فاتن صبحي عبدالمجيد - حين تنتهي الحرب ولا تنتهي... قراءة في قصة " ظل الخبز" للأديبة: عائشة أبو ليل

حين انتهت الحرب لم تغادر المدينة. بهذه الجملة تفتتح الأديبة عائشة أبو ليل نصها "ظل الخبز" على مفارقة تختصر جوهر الحكاية فالحرب قد تنتهي بوصفها حدث لكنها لا تنتهي بالضرورة من داخل الذين عاشوها. ومن البداية لا تقدم الكاتبة الحرب في صورتها المباشرة وإنما تجعلها أثر مقيم في المكان والذاكرة والأشياء تخلع خوذتها وتعلقها على باب الأيام ثم تترك خلفها صمتًا أثقل من صوت القذائف.
ومن هنا يأتي العنوان "ظل الخبز" بوصفه مفتاح دلالي للنص فالخبز حاضر في الظاهر لكنه غائب في الحقيقة والناس لا ينتظرون رغيف بقدر ما ينتظرون بقايا حياة كانت تبدو يومًا عادية وممكنة. فالظل هو ما تبقى من الشيء بعد غيابه ولذلك يصبح الخبز رمز للحياة والأمان والحق البسيط في الشبع بينما يتحول انتظاره إلى صورة لحياة كاملة معلقة على وعد لا يتحقق.
وتبرع الكاتبة في تحويل آثار الحرب إلى تفاصيل حية فالغبار يدخل البيوت ويستقر على صور الراحلين وأرغفة الأمس حتى يبدو "كأنه الطبقة الأخيرة من الوطن" والأشجار تقف مثل شهود لم يستدعوا إلى المحكمة والحمام يحط بحذر ثم يطير سريعًا "كأنه لا يثق بالسماء"لا تصف هذه الصور الخراب فحسب بل تمنح الأشياء ذاكرة حتى يصبح المكان نفسه شاهد على ما حدث.
وفي قلب هذا المكان يأتي الطابور وهو أكثر من مشهد للحصول على الخبز إنه صورة مكثفة للإنسان الذي تحول إلى منتظر. رجال ونساء وعجائز يعرفون الطريق إلى الساحة كما تعرف المياه مجراها وكأن الانتظار صار جزء من يومهم. ولهذا تبدو عبارة العجوز " الدور يصل دائمًا... إلا أصحابه" أبعد من معناها المباشر فالزمن يتحرك والأدوار تتبدل لكن أصحابها يظلون عالقين في الانتظار.
حتى التفاصيل الصغيرة تحمل دلالتها. فالطفل الذي يدفع إطار دراجة بلا دراجة يركض خلف لعبة ناقصة لكنه في الوقت نفسه يستعيد شيء من طفولة لم تستطع الحرب أن تنتزعه منه. وحين يقول الرجل: "الحمد لله... ما زال يركض. لم تعلمه الحرب الوقوف" يصبح الركض فعل حياة في مواجهة واقع يريد للإنسان أن يتوقف.
ثم يأتي بائع الكتب ليضيف طبقة الذاكرة والتاريخ. الروايات التي فقدت نهاياتها وكتب التاريخ التي تبدأ من منتصف الصفحة ودفاتر الأطفال التي توقفت عند رسوم لم تكتمل ترسم عالم لم يفقد أشياءه فحسب بل فقد أجزاء من حكايته أيضًا. وحين يقول البائع " نفد منذ سنوات... لم يعد أحد يطلبه" يصبح التاريخ نفسه شيئًا غائبًا عن التداول وكأن المدينة لم تعد قادرة على استعادة قصتها كاملة.
وفي لحظة مرور السيارة السوداء تتغير لغة المكان دون حاجة إلى تسمية صاحبها أو شرح سلطته. ينشق الطابور من تلقاء نفسه ثم يعود إلى مكانه وتتحرك الأجساد قبل العقول بينما تنخفض العيون إلى الأرض فقد تعلم الناس أن "للعيون ثمنًا" هنا يتحول الصمت إلى لغة وتصبح الحركة الجماعية أكثر بلاغة من أي تصريح مباشر.
ثم تصل عربة الخبز ويبدأ التوزيع: رغيف ثم رغيف ثم نصف رغيف قبل أن تتوقف اليد. لا احتجاج ولا ضجيج وكأن الحرمان أصبح مألوف إلى الدرجة التي فقد معها الناس قدرتهم على الدهشة. لكن المفاجأة الاكبر تأتي حين يمد العجوز يده داخل العربة ثم يخرجها نظيفة ويقول "لم يكن فيها خبز".
هنا يعاد بناء القصة كلها من جديد. فالطابور لم يكن ينتظر رغيفًا فقط وإنما كان ينتظر وعد بالحياة. والمدينة لم تكن تعاني من نقص الخبز وحده بل من غياب ما يجعل الانتظار ذا معنى. لذلك تأتي عبارة العجوز "منذ سنوات... ونحن نأتي إليها ممتلئين. ونعود منها فارغين" فالممتلئ هنا هو الأمل والفارغ هو الإنسان الذي استنزفه الانتظار.
فالناس لا يملكون الخبز وإنما يملكون ظله: رائحته في الذاكرة صورته في الحكايات ووعده القديم. وحتى الساعة المعلقة في البرج تنسجم مع هذا العالم الناقص وجه دائري من حجر بلا عقارب ومع ذلك لا يكف الناس عن النظر إليها. إنها صورة لزمن فقد قدرته على الحركة أو لمدينة توقفت عند لحظة لم تستطع تجاوزها.
لكن الكاتبة لا تترك الساعة ساكنة حتى النهاية فالساعة التي بلا عقارب تدق. مرة ثم مرتين ثم عشر مرات حتى تغادر الطيور الأسطح دفعة واحدة. وهنا تأتي النهاية مفتوحة ومقلقة قد تكون الدقات إعلان عن عودة الزمن أو إنذار أو استدعاء لذاكرة ظلت مدفونة لكن القصة لا تمنح إجابة " بقيت الساعة تدق دون أن يعرف أحد لماذا تدقّ".
وهذه النهاية تحديدًا تمنح القصة قوتها لأنها لا تغلق المعنى بل تعيد القارئ إلى السؤال الذي بدأت منه القصة : إذا كانت الحرب قد انتهت فلماذا ما زالت المدينة تعيش آثارها؟
وتكمن قوة قصة "ظل الخبز" على أن الكاتبة لا تصرح بالمعاني مباشرة فلا تقول الفقر أو الخوف أو القمع أو ضياع الذاكرة وإنما تجعلنا نراها في عربة فارغة وطابور طويل وكتاب مبتور وطفل يركض خلف إطار وسيارة تفسح لها الأجساد الطريق وساعة بلا عقارب. هكذا تصنع من الأشياء الناقصة عالم كامل: خبز غائب ودراجة ناقصة وكتب بلا نهايات وزمن بلا عقارب وحرب انتهت ولم تغادر.
ولعل أعمق ما تتركه القصة أن الخبز لا يبقى خبز بل صورة للحياة حين تتحول أبسط حقوق الإنسان إلى وعد مؤجل وحين يصبح الانتظار نفسه طريقة للعيش. لذلك فإن قصة "ظل الخبز" ليست قصة عن مدينة خرجت من الحرب بقدر ما هي حكاية عن مدينة لم تستطع أن تخرج من آثارها مدينة ما زالت تنظر إلى ساعة لا عقارب لها وتنتظر أن يأتي يوم يصبح فيه للانتظار نهاية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...