د. حسين عبدالبصير - مصر أرض السحر والجمال

تخيل أن رجلًا جاء من المستقبل، بعد ألف عام من الآن، إلى مصر. وقف أمام الأهرامات طويلًا، كأنه يحاول أن يسمع ما تقوله الحجارة، ثم سافر إلى الأقصر، ومشى بين أعمدة الكرنك، وتأمل وجوه الملوك المنحوتة على جدران المعابد. زار الأزهر الشريف، وجلس في رحاب الحسين، وتجول في شارع المعز، ثم دخل مقهى صغيرًا في وسط القاهرة. وفي المساء، استمع إلى تسجيل قديم لأم كلثوم، قبل أن يتجول في شوارع المدينة التي لا تنام إلا لتستيقظ على حكاية جديدة. عندئذ، فتح دفتره وبدأ يكتب تقريره عن مصر. لكنه توقف أمام سؤال حيره: أي شيء من كل هذا يمثل المصريين حقًا؟ هل يختار الأهرامات ويترك المقهى؟ هل يكتب عن المعابد وينسى الأغاني؟ هل يضع الدين في صفحة، والفن في صفحة أخرى، ثم يظن أنه فهم بلدًا عاش فيه البشر آلاف السنين، وما زالوا يحاولون فهم أنفسهم؟

ربما تبدو الإجابة سهلة في البداية، لكن مصر لا تمنح أسرارها لمن يكتفون بالنظرة الأولى. إنها بلد كلما اقتربت منه اكتشفت أن وراء المشهد مشهدًا آخر، وأن الحكاية التي ظننت أنك وصلت إلى نهايتها لم تكن سوى باب يقود إلى حكايات جديدة. فمصر ليست أثرًا محفوظًا في متحف، ولا مؤسسة دينية، ولا أغنية خالدة، ولا قصيدة أو لوحة أو مبنى عظيمًا. إنها الحياة بكل ما فيها من جدية ومرح، وإيمان وتساؤل، وذاكرة ونسيان، ووقار ومشاكسة.

أحب في المصريين هذه القدرة المدهشة على تحويل الموقف الجاد إلى حكاية، وعلى مواجهة ثقل الحياة بقدر من الخفة لا يعني بالضرورة الاستهانة بها. قد يتحدث رجل في مقهى عن السياسة والاقتصاد ومصير العالم، ثم يقطع حديثه فجأة ليعلق على هدف ضائع في مباراة كرة قدم. وقد تختلف امرأة مع جارتها في أمر شديد الأهمية، ثم تتبادلان طبقًا من الطعام في اليوم التالي. لا أعرف إن كانت هذه القدرة على الانتقال بين الجد والهزل سرًا مصريًا خالصًا، لكنها واحدة من السمات التي تستوقفني كلما تأملت حياتنا اليومية. فالإنسان لا يعيش بالأفكار وحدها، كما لا يستطيع أن يحمل همومه طوال الوقت من دون أن يبحث عن نافذة يطل منها على شيء من الفرح.

في القاهرة، لا تحتاج إلى الذهاب إلى متحف كي تلتقي بالتاريخ. يكفي أن تمشي قليلًا في الشوارع القديمة. هناك، تختلط أصوات الباعة بأجراس الدراجات، وتتعانق روائح الخبز والقهوة والتوابل، بينما تعبر الوجوه أمامك كأنها صفحات من كتاب لم ينته أحد من كتابته. رجل مسن يجلس أمام متجره، يتابع المارة بعينين تعرفان من المدينة أكثر مما تقوله الخرائط. شاب يحمل هاتفه ويتحدث عن عمل لا يمنحه وقتًا كافيًا للحياة. طفل يركض خلف كرة، غير عابئ بأن جدارًا قريبًا منه شهد مرور أجيال من البشر. وعلى مقربة من الجميع، ترتفع مئذنة قديمة، شاهدة على أن الزمن لا يمضي في المدن كما يمضي في الساعات.

في شارع المعز، أجد التاريخ حاضرًا في الحجر، لكنني أجده أيضًا في حركة الناس من حوله. وفي ميدان الحسين، لا ينفصل المكان الديني عن الحياة اليومية؛ يأتي الزائر للصلاة، ويجلس آخر لتناول الطعام، ويتحدث صديقان عن أحوالهما، ويبحث مسافر عن عنوان لا يعرف كيف يصل إليه. لا تبدو المدينة معنية بالفصل الحاسم بين المقدس والعادي، بين الذاكرة والعمل، بين ما ورثناه وما نعيشه. لكل شيء مكانه في الحياة، وإن اختلفت قيمته ومعناه من إنسان إلى آخر.

وحين أعود بفكري إلى مصر القديمة، أكتشف أن هذا البحث عن الإنسان هو ما يمنح عملي في علم الآثار معناه الحقيقي. وراء كل أثر حكاية بشرية، وإن لم نتمكن دائمًا من استعادتها كاملة. وراء الأهرامات أيدٍ عملت، وعقول خططت، وأسر انتظرت عودة أبنائها، وأناس واجهوا تعب النهار وقلق الغد. وخلف النقوش التي تسجل أسماء الملوك وانتصاراتهم، كانت هناك حياة لا نعرف عنها إلا القليل: أم تقلق على طفلها، وعامل يتطلع إلى الراحة، وشاب يتمنى مستقبلًا أفضل، ورجل مسن يستعيد أيام شبابه. لا يجوز لنا أن نقدم هذه الصور المتخيلة باعتبارها وقائع تاريخية مؤكدة، لكنها تذكرنا بأن أصحاب الحضارة لم يكونوا تماثيل من حجر، وإنما بشرًا عاشوا على هذه الأرض، كما نعيش نحن عليها اليوم.

لقد اعتدنا أن نتحدث عن عظمة المصريين القدماء، وعن براعتهم في العمارة والفلك والطب والكتابة، وعن قدرتهم على تشييد آثار أدهشت العالم. وكل ذلك يستحق الفخر والدراسة، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية حديثنا عنهم. ما يعنيني أكثر هو أن نفهم كيف استطاع الإنسان المصري أن يحول تجربته في الحياة إلى حضارة، وكيف صاغ أفكاره عن الكون والموت والعدالة والنظام، وكيف ترك لنا شواهد تسمح لنا بأن نقترب من عالمه بعد آلاف السنين. فالحضارة ليست مجموعة من الإنجازات المدهشة فحسب، بل هي أيضًا محاولة بشرية للإجابة عن الأسئلة التي لا تزال تؤرقنا: لماذا نعيش؟ كيف نواجه الفقد؟ ماذا يبقى منا بعد الرحيل؟ وكيف يمكن للإنسان أن يصنع معنى لحياته المحدودة في عالم يبدو أكبر من قدرته على الفهم؟

ومن هنا، لا أحب أن يتحول الاعتزاز بالماضي إلى وسيلة للاكتفاء به. يمكننا أن نتغنى بالأهرامات كل يوم، ثم نغفل عن قيمة التعليم، وأن نحتفي بحكمة المصري القديم، ثم نضيق بالنقاش والاختلاف، وأن نتحدث عن عبقرية أجدادنا، من دون أن نسأل أنفسنا عما نضيفه نحن إلى سجل الحضارة الإنسانية. التاريخ ليس وسادة نضع عليها رؤوسنا لننام مطمئنين، بل مسؤولية تدعونا إلى العمل. وما قيمة أن نمتلك هذا التراث الهائل إذا لم نستطع أن نحوله إلى معرفة حية، وإلى متاحف تحاور الجمهور، ومدارس تفتح العقول، وجامعات تنتج العلم، وفنون تمنح الإنسان مساحة للتعبير عن نفسه؟

ولعلني، بوصفي عالم آثار، أبحث عن هذا الخيط الذي يصل الماضي بالحاضر، لا لكي أذيب الفروق بين الأزمنة، بل لكي أفهم الإنسان في سياقه التاريخي، ثم أقترب منه بوصفه كائنًا تتجاوز أسئلته حدود عصره. حين أقف أمام تمثال لملك مصري قديم، لا أرى السلطة وحدها، بل أتساءل عن الصورة التي أراد صاحبها أن يتركها للأجيال المقبلة. وحين أقرأ نصًا عن العالم الآخر، أفكر في الخوف من الموت والرغبة في الاستمرار، وهما شعوران لا يحتاجان إلى ترجمة كي نفهمهما. وحين أتأمل مشهدًا من الحياة اليومية على جدار مقبرة، أشعر بأن المسافة بيننا وبين أولئك الناس أقصر مما توحي به آلاف السنين.

إن الفن، في جوهره، أحد الجسور التي تصل الإنسان بنفسه وبالآخرين. فالأغنية والقصيدة واللوحة والعرض المسرحي ليست مجرد وسائل للترفيه، بل طرق مختلفة للتعبير عن التجربة الإنسانية، بما فيها من حب وخوف وحنين وأمل. قد يرتبط لحن قديم بليلة من ليالي العمر، أو يذكرنا فيلم ببيت غادرناه، أو تعيد إلينا قصيدة وجهًا غاب عنا. لا يحتاج الفن إلى أن يتفق الجميع على قيمته كي يصبح جزءًا من ذاكرتهم، ولا يفقد الإنسان حقه في النقد حين يعترف بأن عملًا ما ترك أثرًا في نفوس الآخرين.

ومن الخطأ أن نتصور أن الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية تعيشان في عالمين لا يلتقيان. قد يستمع شخص إلى الموسيقى الكلاسيكية في قاعة للحفلات، ثم يعود إلى بيته ليستمتع بأغنية شعبية. وقد يقرأ آخر رواية فلسفية، ثم يضحك من نكتة بسيطة يرويها صديق. لا يوجد إنسان يعيش داخل تعريف ثقافي واحد طوال الوقت. نحن أكثر تعقيدًا من التصنيفات التي نضعها لأنفسنا وللآخرين. وقد تكون هذه القدرة على الانتقال بين مستويات مختلفة من التجربة واحدة من علامات الحياة الثقافية النابضة، ما دامت لا تمنع النقد ولا تلغي حق الناس في الاختيار.

ومصر، في هذا المعنى، ليست لونًا واحدًا. إنها طبقات من التاريخ والتجربة، تشكلت عبر آلاف السنين من التفاعل بين المصريين وجيرانهم، ومن التحولات السياسية والدينية والاجتماعية التي عرفتها البلاد. عرفت مصر عصور الفراعنة، ثم شهدت الوجود اليوناني والروماني، وازدهرت فيها تقاليد المسيحية المصرية، وتشكلت عبر القرون ملامح الثقافة العربية والإسلامية، ثم شهد العصر الحديث تغيرات عميقة في التعليم والصحافة والمسرح والموسيقى والسينما. لم يكن هذا المسار هادئًا دائمًا، ولم يخلُ من صراعات وتوترات، لكنه ترك لنا مجتمعًا تتداخل في ذاكرته تجارب كثيرة، ولا يمكن فهمه بحذف بعضها أو إنكارها.

ولا يعني الاعتراف بهذا التنوع أن نغض الطرف عن مشكلات المجتمع أو أن نتعامل مع التعايش باعتباره حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى جهد. فالتنوع وحده لا يصنع العدالة، والتجاور لا يضمن الاحترام. تحتاج المجتمعات إلى قانون يحمي حقوق الناس، وتعليم ينمي التفكير، ومؤسسات تتيح المشاركة، وثقافة تسمح بالنقد من دون تخوين أو إقصاء. لا يكفي أن نقول إننا مختلفون، بل ينبغي أن نعرف كيف نعيش اختلافنا من دون أن يتحول إلى سبب للحرمان أو التمييز. إن قيمة التنوع الحقيقية تظهر حين يستطيع الإنسان أن يكون نفسه، مع اعترافه بحق الآخرين في أن يكونوا مختلفين عنه.

وفي الإسكندرية، حيث أعمل، أجد في البحر صورة تلائم هذه الفكرة. أقف أحيانًا أمام الشاطئ، وأتابع السفن وهي تقترب من الميناء أو تبتعد عنه، وأفكر في البشر الذين عبروا المتوسط بحثًا عن العلم أو التجارة أو العمل أو ملاذ جديد. كانت المدينة، على امتداد تاريخها، نقطة التقاء بين مصر والعالم، لكنها لم تفقد انتماءها إلى أرضها. فقد حمل القادمون إليها لغاتهم وأفكارهم، ثم دخلوا في علاقات مع مجتمعها، بينما ظل المصريون أنفسهم أصحاب الدور الأساسي في صناعة حياتها اليومية. ولا أحب أن أختزل الإسكندرية في صورة رومانسية عن مدينة كوزموبوليتانية مثالية؛ فقد عرفت التفاوت والصراع والتحولات كما عرفت الإبداع والتبادل. غير أن قدرتها على فتح نوافذها على العالم تظل جزءًا مهمًا من شخصيتها.

البحر يجعلني أفكر في المسافة، وفي معنى الرحيل والعودة. كم من إنسان غادر مدينته معتقدًا أنه لن يعود، ثم اكتشف أن ذاكرته تسبقه إلى كل مكان؟ وكم من غريب وصل إلى شاطئ لا يعرفه، فوجد فيه بداية لحياة جديدة؟ لا أملك إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لكنني أعرف أن الإنسان لا يحمل وطنه في جواز سفره وحده. يحمله في لغته، وفي الطعام الذي يشتاق إليه، وفي الأصوات التي لا يستطيع نسيانها، وفي تفاصيل صغيرة قد تبدو بلا أهمية للآخرين، لكنها تظل بالنسبة إليه جزءًا من تعريفه لنفسه.

لهذا لا أرى أن الاعتزاز بمصر ينبغي أن يقودنا إلى الانغلاق على العالم. أن نحب وطننا لا يعني أن نخشى ثقافات الشعوب الأخرى، أو أن نعتبر كل فكرة جديدة تهديدًا لتراثنا. يمكننا أن نحافظ على لغتنا ونقرأ بلغات أخرى، وأن ندرس آثارنا ونتعلم من تجارب المتاحف العالمية، وأن نعتز بتاريخنا ونعترف في الوقت نفسه بأن الحضارة الإنسانية أوسع من حدود أي دولة. الخصوصية ليست عزلة، والانفتاح ليس تخليًا عن الذات. إنهما طريقان يمكن أن يلتقيا حين نعرف من نحن، ونكون مستعدين في الوقت نفسه إلى التعلم والتغيير.

أحيانًا أتخيل طفلًا يدخل متحفًا للمرة الأولى مع أسرته. يقف أمام تمثال لملك قديم، ثم يلتفت إلى أمه ويسألها عن الرجل الذي صنعه. ينتقل إلى قطعة صغيرة من أدوات الحياة اليومية، فيسأل عن الشخص الذي استخدمها، وعن البيت الذي عاش فيه، وعن الأشياء التي كان يحبها. ربما لا يجد إجابة عن كل سؤال، لكنه يخرج وقد أدرك أن التاريخ لا يتكون من الملوك وحدهم، وأن الإنسان العادي كان حاضرًا في كل مرحلة من مراحله. وفي المساء، قد يستمع إلى أغنية يحبها أو يشاهد فيلمًا مع أصدقائه. ما الذي يمنع أن تصبح هذه التجارب جميعًا جزءًا من وعيه بالعالم؟ لماذا نريد أحيانًا أن نفصل ما جمعته الحياة في تجربة واحدة؟

إن المتحف الذي أحلم به ليس مكانًا نضع فيه الأشياء القديمة ونطلب من الزائر أن يمر أمامها في صمت، بل فضاءً يساعده على طرح الأسئلة، ويربط بين الشاهد الأثري والتجربة الإنسانية، وبين ما نعرفه وما لا نزال نبحث عنه. وكذلك المدرسة التي أتمناها ليست مكانًا يحفظ فيه الطفل الإجابات الجاهزة، بل مساحة يتعلم فيها كيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يختلف بأدب، وكيف يراجع رأيه حين تظهر أدلة جديدة. فالمعرفة لا تبدأ حين نعرف كل شيء، وإنما حين نعترف بأن هناك ما يستحق أن نعرفه.

علمتني دراسة الآثار أن القطعة الواحدة قد تغير فهمنا لمشهد كامل، وأن السياق لا يقل أهمية عن الشيء الذي ندرسه. قد يبدو تمثال صغير بلا قيمة استثنائية إذا عزلناه عن مكان اكتشافه، لكنه يصبح مفتاحًا لفهم تاريخ مدينة أو طقس ديني أو علاقة تجارية. وكذلك البشر؛ لا نستطيع أن نفهم فنانًا أو عالمًا أو رجل دين أو عاملًا بسيطًا إذا اقتطعناه من مجتمعه وزمنه، ثم حكمنا عليه بمعايير لا تراعي الظروف التي عاش فيها. الفهم لا يعني الموافقة على كل شيء، لكنه يمنحنا فرصة لإصدار أحكام أكثر إنصافًا، ويحمينا من وهم أن العالم يمكن تقسيمه بسهولة إلى أبيض وأسود.

ولعل هذا ما نحتاج إليه ونحن نتحدث عن مصر: أن نتوقف عن البحث عن رمز واحد يحمل الوطن كله على كتفيه. الأهرامات جزء من الحكاية، والأزهر جزء منها، والحسين جزء، وأم كلثوم وغيرها من الفنانين جزء من المشهد الثقافي، ولكل منهم سياقه وقيمته ودوره المختلف. ليست هذه العناصر متساوية في طبيعتها أو مكانتها، ولا ينبغي أن نجبرها على التشابه. لكنها جميعًا تذكرنا بأن المجتمع لا يعيش داخل تعريف واحد، وأن الإنسان أكبر من الصورة التي نرسمها له.

مصر ليست مجرد أرض شهدت حضارة عظيمة في الماضي، بل وطن يواصل أبناؤه كتابة حكايته في الحاضر. في المستشفى والمدرسة والجامعة والمصنع والمتحف، وفي المسرح والشارع والمقهى والبيت، تتشكل كل يوم فصول جديدة من هذه الرواية. قد تكون بعض الفصول مؤلمة، وقد تحمل أخرى خيبات أو تناقضات، لكن المستقبل لا يُبنى بإنكار الواقع، وإنما بفهمه والعمل على تغييره. لا يكفي أن نفخر بما فعله الأجداد؛ علينا أن نسأل ما الذي يمكن أن نقدمه لأبنائنا، وما الذي نريد أن يتذكره عنا من سيأتي بعدنا.

أعود إلى رجل المستقبل الذي بدأنا معه الحكاية. أتخيله وقد أنهى جولته في مصر، وجلس في غرفته ليلًا، يحاول أن يكتب خلاصة رحلته. ربما يضع أمامه صورة للأهرامات، ويسمع في الخلفية أغنية قديمة، ويتذكر وجوه الناس الذين التقاهم في الشوارع. ثم يكتشف أنه لا يستطيع أن يكتب تقريرًا نهائيًا؛ فكلما ظن أنه فهم مصر، ظهرت أمامه حكاية أخرى، ووجه جديد، وطبقة من الزمن لم ينتبه إليها من قبل. قد يدرك أخيرًا أن المشكلة لم تكن في مصر التي رآها، بل في رغبته هو في العثور على تعريف بسيط لبلد معقد، حي، ومتغير.

ربما يكتب في الصفحة الأخيرة من دفتره أن مصر لم تكن مجرد حضارة تركت آثارها في الصحراء وعلى ضفاف النيل، بل تجربة إنسانية متصلة، عاش فيها الناس أحزانهم وأفراحهم، وتركوا آثارهم في الحجر والكلمة والأغنية والذاكرة. وأن سر جمالها لا يكمن في خلوها من التناقضات، بل في أن هذه التناقضات نفسها جزء من حكايتها، ما دام أبناؤها قادرين على تحويل الاختلاف إلى معرفة، والتنوع إلى فرصة، والذاكرة إلى طاقة لبناء المستقبل.

يا أبناء مصر، إن هذا الوطن أكبر من أن تختصره عبارة، وأغنى من أن يمثله صوت واحد. فيه ذاكرة آلاف السنين، وإيمان الناس وأسئلتهم، وأحلام الشباب ومخاوفهم، وعقول العلماء، وأيدي العمال، وأصوات الفنانين، وضحكات الأطفال. فيه ما يستحق الفخر، وما يحتاج إلى إصلاح، وما ينتظر من أبنائه أن يمنحوه فرصة جديدة للحياة.

مصر أرض السحر والجمال، ليس لأن كل شيء فيها كامل، ولا لأن تاريخها خلا من الألم والصراع، بل لأنها أرض الإنسان الذي ظل يحاول، عبر عصور متعاقبة، أن يفهم العالم ويصنع لنفسه مكانًا فيه. إنها حكاية لم تنتهِ، ورواية لا يملك أحد وحده حق كتابة فصولها الأخيرة.

وأنا، كلما تأملت هذا الوطن، ازددت اقتناعًا بأن أجمل ما فيه ليس حجرًا عظيمًا أو مبنى خالدًا أو لحنًا خالدًا فحسب، بل قدرته على أن يظل مفتوحًا على احتمالات الحياة، وأن يمنح أبناءه فرصة جديدة كي يكونوا أكثر معرفة وحرية وإنسانية.

تلك هي مصر التي أحبها؛ مصر التي لا تطلب من أبنائها أن يكونوا نسخة واحدة، بل تمنحهم، رغم كل ما يواجهونه من تحديات، فرصة أن يختلفوا، ويحلموا، ويحبوا، ويضحكوا، ويواصلوا الطريق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...