، كما أن شخصيتها الفنية وأداءها واختياراتها أسهمت في تكوين صورتها لدى الجمهور.
أما فايزة، فعلى الرغم من رصيدها المهم من الأغنيات، فإن بعض اختياراتها الغنائية لم تكن، في رأيي، بالقوة نفسها التي يوحي بها جمال صوتها. كنت أشعر أحيانًا بأن الأغنية تبدأ من منطقة شديدة الجمال، ثم لا تحافظ كلماتها أو بنيتها اللحنية على المستوى نفسه حتى نهايتها. كما أن إطالة بعض المقاطع وتكرار الكوبليهات في الحفلات كانا، في بعض الأحيان، ينتقصان من أثر الأغنية بدلًا من أن يضاعفاه.
وهذه ملاحظة تتعلق بتجربتي في الاستماع والتذوق، لا حكمًا نهائيًا على مجمل تراثها الفني.
.
فالمطرب لا يحتاج إلى صوت جميل فحسب، وإنما يحتاج إلى أغنية تليق بصوته، وكلمات تترك أثرًا، ولحن يكشف إمكاناته، وأداء يعرف كيف يمنح المستمع متعة الاكتفاء بدلًا من الإلحاح عليه.
الفن ليس مسابقة في قوة الحنجرة، ولا استعراضًا للقدرة على التطريب. أحيانًا تكون العبقرية في معرفة اللحظة التي يجب أن يتوقف فيها الغناء، وفي ترك مساحة للمستمع كي يشتاق إلى ما سمعه.
تعود بي هذه الأفكار إلى ذلك الحوار الذي بدأ منه كل شيء: محمد سلطان، الرجل الذي انفصل عن فايزة أحمد، لكنه ظل يتحدث عنها بحب بالغ، حتى أبكته الذكرى بعد سنوات طويلة.
بعد طلاقهما، تزوجت فايزة من ضابط شرطة، ثم مرت بسنواتها الأخيرة وهي تعاني المرض، وعاد محمد سلطان إلى جانبها، بحسب ما رُوي عن تلك المرحلة، وظل معها حتى وفاتها.
في هذا المشهد شيء مؤلم؛ أن يصبح الإنسان، بعد انتهاء الصراع، قادرًا على رؤية ما كان بين يديه بصورة مختلفة. وأن يبقى الحب في ذاكرة أحد الطرفين، حتى بعد أن تنتهي الحياة المشتركة.
لا نعرف على وجه اليقين ما الذي كانت فايزة تشعر به، ولا يصح أن نحكم على قدرتها على إدراك حب محمد سلطان من مشهد أو رواية. لكن الحكاية تذكرنا بحقيقة إنسانية مؤلمة: قد نمتلك الحب، ثم نُرهق أنفسنا بالخوف من فقدانه إلى الحد الذي يعجزنا عن الاستمتاع به.
وربما يكون بعض الناس، بسبب هشاشتهم الداخلية، أكثر انشغالًا باحتمال الهجر من انشغالهم بالحضور الفعلي لمن يحبونهم. يطلبون الطمأنينة، لكنهم لا يستطيعون تصديقها حين تأتيهم، ويبحثون عن دليل جديد على الحب، بينما تستنزفهم محاولات الحصول عليه.
وليس بالضرورة أن يكون الفنان الأكثر موهبة هو الأكثر نجاحًا، كما أن الفنان الأكثر نجاحًا ليس بالضرورة هو الأفضل صوتًا أو أداءً. قد يمتلك أحدهم موهبة استثنائية، لكنه لا يعرف كيف يقدمها، أو يختار لها ما يناسبها، أو يحميها من صراعاته الداخلية. وقد يمتلك آخر موهبة أقل، لكنه يعرف جيدًا أين يضعها، وكيف يطورها، وكيف يصل بها إلى الناس.
والأمر لا يقتصر على الفن. كم من إنسان يمتلك قدرات كبيرة، لكنه يبددها في الغيرة والمقارنة والخصومات، وكم من إنسان بقدرات عادية استطاع أن يحقق نجاحًا لافتًا لأنه يعرف نفسه، ويجيد التعامل مع الآخرين، ولا يستهلك عمره في إثبات أنه يستحق مكانه.
أما فايزة أحمد، فستظل صاحبة صوت لا يشبه غيره، وتجربة فنية تستحق الإنصاف والاحتفاء. وربما يكون أكثر ما يؤسفني في حكايتها أن الموهبة التي بدت على هذا القدر من السلاسة والراحة، لم تكن الحياة التي وراءها بالضرورة على القدر نفسه من الهدوء.
فليس كافيًا أن تمتلك ما يجعلك جديرًا بالنجاح؛ ينبغي أيضًا أن تمتلك من الوعي ما يساعدك على الوصول إليه، ومن الثقة ما يجعلك قادرًا على الاحتفاظ به، ومن السلام الداخلي ما يسمح لك بأن تستمتع به.
توقفتُ أمام المشهد طويلًا. فخلف الحكاية العاطفية سؤالٌ فني وإنساني يستحق التأمل: كيف فشلت فايزة أحمد في معرفة حقيقة مشاعر شريك حياتها الى الدرجة التي رسخت في أذهاننا جميعا أنه عاش معها من أجل ( مصلحته ) الفنية فقط ..كيف لصاحبة هذا الصوت الاستثنائي، أن تظل أقل حضورًا في الوجدان العام من مطربات أخريات، مثل وردة الجزائرية، رغم ما امتلكته من موهبة وإمكانات صوتية؟
كانت فايزة، أو «كروان الشرق» كما لُقبت، صاحبة صوت فريد، منساب، لا يبدو أنه يبذل جهدًا كي يصل إلى المستمع. هناك أصوات تشعر وأنت تستمع إليها بأنها تحمل عبء الغناء؛ تضغط على الحروف، وتستعرض قدرتها، وكأنها تخوض معركة لإثبات جدارتها. أما فايزة، فكانت تغني وكأنها تترك صوتها يمضي في طريقه الطبيعي، بلا استعراض ولا افتعال أو كما نقول بالعامية ( بتغني وهي سايبة ايديها ) .. صوت يمنحك الراحة، ويصل إليك دون أن يطلب منك أن تنبهر به.
ومع ذلك، فإن امتلاك صوت بهذا الجمال لم يمنحها بالضرورة المكانة الجماهيرية نفسها التي حظيت بها وردة، ولا حجم الانتشار الذي حققته أغنيات الأخيرة، ولا ذلك الحضور الذي يجعل الفنان جزءًا من الذاكرة الجماعية لأجيال متعاقبة.
لماذا إذن؟
في تقديري، لا تكمن الإجابة في الموهبة وحدها، ولا حتى في جودة الصوت، وإنما في مجموعة من العوامل النفسية والفنية والإنسانية التي تصنع النجم، وفي مقدمتها ما يمكن أن نسميه الذكاء العاطفي، والقدرة على إدارة الذات والعلاقات والاختيارات.
بالطبع، لا يمكن اختزال الفارق بين فايزة ووردة في الشخصية وحدها؛ فهناك عوامل أخرى، منها الألحان والكلمات والتسويق والظروف الفنية وطبيعة المرحلة التي عاشتها كل منهما. لكن شخصية الفنان، في رأيي، تظل أحد العناصر التي قد تصنع مسيرته أو تعرقلها.
من خلال ما رُوي عن فايزة أحمد في لقاءات بعض معاصريها، وما تحدث عنه محمد سلطان نفسه، تتشكل صورة امرأة لم تكن حياتها العاطفية سهلة، ولا علاقتها بنفسها مستقرة بالقدر الكافي.
كانت، بحسب تلك الروايات، سريعة الانفعال، حادة المزاج، شديدة الحساسية تجاه الآخرين، ويبدو أن الغيرة والشك قد استنزفا جانبًا كبيرًا من طاقتها النفسية. وربما كان وراء ذلك شعور عميق بعدم الأمان، لا سيما في علاقتها بزوجها محمد سلطان، الذي كان يتمتع بالوسامة والحضور، والذي ارتبطت به عاطفيًا وفنيًا.
لا أستطيع الجزم بما كانت تشعر به في داخلها، لكن يبدو لي أن تلك المرأة التي تمتلك موهبة كبيرة كانت عاجزة عن الشعور بالاطمئنان إلى قيمتها ( كإمرأة ) . فالثقة بالنفس ليست نتيجة حتمية للنجاح، كما أن تصفيق الجمهور لا يعالج بالضرورة جرحًا داخليًا.
قد يعرف الإنسان أنه موهوب، لكنه لا يشعر بأنه محبوب بما يكفي. وقد يقتنع بأنه ناجح، لكنه يظل خائفًا من أن يأتي يوم يكتشف فيه الآخرون شخصًا أفضل منه.
وهنا تبدأ المفارقة: بدلًا من أن يصبح النجاح مصدرًا للأمان، يتحول إلى شيء يجب الدفاع عنه باستمرار، وبدلًا من أن تكون العلاقة العاطفية مساحة للطمأنينة، تصبح ساحة لاختبار الحب وقياسه ومراقبة احتمالات فقدانه.
والغيرة، حين تتجاوز حدودها الطبيعية، لا تحمي العلاقة بالضرورة؛ بل قد تستهلكها. والشك المستمر لا يمنح صاحبه ضمانًا ضد الخيانة أو الفقد، وإنما يسلبه القدرة على الاستمتاع بما يملكه بالفعل.
ثمة فرق بين الذكاء الذي يجعل الإنسان قادرًا على الغناء بإتقان، والذكاء الذي يجعله قادرًا على إدارة حياته الفنية والإنسانية بنجاح .
الفنان يحتاج إلى أن يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يتجاهل، ومتى يواجه. يحتاج إلى أن يختلف دون أن يحوّل كل خلاف إلى معركة، وأن يتقبل نجاح الآخرين دون أن يراه انتقاصًا من نجاحه، وأن يدرك أن محبة الناس ليست موردًا محدودًا يتنافس الجميع على اقتسامه.
وتبدو هذه المهارات شديدة الأهمية في الوسط الفني، حيث تختلط المنافسة المهنية بالعلاقات الشخصية، ويتجاور الإعجاب مع الغيرة، ويصبح الفنان محاطًا بآراء متناقضة ومصالح متشابكة.
وحين يفتقر الإنسان إلى الشعور الداخلي بالأمان، قد يفسر النقد باعتباره عداءً، والاختلاف باعتباره تقليلًا من شأنه، ونجاح زميله باعتباره تهديدًا لمكانته.
وهكذا يستهلك في معاركه الجانبية ما كان يمكن أن يستثمره في فنه.
ولعل هذا أحد الأوجه التي تستحق التأمل في سيرة فايزة أحمد. فقد عُرف عنها، في بعض الروايات، دخولها في خلافات مع عدد من الفنانين، رغم ما نُقل عنها أيضًا من طيبة القلب وخفة الظل. وليس في الأمر تناقض بالضرورة؛ فالإنسان قد يكون طيبًا في جوهره، لكنه متعب في علاقاته، وقد يمتلك حسًا مرهفًا يجعله فنانًا عظيمًا، ثم يعجز عن توظيف هذا الحس في فهم نفسه والآخرين.
بينما تجربة وردة الجزائرية تفتح بابًا للتأمل في أهمية اجتماع الصوت بالاختيارات المناسبة، وبالأغنية التي تعيش، وبالحضور الذي يستطيع أن يتجدد. وقد أسهم تعاونها مع بليغ حمدي في تقديم أعمال أصبحت علامات في تاريخ الأغنية العربية، كما أن شخصيتها الفنية وأداءها واختياراتها أسهمت في تكوين صورتها لدى الجمهور.
أما فايزة، فعلى الرغم من رصيدها المهم من الأغنيات، فإن بعض اختياراتها الغنائية لم تكن، في رأيي، بالقوة نفسها التي يوحي بها جمال صوتها. كنت أشعر أحيانًا بأن الأغنية تبدأ من منطقة شديدة الجمال، ثم لا تحافظ كلماتها أو بنيتها اللحنية على المستوى نفسه حتى نهايتها. كما أن إطالة بعض المقاطع وتكرار الكوبليهات في الحفلات كانا، في بعض الأحيان، ينتقصان من أثر الأغنية بدلًا من أن يضاعفاه.
وهذه ملاحظة تتعلق بتجربتي في الاستماع والتذوق، لا حكمًا نهائيًا على مجمل تراثها الفني.
.
فالمطرب لا يحتاج إلى صوت جميل فحسب، وإنما يحتاج إلى أغنية تليق بصوته، وكلمات تترك أثرًا، ولحن يكشف إمكاناته، وأداء يعرف كيف يمنح المستمع متعة الاكتفاء بدلًا من الإلحاح عليه.
الفن ليس مسابقة في قوة الحنجرة، ولا استعراضًا للقدرة على التطريب. أحيانًا تكون العبقرية في معرفة اللحظة التي يجب أن يتوقف فيها الغناء، وفي ترك مساحة للمستمع كي يشتاق إلى ما سمعه.
تعود بي هذه الأفكار إلى ذلك الحوار الذي بدأ منه كل شيء: محمد سلطان، الرجل الذي انفصل عن فايزة أحمد، لكنه ظل يتحدث عنها بحب بالغ، حتى أبكته الذكرى بعد سنوات طويلة.
بعد طلاقهما، تزوجت فايزة من ضابط شرطة، ثم مرت بسنواتها الأخيرة وهي تعاني المرض، وعاد محمد سلطان إلى جانبها، بحسب ما رُوي عن تلك المرحلة، وظل معها حتى وفاتها.
في هذا المشهد شيء مؤلم؛ أن يصبح الإنسان، بعد انتهاء الصراع، قادرًا على رؤية ما كان بين يديه بصورة مختلفة. وأن يبقى الحب في ذاكرة أحد الطرفين، حتى بعد أن تنتهي الحياة المشتركة.
لا نعرف على وجه اليقين ما الذي كانت فايزة تشعر به، ولا يصح أن نحكم على قدرتها على إدراك حب محمد سلطان من مشهد أو رواية. لكن الحكاية تذكرنا بحقيقة إنسانية مؤلمة: قد نمتلك الحب، ثم نُرهق أنفسنا بالخوف من فقدانه إلى الحد الذي يعجزنا عن الاستمتاع به.
وربما يكون بعض الناس، بسبب هشاشتهم الداخلية، أكثر انشغالًا باحتمال الهجر من انشغالهم بالحضور الفعلي لمن يحبونهم. يطلبون الطمأنينة، لكنهم لا يستطيعون تصديقها حين تأتيهم، ويبحثون عن دليل جديد على الحب، بينما تستنزفهم محاولات الحصول عليه.
وليس بالضرورة أن يكون الفنان الأكثر موهبة هو الأكثر نجاحًا، كما أن الفنان الأكثر نجاحًا ليس بالضرورة هو الأفضل صوتًا أو أداءً. قد يمتلك أحدهم موهبة استثنائية، لكنه لا يعرف كيف يقدمها، أو يختار لها ما يناسبها، أو يحميها من صراعاته الداخلية. وقد يمتلك آخر موهبة أقل، لكنه يعرف جيدًا أين يضعها، وكيف يطورها، وكيف يصل بها إلى الناس.
والأمر لا يقتصر على الفن. كم من إنسان يمتلك قدرات كبيرة، لكنه يبددها في الغيرة والمقارنة والخصومات، وكم من إنسان بقدرات عادية استطاع أن يحقق نجاحًا لافتًا لأنه يعرف نفسه، ويجيد التعامل مع الآخرين، ولا يستهلك عمره في إثبات أنه يستحق مكانه.
أما فايزة أحمد، فستظل صاحبة صوت لا يشبه غيره، وتجربة فنية تستحق الإنصاف والاحتفاء. وربما يكون أكثر ما يؤسفني في حكايتها أن الموهبة التي بدت على هذا القدر من السلاسة والراحة، لم تكن الحياة التي وراءها بالضرورة على القدر نفسه من الهدوء.
فليس كافيًا أن تمتلك ما يجعلك جديرًا بالنجاح؛ ينبغي أيضًا أن تمتلك من الوعي ما يساعدك على الوصول إليه، ومن الثقة ما يجعلك قادرًا على الاحتفاظ به، ومن السلام الداخلي ما يسمح لك بأن تستمتع به.