الدكتورة عزة بدر - «ملمس البحر وميلاد جديد» قراءة في رواية «عدالة الذئاب» للأديب أحمد عبدالله إسماعيل

في نقابة الصحفيين، ضمن فعاليات صالون أقلام ذهبية، تناولت الصحفية القديرة والكاتبة الدكتورة عزة بدر رواية الأديب أحمد عبدالله إسماعيل في يوم السبت الثالث من شهر النصر، وقد أشادت بالعمل الروائي بكلمات مؤثرة تتردد حتى اللحظة في حنايا القلب:



كلمة الناقدة الدكتورة عزة بدر:

أحسن الأديب أحمد عبدالله إسماعيل إدارة الصراع بين شخوص روايته، فاتكأ على تقنياتٍ سرديةٍ رفيعة، في مقدمتها المونولوج الذي أنطق به كل شخصية عن ذاتها، عبر تيار الوعي الذي أولاه عنايةً بيّنة. ولم يكن الحوار أقلَّ حضورًا، فقد سطع بين الأب والابن، وكشف عمّا استتر في أعماق كلٍّ منهما.

وتنهض الرواية على ميلادين متوازيين: ميلاد الأب وميلاد الابن معًا.

ميلاد الأب: الغرق بوابةً إلى الحياة

افتتح الكاتب روايته بمشهد الغرق. سافر سمير في هجرة غير شرعية بعدما ضاقت به السبل، فلم يجد مجالًا يحقق فيه موهبته ويبني مستقبله، وتاقت نفسه إلى أن يعيد تشكيل ذاته من جديد. وقد رسم مشاهد الهجرة بأسلوبٍ بديع عميق الأثر، بلغ ذروته في مشهد النجاة. هناك يلامس سمير الماء فيرتجف جسده، وتسري الملوحة على شفتيه، ويلتفّ البحر على جلده كأنه ثوبٌ بارد. تشدّه الأعماق إلى هاويةٍ لا قرار لها، فيرى قريته ومضاتٍ تتبعثر في الظلام، ويدوّي قلبه في رأسه كطبولٍ بدائية. ثم يندفع إلى السطح لاهثًا، فيلمح قارب خفر السواحل، لكن الكبرياء والعناد يغلبانه، فيأبى أن تكون الاستغاثة اعترافًا بهزيمة. وينتهي المشهد بعبارةٍ جامعة: إن صراعه مع البحر صراعٌ مع نفسه، وأنه يريد ولادةً ثانية.

رسم الكاتب مشاهد الهجرة غير الشرعية بأسلوب جميل جدًا وعميق للغاية. وقد برز جمال الأسلوب اللغوي في هذه الرواية في مشهد نجاة سمير من الغرق حيث يقول في متن النص الروائي:
"ما إن لامستُ الماء حتى ارتجف جسدي ارتجافةً أفلتت من إرادتي؛ لسعةُ الملوحة تسرّبت إلى شفتَيّ، وملمسُ البحر انطبع على جلدي كجلدٍ باردٍ يلتفّ حولي. غصتُ حتى كتفَيّ، فشعرتُ بالأعماق تنقضّ عليّ مثل يدٍ خفيّةٍ تجرّني إلى هاويةٍ بلا قاع.
في العتمة الداكنة كأن حوتًا قد ابتلعني، دوّى خفق قلبي كطبولٍ بدائيةٍ تُدوّي في جمجمتي. رأيتُ ومضاتٍ من قريتي تتبعثر في الظلام مثل شراراتٍ تغرق، وشممتُ رائحة الطحالب المالحة تمتزج بنكهة المعدن التي علقت بلساني. الملح أحرق عينَيّ، وصوت هدير البحر تردّد في أذنيّ كهمهمةٍ عتيقةٍ لا أفهمها وأشعر بها في العظم. الألم في رأسي كان شرارةً حمراء تتقافز في العتمة، كأنها تعلن تمرّد دمي على جسدي.
اندفعتُ إلى السطح ألهث، ألتلتقط هواءً حادّ المذاق برائحة صدأ، ومع ذلك ظلّ شهيقي قاصرًا عن إنعاش رئتي. أبصرتُ في الأفق قارب خفر السواحل، أضواؤه تتراقص كأعينٍ فضوليةٍ تتعهّد هزيمتي. عندها اجتاحني مزيجٌ مفاجئٌ من كبرياء وعناد، كأنّ استغاثتي طلبًا للإنقاذ اعترافٌ بهزيمةٍ لا أحتملها.
تلوّيتُ في الماء مثل سمكةٍ جريحة، أضرب الأمواج بقدمَيّ، أُعاندها كما أُعاند قدري. لسعتني برودة الماء كآلاف الإبر، وصفعتني الريح المالحة على وجهي كلما ارتفعتُ مع موجةٍ متمردة. لوّحتُ بذراعيّ بحركاتٍ يائسةٍ مضطربة، أُناطح الموج المتصاعد كأنني أُعلن أن الخلاص لا يُملى عليّ، بل أنتزعه بقراري الأخير.
كان صراعي مع البحر صراعًا مع نفسي: أن أعيش لا كناجٍ عابر، بل كمن يختار ولادةً ثانية، ولادةً تصنعها إرادتي وحدي."

وحين امتنعت السلطات الإيطالية عن إغاثتهم لأنهم لم يبلغوا المياه الإقليمية، أبى سمير أن يستسلم للغرق. صارع الموج بيديه، وتعلّم كيف يشقّ طريقه في الماء حتى سبح بلا عونٍ من أحد، فكانت الولادة من رحم الموت.

ميلاد الابن: الهوية بين أرضين

أما شلومو فميلاده الثاني ثمرة رسالةٍ من أمه إيڤا، تخبره فيها أنه ابن سمير الشرعي لا ابن أبراهام. فيجلس أمام شاشته في ليلٍ قارس، ويكتب بأصابع مرتعشة: «إفريقيا، مصر، العرب». وتنفتح الشاشة نافذةً على ذاكرةٍ منسية: النيل خيطٌ من زمنٍ ضائع، والتماثيل الفرعونية تحدّق إليه، والأهرامات يحتضنها الغروب. ويشعر أن صخورًا عمرها آلاف السنين تناديه باسمٍ لم يُسمَّ به قط. فقد سمّاه أبوه الحقيقي سليمان، وسمّاه أبراهام شلومو، وهو يستشعر في أعماقه اسمًا ثالثًا لم يُنادَ به.
قال في المتن الروائي:
"في صَمْتِ الليل، تحت قبضة الصقيع القاسي، جثم شلومو منحنيًا أمام شاشة حاسوبه. كان الضوء الأزرق الخافت ينحت ملامح حيرته العميقة وكأبته. نقر بأصابع مرتعشة: "إفريقيا، مصر، العرب".
انشقت الشاشة كنافذةٍ على ذاكرة منسية. توهج النيل كخيطٍ من زمن ضائع، بينما أحسّ بأن التماثيل الفرعونية تُحدّق إليه بنظرةٍ صارمة. توقف نبضه عند صورة غروب يحتضن الأهرامات.
لم تطأها قدماه من قبل، إلا أنه شعر في أعماقه بأن صخورًا عاشت آلاف السنين تناديه باسمٍ لم يُسَمَّ به قطُ".

ومع الفجر يحزم حقيبته بعزمٍ لا يتردد، وفي أذنه نداء أبيه الأخير. يغلق الباب دون أن يلتفت، وفي يده تذكرة إلى القاهرة، وقلبه يخفق لأول مرة منذ سنين كطائرٍ حطّ أخيرًا على غصنه الموعود.

الحقيقة الغائبة

تلك إذن حكاية أبٍ وابنٍ يولدان من جديد، فيفهمان الحياة فهمًا آخر، ويصنعانها بأيديهما، ويخوضان أنواءها وشدائدها. ولا تخلو الحكاية من الدسائس. فأبراهام يبثّ في ذهن شلومو أفكارًا مضللة، ويهدد إيڤا فريدمان من جهة ويغريها بمنصبٍ من جهة أخرى. وهي شخصية مراوغة، تحسن اقتناص المواقف. فلما عرض عليها سمير نصف ما يملك لقاء أن تنطق بالحقيقة، أرادت أن تناور، وأن تحمل شلومو على المناورة معها، طمعًا في ما يبذله الأب ثمنًا لها.

وغياب الحقيقة هو المعضلة المحورية في الرواية. وقد أبدع الكاتب في تصوير الصراع الداخلي لأبطاله، حتى جعل شلومو يقول: «أنا ابن رجلين، وابن أرضين، وابن حقيقتين تتصارعان في صدري». هنا يتجه الكاتب إلى الإنسان نفسه، إلى من وجد نفسه بين هويتين ثم اهتدى إلى حقيقة أمره.

بدا له شبح سمير في ضباب الذاكرة، عيناه تحملان جراح مائة عام: "يا بُني، لقد اغتُصبت أرضنا مرتين: مرة عندما سُلبَت بيوتنا، ومرة عندما سُلِبَ منا حق المطالبة بالعودة إليها".

يدرك الأب بهذه الكلمات أن القضية أوسع من استرداد ولد، فهي قضية أصلٍ وعرضٍ وحضارة.

يقول في المتن الروائي: مسح دمعة خفية كأنها قطرات ندى على زجاج الروح،
ثم أضاف:"لكنني سأبقى هنا أمشي على حافة الهاوية حاملاً قلبك كشمعة في عتمة الليل؛ لأن الهروب خسارة للذات، والتخلي عن جزء منّا هو الموت البطيء".

لقد أحببت هذه الرواية حبًّا جمًّا، لجمال أسلوبها في رسم الشخصيات، ولحسن توظيف الأديب للمونولوج والحوار في بناء مشاهد آسرة. ولغتها متميزة، تخاطب الوجدان واللسان معًا، وتعالج قضايا العصر، وتختار لها رموزًا فنية معبّرة عن الأرض والولد والحياة القادمة والمستقبل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...