[HEADING=2]حصار الحمام الأبيض رواية تقاوم النسيان[/HEADING]
ماذا يمكن أن تفعل الهزيمة بالإنسان؟ وكيف تتسلل آثارها من ميدان المعركة إلى الوعي؟ من هذا السؤال تنطلق رواية "حصار الحمام الأبيض" للسيد نجم، في محاولة لاستعادة أحداث مضى عليها أكثر من نصف قرن لكنها لا تزال تراوده في اليقظة والمنام، وأيضا الحصار الذي تتناوله الرواية هو سلسلة من الحصارات المتداخلة، حصار الخوف، وحصار الهزيمة، وحصار الجسد، وحصار الإنسان حينما يتم اختزاله في مجرد رقم بالسجلات، ذلك ما تؤكد عليه الرواية بداية من التصدير المنسوب لعجوز يحاول القبض على حكايات جيله.
من يونيو إلى أكتوبر
تنهض الرواية على حركة زمنية واسعة، تبدأ من هزيمة يونيو 1967، وما أحدثته من ارتباك في الوعي المصري، ثم تتبع آثارها في حياة سالم سليم الطيب، وصولًا إلى تجربة حصار المستشفى الميداني خلال حرب أكتوبر 1973.
في القسم الأول، "السائرون على الماء والنار"، يتابع السرد لحظة إعلان الهزيمة من خلال أسرة سالم وجيرانها. حيث يصبح البيت الصغير في العباسية نموذجا مصغرا للمجتمع المصري؛ الجميع ينتظر خطاب عبد الناصر، وحين يعلن الرئيس تنحيه، يخرج الناس إلى الشوارع في مشهد يجمع بين البكاء والغضب والذهول، ثم يعودون إلى التظاهر مطالبين بعودته.
المفارقة هنا، أن الشعب الذي اكتشف فجأة أن الرواية الرسمية عن الحرب لا تطابق الواقع، لا يستطيع في اللحظة نفسها الانفصال عن مصدر تلك الرواية. إنه غاضب من الهزيمة، لكنه يتمسك بالزعيم الذي ارتبط في وجدانه بالكرامة الوطنية. وبالتالي تبدو عودة عبد الناصر محاولة جماعية لترميم عالم متصدع.
والرواية تربط انهيار اليقين العام ببداية تشكل الوعي الفردي لسالم، فيبدأ بتسجيل خواطره، وهنا تتأسس علاقة الرواية بالكتابة التي تصبح وسيلة لمقاومة الفوضى الداخلية، كما يصورها ثاني أقسام الرواية "حكايات للقارئ السعيد". وفي القسم الثالث، "معنى أن تصبح رقمًا"، تجد الشخصية نفسها إزاء حصار مختلف، وهو الحصار الذي يتحول في القسمين الرابع والخامس، خصوصا "الحصار لخمسة أيام"، من استعارة نفسية واجتماعية إلى تجربة مادية مباشرة، يعيشها سالم ورفاقه داخل مستشفى ميداني تحاصره القوات الإسرائيلية، ويتهدد العطش والجوع والرصاص حياة الموجودين فيه، بمن فيهم الجرحى الذين يفترض أن تحميهم طبيعة المكان الطبية.
الجسد المحاصر والذات المقاومة
تبدأ الرواية من طفل يأتي إلى الحياة مولودًا قبل اكتمال شهور الحمل، ومحاطًا بشكوك أسرته والجيران في قدرته على البقاء. تنقذه الأم، بمساعدة أم كمال، وعبر طقس شعبي يستخدم الطست لحمايته، ثم تتعرض حياته لخطر الحشرات الزاحفة، قبل أن يبكي للمرة الأولى، فيكون بكاؤه دليلا على حياته.
هذه البداية تجعل الحصار سابقًا على الحرب، فسالم يدخل العالم من منطقة فاصلة بين الحياة والموت. فكأن حياته كلها سلسلة من محاولات الإفلات من حصار متعدد الأشكال، جسده الهش، وقدمه المصابة، ومخاوف أسرته، ومنافسات الحب، ثم التجنيد الإجباري، وأخيرًا جبهة القتال. ومع كل انتقال، يتغير معنى النجاة. فالطفل الذي كانت أمه تقاوم الموت من أجله يصبح شابًا مطالبًا بأن يواجه الموت بنفسه، وأن يتعلم كيف يحمي الآخرين أيضًا.
وسالم في الرواية ليس بطلًا خارقًا، فالرواية تمنحه جسدًا هشا، وعاطفة مرتبكة، وذاكرة لا تبرحها صورة أميرة التي أحبها ولم يستطع الزواج منها، وحين تبدأ الحرب؛ تظل صورتها حاضرة، فالحرب لا تلغي الحياة الفردية، لكنها تضعها تحت ضغط هائل. ويتجلى ذلك في إصراره على استعادة الكتب التي تركها في مخبئه، ومنها «الحرب والسلام» و«آنا كارينينا»، خشية أن يستولي عليها العدو ويحرقها.
الحمام الأبيض
يرتبط الحمام الأبيض عادة بالسلام والبراءة، لكنه يدخل هنا إلى عالم تحاصره الحرب، وتتجسد دلالة العنوان في شخصية فوزي، الذي يلقبه أهل الحي بـعفريت العلبة، ويظهر في القسم الخامس محاطًا بحمامه البلدي الأبيض، حتى وهو يسير قرب مواقع العدو تحت الرصاص.
وفي المشهد الأخير من الحصار، بينما تستعد الوحدة الطبية للانسحاب، يظهر فوزي متجهًا نحو بوابة الوحدة، غير عابئ بالخطر المحيط به، فيما تعلوه حماماته البيضاء. هنا يتحول الحمام إلى صورة شعرية تقاوم الحرب، كائنات بيضاء صغيرة تواصل وجودها في فضاء صُمم ليكون فضاء للموت.
وإذا كان السلاح يمثل القوة المادية التي تفرض الحصار، فإن الحمام يمثل حياة لا تستجيب تمامًا لمنطق تلك القوة. ومن هنا تتصل صورة الحمام بصورة سالم. فكلاهما ينتمي إلى عالم يهدده الموت، وكلاهما يواصل التشبث بالحياة. غير أن سالم يواجه الخطر من خلال الوعي، بينما يبدو فوزي يواجهه عبر تجاوز الحدود المألوفة للخوف.
حصار الحياة
المكان في الرواية وحدة طبية تضم أطباء وممرضين ومسعفين ومصابين، أي إن مهمتها الأساسية هي إنقاذ الحياة، ومع توالى الاعتداءات على سيارات الإسعاف، وخزانات المياه، ومركبات التموين، وتتوقف بعض الأجهزة الطبية بسبب انقطاع الكهرباء. فلا يقتصر الحصار على تطويق المكان عسكريًا؛ وإنما يستهدف الحياة نفسها. هكذا تفضح الرواية نوايا الحصار، كما يوحي عنوان القسم الرابع. فالقوة التي تواصل ضرب منشأة طبية رغم طبيعتها ووظيفتها تكشف عن انفصالها عن أي تصور أخلاقي للحرب.
كما تكشف أيضا عن أشكال من التضامن قد لا تتيحها الحياة العادية بالوضوح نفسه. كما في حرص بطرس على إعداد الطعام لزملائه، وفي استمراره في جمعهم حول مائدة واحدة، وفي الرعاية التي يمنحها المصابون بعضهم لبعض.
الذاكرة والكتابة
تعلن الرواية منذ التصدير أن زمن الكتابة متأخر عن زمن الأحداث بنصف قرن وأكثر. هذه المسافة تمنح النص بنيته الأساسية، فما نقرأه ليس تسجيلًا مباشرًا للحرب، وإنما محاولة لاستعادتها، ومن هنا تأتي أهمية الخواطر التي يكتبها سالم. فهي تتيح للسرد أن ينتقل بين الحدث الخارجي وأثره النفسي، وبين ما يجري في العالم وما يحاول البطل فهمه.
وتتأكد قيمة هذا البناء من العلاقة بين سالم والكاتب الذي يحاول الإمساك بالماضي. فكلاهما يواجه خطر الفقد، سالم يخشى أن تضيع حياته الفردية داخل الحرب، والكاتب يخشى أن تضيع التجربة في غياهب النسيان، وبحسب ما ورد في التصدير: "قد تغلبني الأيام ولا أتذكرها بتمامها"، والكتابة هي الفعل الذي يقاوم به الاثنان هذا المصير.
البناء السردي
تتوزع الرواية على خمسة أقسام رئيسية، ثم يأتي قسم «ما قبل الخاتمة». وهذه البنية تكشف عن أن الكاتب يريد رسم شبكة من التجارب تتجمع تدريجيًا حول معنى الحصار. يتناول القسم الأول: السائرون على الماء والنار، هزيمة 1967، وانهيار اليقين، وبداية تشكل وعي سالم.
والقسم الثاني: حكايات للقارئ السعيد، يرصد المشاعر والوقائع والعلاقات الاجتماعية التي توسع صورة الشخصيات وتكشف تناقضاتها.
والقسم الثالث: معنى أن تصبح رقمًا، يستعرض التجنيد، والصراع بين الفرد والمنظومة.
والقسم الرابع: الحصار يفضح نواياه، يكشف طبيعة القوة التي تحاصر الجنود.
أما القسم الخامس: الحصار لخمسة أيام، فيرينا الاختبار الحاسم للحياة والتضامن والشجاعة، وانتهاء الحصار بالانسحاب.
هذه البنية تتيح للرواية زمنا أوسع، وأماكن متعددة، فتنتقل بين الحياة المدنية والحياة العسكرية، وتوزع البطولة على مجموعة من الشخصيات فلا تقتصر على سالم وحده، فبطرس وسعيد وفوزي وغيرهم يسهمون، كل بطريقته، في بناء صورة الإنسان الذي يرفض الاستسلام للحصار. لكن ذلك أثر سلبيا على إيقاع الرواية، فلم تنج من مأزق التكرار، فمثلا التأكيد على الوطنية والهوية يحضر كثيرا في الرواية لكن لا تضيف مع كل عودة إليها شيئًا جديدًا، سواء في فهم الشخصية أو في تطور الموقف،
ربما يكون مبرر الرواية أنها تريد أن تجعل القارئ يعيش تراكم التجارب، لا أن يتابع مغامرة فردية محكمة الإغلاق. وهي تنجح حين تتحول التفاصيل المتفرقة إلى شبكة دلالية، وحين تضيء الحكاية الجانبية جانبًا من التجربة الكبرى بدلًا من أن تنفصل عنها.وأيضا تميل الرواية إلى التفسير أحيانا، فتقدم صورة أو موقفًا مشحونًا بالدلالة، ثم تتبعه بخاطرة تفسر معناه أو تؤكد ما ينبغي أن نفهمه منه.
الخاتمة
في المشهد الأخير، حين تستعد الوحدة الطبية للانسحاب، يمضي فوزي نحو البوابة غير عابئ بالرصاص، وفوقه حماماته البيضاء. تلك الصورة وحدها تلخص الرواية: سلاح يفرض الحصار، وحياة صغيرة لا تستجيب لمنطقه. وبعد أكثر من نصف قرن، يعود السيد نجم إلى هذه الأجنحة ليحفظها من النسيان، فتبقى الكتابة آخر ما يملكه الإنسان في وجه الحصار.
-------------------------------
بقلم: أحمد رجب شلتوت
ShareFacebookTwitterWhatsAppTelegram
ماذا يمكن أن تفعل الهزيمة بالإنسان؟ وكيف تتسلل آثارها من ميدان المعركة إلى الوعي؟ من هذا السؤال تنطلق رواية "حصار الحمام الأبيض" للسيد نجم، في محاولة لاستعادة أحداث مضى عليها أكثر من نصف قرن لكنها لا تزال تراوده في اليقظة والمنام، وأيضا الحصار الذي تتناوله الرواية هو سلسلة من الحصارات المتداخلة، حصار الخوف، وحصار الهزيمة، وحصار الجسد، وحصار الإنسان حينما يتم اختزاله في مجرد رقم بالسجلات، ذلك ما تؤكد عليه الرواية بداية من التصدير المنسوب لعجوز يحاول القبض على حكايات جيله.
من يونيو إلى أكتوبر
تنهض الرواية على حركة زمنية واسعة، تبدأ من هزيمة يونيو 1967، وما أحدثته من ارتباك في الوعي المصري، ثم تتبع آثارها في حياة سالم سليم الطيب، وصولًا إلى تجربة حصار المستشفى الميداني خلال حرب أكتوبر 1973.
في القسم الأول، "السائرون على الماء والنار"، يتابع السرد لحظة إعلان الهزيمة من خلال أسرة سالم وجيرانها. حيث يصبح البيت الصغير في العباسية نموذجا مصغرا للمجتمع المصري؛ الجميع ينتظر خطاب عبد الناصر، وحين يعلن الرئيس تنحيه، يخرج الناس إلى الشوارع في مشهد يجمع بين البكاء والغضب والذهول، ثم يعودون إلى التظاهر مطالبين بعودته.
المفارقة هنا، أن الشعب الذي اكتشف فجأة أن الرواية الرسمية عن الحرب لا تطابق الواقع، لا يستطيع في اللحظة نفسها الانفصال عن مصدر تلك الرواية. إنه غاضب من الهزيمة، لكنه يتمسك بالزعيم الذي ارتبط في وجدانه بالكرامة الوطنية. وبالتالي تبدو عودة عبد الناصر محاولة جماعية لترميم عالم متصدع.
والرواية تربط انهيار اليقين العام ببداية تشكل الوعي الفردي لسالم، فيبدأ بتسجيل خواطره، وهنا تتأسس علاقة الرواية بالكتابة التي تصبح وسيلة لمقاومة الفوضى الداخلية، كما يصورها ثاني أقسام الرواية "حكايات للقارئ السعيد". وفي القسم الثالث، "معنى أن تصبح رقمًا"، تجد الشخصية نفسها إزاء حصار مختلف، وهو الحصار الذي يتحول في القسمين الرابع والخامس، خصوصا "الحصار لخمسة أيام"، من استعارة نفسية واجتماعية إلى تجربة مادية مباشرة، يعيشها سالم ورفاقه داخل مستشفى ميداني تحاصره القوات الإسرائيلية، ويتهدد العطش والجوع والرصاص حياة الموجودين فيه، بمن فيهم الجرحى الذين يفترض أن تحميهم طبيعة المكان الطبية.
الجسد المحاصر والذات المقاومة
تبدأ الرواية من طفل يأتي إلى الحياة مولودًا قبل اكتمال شهور الحمل، ومحاطًا بشكوك أسرته والجيران في قدرته على البقاء. تنقذه الأم، بمساعدة أم كمال، وعبر طقس شعبي يستخدم الطست لحمايته، ثم تتعرض حياته لخطر الحشرات الزاحفة، قبل أن يبكي للمرة الأولى، فيكون بكاؤه دليلا على حياته.
هذه البداية تجعل الحصار سابقًا على الحرب، فسالم يدخل العالم من منطقة فاصلة بين الحياة والموت. فكأن حياته كلها سلسلة من محاولات الإفلات من حصار متعدد الأشكال، جسده الهش، وقدمه المصابة، ومخاوف أسرته، ومنافسات الحب، ثم التجنيد الإجباري، وأخيرًا جبهة القتال. ومع كل انتقال، يتغير معنى النجاة. فالطفل الذي كانت أمه تقاوم الموت من أجله يصبح شابًا مطالبًا بأن يواجه الموت بنفسه، وأن يتعلم كيف يحمي الآخرين أيضًا.
وسالم في الرواية ليس بطلًا خارقًا، فالرواية تمنحه جسدًا هشا، وعاطفة مرتبكة، وذاكرة لا تبرحها صورة أميرة التي أحبها ولم يستطع الزواج منها، وحين تبدأ الحرب؛ تظل صورتها حاضرة، فالحرب لا تلغي الحياة الفردية، لكنها تضعها تحت ضغط هائل. ويتجلى ذلك في إصراره على استعادة الكتب التي تركها في مخبئه، ومنها «الحرب والسلام» و«آنا كارينينا»، خشية أن يستولي عليها العدو ويحرقها.
الحمام الأبيض
يرتبط الحمام الأبيض عادة بالسلام والبراءة، لكنه يدخل هنا إلى عالم تحاصره الحرب، وتتجسد دلالة العنوان في شخصية فوزي، الذي يلقبه أهل الحي بـعفريت العلبة، ويظهر في القسم الخامس محاطًا بحمامه البلدي الأبيض، حتى وهو يسير قرب مواقع العدو تحت الرصاص.
وفي المشهد الأخير من الحصار، بينما تستعد الوحدة الطبية للانسحاب، يظهر فوزي متجهًا نحو بوابة الوحدة، غير عابئ بالخطر المحيط به، فيما تعلوه حماماته البيضاء. هنا يتحول الحمام إلى صورة شعرية تقاوم الحرب، كائنات بيضاء صغيرة تواصل وجودها في فضاء صُمم ليكون فضاء للموت.
وإذا كان السلاح يمثل القوة المادية التي تفرض الحصار، فإن الحمام يمثل حياة لا تستجيب تمامًا لمنطق تلك القوة. ومن هنا تتصل صورة الحمام بصورة سالم. فكلاهما ينتمي إلى عالم يهدده الموت، وكلاهما يواصل التشبث بالحياة. غير أن سالم يواجه الخطر من خلال الوعي، بينما يبدو فوزي يواجهه عبر تجاوز الحدود المألوفة للخوف.
حصار الحياة
المكان في الرواية وحدة طبية تضم أطباء وممرضين ومسعفين ومصابين، أي إن مهمتها الأساسية هي إنقاذ الحياة، ومع توالى الاعتداءات على سيارات الإسعاف، وخزانات المياه، ومركبات التموين، وتتوقف بعض الأجهزة الطبية بسبب انقطاع الكهرباء. فلا يقتصر الحصار على تطويق المكان عسكريًا؛ وإنما يستهدف الحياة نفسها. هكذا تفضح الرواية نوايا الحصار، كما يوحي عنوان القسم الرابع. فالقوة التي تواصل ضرب منشأة طبية رغم طبيعتها ووظيفتها تكشف عن انفصالها عن أي تصور أخلاقي للحرب.
كما تكشف أيضا عن أشكال من التضامن قد لا تتيحها الحياة العادية بالوضوح نفسه. كما في حرص بطرس على إعداد الطعام لزملائه، وفي استمراره في جمعهم حول مائدة واحدة، وفي الرعاية التي يمنحها المصابون بعضهم لبعض.
الذاكرة والكتابة
تعلن الرواية منذ التصدير أن زمن الكتابة متأخر عن زمن الأحداث بنصف قرن وأكثر. هذه المسافة تمنح النص بنيته الأساسية، فما نقرأه ليس تسجيلًا مباشرًا للحرب، وإنما محاولة لاستعادتها، ومن هنا تأتي أهمية الخواطر التي يكتبها سالم. فهي تتيح للسرد أن ينتقل بين الحدث الخارجي وأثره النفسي، وبين ما يجري في العالم وما يحاول البطل فهمه.
وتتأكد قيمة هذا البناء من العلاقة بين سالم والكاتب الذي يحاول الإمساك بالماضي. فكلاهما يواجه خطر الفقد، سالم يخشى أن تضيع حياته الفردية داخل الحرب، والكاتب يخشى أن تضيع التجربة في غياهب النسيان، وبحسب ما ورد في التصدير: "قد تغلبني الأيام ولا أتذكرها بتمامها"، والكتابة هي الفعل الذي يقاوم به الاثنان هذا المصير.
البناء السردي
تتوزع الرواية على خمسة أقسام رئيسية، ثم يأتي قسم «ما قبل الخاتمة». وهذه البنية تكشف عن أن الكاتب يريد رسم شبكة من التجارب تتجمع تدريجيًا حول معنى الحصار. يتناول القسم الأول: السائرون على الماء والنار، هزيمة 1967، وانهيار اليقين، وبداية تشكل وعي سالم.
والقسم الثاني: حكايات للقارئ السعيد، يرصد المشاعر والوقائع والعلاقات الاجتماعية التي توسع صورة الشخصيات وتكشف تناقضاتها.
والقسم الثالث: معنى أن تصبح رقمًا، يستعرض التجنيد، والصراع بين الفرد والمنظومة.
والقسم الرابع: الحصار يفضح نواياه، يكشف طبيعة القوة التي تحاصر الجنود.
أما القسم الخامس: الحصار لخمسة أيام، فيرينا الاختبار الحاسم للحياة والتضامن والشجاعة، وانتهاء الحصار بالانسحاب.
هذه البنية تتيح للرواية زمنا أوسع، وأماكن متعددة، فتنتقل بين الحياة المدنية والحياة العسكرية، وتوزع البطولة على مجموعة من الشخصيات فلا تقتصر على سالم وحده، فبطرس وسعيد وفوزي وغيرهم يسهمون، كل بطريقته، في بناء صورة الإنسان الذي يرفض الاستسلام للحصار. لكن ذلك أثر سلبيا على إيقاع الرواية، فلم تنج من مأزق التكرار، فمثلا التأكيد على الوطنية والهوية يحضر كثيرا في الرواية لكن لا تضيف مع كل عودة إليها شيئًا جديدًا، سواء في فهم الشخصية أو في تطور الموقف،
ربما يكون مبرر الرواية أنها تريد أن تجعل القارئ يعيش تراكم التجارب، لا أن يتابع مغامرة فردية محكمة الإغلاق. وهي تنجح حين تتحول التفاصيل المتفرقة إلى شبكة دلالية، وحين تضيء الحكاية الجانبية جانبًا من التجربة الكبرى بدلًا من أن تنفصل عنها.وأيضا تميل الرواية إلى التفسير أحيانا، فتقدم صورة أو موقفًا مشحونًا بالدلالة، ثم تتبعه بخاطرة تفسر معناه أو تؤكد ما ينبغي أن نفهمه منه.
الخاتمة
في المشهد الأخير، حين تستعد الوحدة الطبية للانسحاب، يمضي فوزي نحو البوابة غير عابئ بالرصاص، وفوقه حماماته البيضاء. تلك الصورة وحدها تلخص الرواية: سلاح يفرض الحصار، وحياة صغيرة لا تستجيب لمنطقه. وبعد أكثر من نصف قرن، يعود السيد نجم إلى هذه الأجنحة ليحفظها من النسيان، فتبقى الكتابة آخر ما يملكه الإنسان في وجه الحصار.
-------------------------------
بقلم: أحمد رجب شلتوت
ShareFacebookTwitterWhatsAppTelegram