نافي بيلاي ونوبل للسلام: غزة تختبر مصداقية القانون الدولي

نافي بيلاي ونوبل للسلام: غزة تختبر مصداقية القانون الدولي

إعداد: المحامي علي أبو حبلة

باحث في القانون الدولي

لم تعد الحرب على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية ذات تداعيات إنسانية وسياسية، بل أصبحت اختباراً عملياً لمدى قدرة القانون الدولي على الانتقال من النصوص والاتفاقيات إلى حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. ففي الوقت الذي تؤكد فيه المواثيق الدولية حرمة المدنيين وضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، تثير المعاناة الإنسانية المستمرة والتباينات في المواقف الدولية تساؤلات جوهرية حول فاعلية منظومة العدالة الدولية، ومدى استقلالها عن حسابات القوة والمصالح السياسية.

وفي هذا السياق، أعاد منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي النقاش حول العلاقة بين العدالة والسياسة إلى الواجهة، بالنظر إلى مسيرتها الحقوقية ودورها في لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل. وتتجاوز دلالة هذا الحدث تكريم شخصية قانونية، لتطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن ضمان تطبيق القواعد القانونية ذاتها على جميع الأطراف، وتحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات ملموسة تكفل حماية الإنسان وتمنع الإفلات من المساءلة؟

بيلاي ومسيرة العدالة الدولية

ارتبط اسم نافي بيلاي بالدفاع عن حقوق الإنسان وتطوير منظومة العدالة الجنائية الدولية. فقد نشأت في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري، وعملت محامية في الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية، قبل أن تتولى مناصب قضائية وحقوقية دولية، من بينها منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014.

وفي الملف الفلسطيني، برز دورها من خلال رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي أصدرت في سبتمبر 2025 تقريراً خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وفق تقييم اللجنة للأفعال والأدلة المتاحة والقصد المطلوب قانوناً. وقد رفضت إسرائيل هذه الاستنتاجات، ما فتح باباً واسعاً للجدل القانوني والسياسي حول نتائج التقرير ومنهجيته.

ومن المهم التمييز بين استنتاجات لجان التحقيق والأحكام القضائية النهائية؛ فتقارير التحقيق تمثل تقييماً للوقائع والأدلة في إطار الولاية الممنوحة للجهة التي أصدرتها، لكنها لا تحل محل الإجراءات القضائية المختصة بتحديد مسؤولية الدول أو المسؤولية الجنائية الفردية.

إسرائيل والجائزة: خلاف يتجاوز الشخصنة

أثارت الجائزة انتقادات إسرائيلية رسمية وإعلامية، تركزت على مواقف بيلاي من الحرب في غزة ونتائج لجنة التحقيق التي ترأستها. واتسمت بعض التصريحات بلغة حادة في رفض القرار، فيما تناولت وسائل إعلام إسرائيلية خلفيات الاختيار وانعكاساته السياسية، مع تباين في تقييم دلالاته.

ويعكس هذا الجدل خلافاً أوسع بين الحكومة الإسرائيلية وبعض المؤسسات الأممية بشأن التحقيقات الدولية المتعلقة بالعمليات العسكرية في غزة. ومن الناحية المهنية، فإن حق الدول في الاعتراض على التقارير الدولية لا يلغي ضرورة مناقشة الأدلة والمعايير القانونية التي تستند إليها، كما أن الانتقادات السياسية لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على صحة النتائج أو بطلانها.

وتبقى المسألة الأساسية هي إخضاع الادعاءات والوقائع للفحص القانوني المستقل، بعيداً عن التعميم أو تحويل الخلاف إلى مواجهة شخصية.

الموقف الأمريكي وحسابات القوة

على المستوى الأمريكي، ارتبطت ردود الفعل المنتقدة للجائزة بمواقف الرئيس دونالد ترامب من جائزة نوبل للسلام، وبالخلافات الأوسع بشأن دور المؤسسات القضائية الدولية في مساءلة المسؤولين عن الجرائم الدولية. غير أن التحليل الموضوعي يقتضي التمييز بين تصريحات الرئيس والمواقف المؤسسية للإدارة الأمريكية، وعدم افتراض وجود علاقة سببية بين الجائزة وأي إجراء سياسي أو قانوني من دون أدلة موثوقة.

وتكشف هذه التطورات عن إشكالية استراتيجية تتعلق بقدرة المؤسسات الدولية على أداء مهامها باستقلالية عندما تتعارض إجراءاتها أو نتائجها مع مصالح دول كبرى أو تحالفاتها. فمصداقية النظام الدولي لا تتوقف على النصوص التي يتبناها، بل على مدى احترام الدول التزاماتها، واستعدادها لقبول المساءلة وفق قواعد قانونية واضحة.

من رمزية الجائزة إلى استحقاقات العدالة

لا تمثل جائزة نوبل حكماً قضائياً، ولا تثبت بذاتها ارتكاب جريمة أو تنفيها، لكنها تعيد تسليط الضوء على أهمية حماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.

وبالنسبة إلى فلسطين، فإن الاستفادة من هذا الاهتمام الدولي تتطلب تعزيز التوثيق القانوني، وحفظ الأدلة وفق المعايير المهنية، ومتابعة المسارات القضائية والدبلوماسية المختصة، وتوحيد الجهود العربية والدولية للمطالبة بحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية واحترام الحقوق الوطنية الفلسطينية.

إن العدالة الدولية لا تُختبر في الخطابات والبيانات وحدها، بل في قدرتها على حماية الإنسان، وضمان إجراءات مستقلة ونزيهة، ومنع الإفلات من المساءلة. كما أن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم على تجاهل جذور الصراع أو تجاوز الحقوق المشروعة للشعوب.

إن المعيار الحقيقي لمصداقية القانون الدولي هو تطبيقه دون انتقائية، بما يضمن إنهاء الاحتلال، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإرساء سلام عادل يحفظ الحقوق والكرامة الإنسانية، ويضع القانون فوق حسابات القوة والمصالح السياسية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...