أحمد عبدالله إسماعيل - من عبث «بيكيت» إلى واقع «أبو ليل»: الانتظار بين الميتافيزيقا والسياق التاريخي في قصة "ظل الخبز" للأديبة "عائشة أبو ليل".

من الصبي الذي يركض خلف إطار دراجة كأنه يقود حصانًا، إلى المرأة التي تضم سلتها الفارغة كطفل نائم، تحتفظ القصة بالكرامة والرقة وسط القسوة. وقد اختارت الكاتبة الإيحاء بدل التصريح، والتلميح بدل الوعظ.
تنتمي القصة إلى تقليد القص العربي الذي يقرأ الحرب من هامشها اليومي، لكنها تضيف إليه نبرة خاصة تجمع بين الواقعية والحكاية الرمزية، وتؤكد أن القصة القصيرة قادرة على أن تحمل شهادة عصرها في صفحتين.
تجري الأحداث في مكان واحد وزمن واحد (ساحة وفجر وظهيرة)، وتتصاعد بإيقاع هادئ نحو لحظة الانكشاف، فلا حشو ولا استطراد، ولا جملة تقف بلا وظيفة.
تقول القصة عن الحرب وما بعدها ما تعجز عنه نصوص أطول، دون مشهد قتال واحد ودون كلمة تفجع مباشرة. ففي جملتها الأولى ("حين انتهت الحرب، لم تغادر المدينة") تسقط الكاتبة فكرة النهاية السعيدة، وتعلن أن الحرب ما زالت مقيمة في الصمت والغبار والانتظار.
صور القصة مبتكرة وغير متكلفة: الغبار بوصفه "الطبقة الأخيرة من الوطن"، والأشجار كالشهود في محكمة لا يستدعون إليها، والعصي التي حفظت شكل الطريق أكثر من أيدي أصحابها، والطابور الذي ينشق ثم يلتئم "مثل ماء شقته سفينة". والجمل قصيرة ومتقطعة الإيقاع، وهذا ما يليق بنص يدور حول الجوع والحذر.
تشتغل رموز النص معًا في نسق واحد: الساعة بلا عقارب (زمن معطل)، والعربة التي تتضح فراغها في الخاتمة (وعد بلا مضمون)، والسيارة السوداء (سلطة لا تنظر إليها العيون)، وبائع الكتب الذي لا يبيع التاريخ لأن أحدًا لم يعد يطلبه. لا يثقل الرمز النص، بل يعمل داخل المشهد الواقعي وبه.
تختصر عبارات مثل "الدور يصل دائمًا... إلا أصحابه" و"نحن لا نمر... نحن ننتظر" و"الرائحة لا تموت... الذين يشبعون هم الذين ينسونها" رؤية للقهر والانتظار، دون أن تتحول إلى خطابة.
تأتي النهاية في ثلاث ضربات متتالية: العربة الفارغة، ثم كشف العجوز أن الخبز لم يكن فيها منذ سنوات، ثم الساعة التي تدق بلا سبب. فينتقل النص من الجوع المادي إلى جوع أعمق، هو الوهم الجماعي الذي يبقي الناس في الصف. وتترك الدقات الأخيرة بلا تفسير، فيمتد أثر القصة بعد انتهائها.
النقطة الأكثر لفتًا هي الخاتمة التي تقلب معنى النص كله: حين يدخل العجوز يده في العربة فيخرجها «نظيفة أكثر مما ينبغي»، ويقول إنها لم يكن فيها خبز، وإنهم منذ سنوات «يأتون ممتلئين ويعودون فارغين».
ما يجعلها لافتة أن القصة كلها كانت تقرأ على أنها قصة جوع، ثم تتبين أنها قصة انتظار تحول إلى طقس. الناس لا يقفون في الطابور لأن الخبز سيصل، بل لأن الوقوف نفسه صار ما يتبقى لهم من الأمل والانتماء والمعنى. وجملة «نحن لا نمر... نحن ننتظر» التي قيلت قبل ذلك تكتسب هنا ثقلها الحقيقي.
ثم تأتي الضربة الأخيرة: الساعة التي بلا عقارب تدق «دون أن يعرف أحد لماذا». فالنص لا يكتفي بكشف الوهم، بل يترك القارئ أمام زمن معطل يعلن عن نفسه بلا سبب، وهذا يجعل الخاتمة مفتوحة ومقلقة لا مغلقة ومفسرة.
وبهذا أثبتت قصة «ظل الخبز» تفردها، وأهنئ الكاتبة الفلسطينية الراقية عائشة أبو ليل على نص يبقى في الذاكرة بعد انتهاء قراءته.
الانتظار بين «ظل الخبز» و«في انتظار جودو»
في النصين لا يسأل: هل سيأتي المنتظر؟ بل: ماذا يفعل الانتظار بالناس؟ فلان (أو فلاديمير) ورفيقه يواصلان الانتظار عند الشجرة، وأهل المدينة يواصلون الوقوف أمام العربة.
جودو لا يأتي، والخبز «لم يكن فيها». وفي الحالتين يتحول الوعد إلى ما يبقي الناس في أماكنهم.
يقول فلاديمير في معنى ذلك إن الانتظار يملأ الوقت، وهذا ما تقوله القصة حين يصير الطابور آخر ما يربط الناس بالحياة والجماعة.
الساعة بلا عقارب هنا تقابل في المسرحية يومًا يتكرر بلا تقدم. وفي الحالتين لا يتغير شيء مهما مر.
جمل قصيرة، وأسئلة تجاب بنصف إجابة، وصمت يعمل عملاً دراميًا.
لشجرة جودو العارية نظير في أشجار القصة التي توقفت عن الإزهار.
عند بيكيت لا مكان ولا زمان ولا سبب، ويقف الوجود الإنساني نفسه موضع السؤال. أما القصة فمدينة خرجت من حرب، وطابور خبز، وسيارة سوداء تمثل سلطة. فالانتظار عندها له سياق تاريخي وسياسي، وعند بيكيت له بعد ميتافيقي (ميتافيزيقي).
الجوع في القصة جسدي حقيقي، وفي المسرحية الجوع أقرب إلى استعارة (وإن ظهرت الجزرة واللفت).
تحسم القصة في خاتمتها حين يكشف العجوز أن العربة فارغة، فيعرف القارئ أن الوعد وهم. أما بيكيت فيبقي احتمال مجيء جودو معلقًا حتى النهاية، وهذا جوهر المسرحية: لا يقين بالخلاص ولا بنفيه.
المسرحية تدور حول صديقين، وهي في أساسها مسألة علاقة بين اثنين يتشبث أحدهما بالآخر. والقصة بطلها طابور كامل، فالهم فيها جماعي.
مسرح العبث عند بيكيت مليء بالمهازل والنكات الجسدية التي تخفف الفاجعة وتعمقها معًا. القصة جادة وحزينة، ورقتها أقرب إلى الشعر منها إلى الهزل.
تنتهي المسرحية بجملة «هيا نذهب» ثم لا يتحرك أحد، فالسكون هو الخاتمة. أما القصة فتنتهي بحركة غير مفسرة: دقات الساعة وطيران الطيور.
تشترك القصة مع «جودو» في الفكرة الجوهرية: أن الانتظار قد يصير هو الحياة نفسها. غير أنها تنقل الفكرة من فضاء العبث الفلسفي إلى أرض الواقع المأزوم، فتجعل سؤال بيكيت الوجودي سؤالاً اجتماعيًا وسياسيًا: من يبقي الناس في الصف، ولماذا يبقون؟
يقوم النص في هذه اللفتة على التناص العكسي (المفارقة التناصية) مع الحديث الشريف الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:

«لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (أي تخرج جائعة فارغة البطون، وتعود ممتلئة شَبْعَى).



ينقل النص العبارة النبوية الدالة على أثر التوكل واليقين والرزق الفطري، ويقلبها عند العجوز: (يأتون ممتلئين [بالأمل والوهم] ويعودون فارغين [من الخبز والجدوى]). هذا الانزياح اللغوي يحول حركة الناس من «غدوٍّ ورواحٍ» مثمرين إلى طقس عبثي يستنزف طاقاتهم.

في الحديث الشريف، الخروج بالفراغ يُفضي إلى الامتلاء المادي والروحي بفضل التوكل الشريف. أما في القصة، فالخروج بامتلاء الأمل الكاذب يُفضي إلى الفراغ والخواء؛ فالانتظار هنا لم يعد سعيًا للرزق بقدر ما هو تشبث بوهم جماعي يُبقي الناس على قيد الصف.
يكتمل هذا التناص في ختام النص عبر إشارة الكاتبة إلى «طيران الطيور» مع دقات الساعة؛ فالطيور تطير وفق فطرة التوكل والغدو والترواح بحثًا عن الحياة، بينما يظل الناس محبوسين في صفهم الصامت أمام عربة فارغة وزمن معطل.
أحمد عبدالله إسماعيل
ا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...