هدى حجاجي - حين يتحوّل العناق إلى حرب: جدلية الحب والوجع في قصيدة حمد حاجي... قراءة نقدية في قصيدة «عجبًا.. تعانقني كما الحرب»

في قصيدته «عجبًا.. تعانقني كما الحرب»، يضعنا الدكتور حمد حاجي أمام مفارقة وجدانية حادة، حيث يتجاور الحب والحرب في مساحة واحدة، ويتحول العناق من فعلٍ يمنح الطمأنينة إلى قوةٍ تقتحم الروح وتستبيح القلب. نحن لسنا أمام قصيدة غزل تقليدية تكتفي بوصف الحنين والاشتياق، بل أمام تجربة شعرية تتخذ من الحب ساحةً للصراع، ومن المرأة حضورًا ملتبسًا يجمع بين دفء الاحتواء وعنف الاجتياح، حتى يبدو العاشق وكأنه يخوض معركة لا يعرف كيف يخرج منها منتصرًا أو مهزومًا.

منذ العنوان، تتجلى المفارقة التي تشكل العمود الفقري للنص؛ فالعناق الذي يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا يتحول إلى صورة للحرب، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن بعض المشاعر، حين تتجاوز حدود الاحتمال، تصبح أشد فتكًا من المواجهات المادية. وتأتي البداية محملة بإيحاءات بصرية لافتة: «تُوَزّعُ بسمتَها كالسّلام بِضَاحِيَةٍ»، ثم لا تلبث هذه الطمأنينة الظاهرية أن تنقلب إلى صورة «ألويةٍ في الخرائب تختفق». هنا تتشكل ثنائية السلام والخراب، ويصبح الابتسام واجهةً تخفي وراءها حركة اجتياح عاطفي، في مشهد تتداخل فيه ملامح المحبوبة مع ملامح جيشٍ يقترب من مدينةٍ أنهكتها المعارك. إن الشاعر لا يصف امرأةً فحسب، بل يرسم أثرها في داخله، وكيف يمكن لحضورٍ واحد أن يمنح القلب الحياة ويهدده في اللحظة نفسها.



وفي قوله: «وتحتلُّ بطحاءَ قلبي بلا رحمةٍ وتمزّق أضلاعَه»، تتصاعد اللغة من الإيحاء إلى المواجهة المباشرة، فتغدو مفردة الاحتلال امتدادًا طبيعيًا للعنوان، ويصبح القلب أرضًا مستباحة، لا يملك صاحبها قرارًا كاملًا في مصيرها. وتزداد الصورة كثافة حين يربط الشاعر بين تمزق الأضلاع وشقِّ ثوب الدجى بالشفق؛ إذ ينقل الألم من الجسد إلى الكون، وكأن الوجيعة لم تعد شأنًا داخليًا محصورًا، وإنما صارت حدثًا كونيًا تتصدع له حدود الليل والضوء. وهذه من أبرز سمات النص، حيث تتسع التجربة الذاتية لتستعير أدواتها من الطبيعة والحرب والفضاء، فتتحول المشاعر إلى مشاهد محسوسة، ويكتسب المجرد جسدًا وحركةً وصوتًا.

ويبلغ التناقض ذروته في قوله: «دمي مستباحٌ وتهرقه في القرى والمدائن... فيما هو المسك يزداد في طيبه حين ينتشق». هنا تتجاور صورة الدم مع رائحة المسك، في مفارقة دلالية تكشف طبيعة العشق الذي ينهك صاحبه، لكنه لا ينتزع منه القدرة على التعلق بمصدر ألمه. فالدم يرمز إلى الخسارة والاستنزاف، بينما يحيل المسك إلى الطيب والأثر الباقي، وكأن الشاعر يجد في الوجع نفسه ما يزيد المحبوبة حضورًا في وجدانه. إنها معادلة الحب المرهق؛ كلما استنزف العاشق شيئًا من روحه، ازداد تعلقًا بمن يستنزفه، لا لأن الألم غاية في ذاته، بل لأن المشاعر حين تتجذر قد تجعل الإنسان عاجزًا عن الفصل بين ما يؤذيه وما يمنحه معنى وجوده.

ولا تقف القصيدة عند حدود الحرب العاطفية المتخيلة، بل تنفتح على مشهد إنساني بالغ القسوة في قوله: «أتقلّبُ.. رميةَ قنصٍ وجثّةَ طفلٍ يدور... يدور وفي النور يأتلق». وهنا تتسع الدلالة، إذ يستحضر الشاعر مفردات القنص وجثة الطفل، وهي مفردات تحمل ذاكرة الحروب الفعلية بما فيها من موتٍ وبراءة مهدورة. ومن خلال هذا التداخل، يقترب النص من المسافة الفاصلة بين المجاز والواقع، فيبدو الألم العاطفي كأنه يستعير ملامح المأساة الإنسانية، بينما تذكّرنا صورة الطفل بأن الحرب لا تكتفي بإصابة المقاتلين، بل تمتد إلى الأبرياء الذين لا يملكون دفعًا عن أنفسهم. وتزداد الصورة إيلامًا حين يقترن الموت بالتألق في النور؛ فذلك التناقض يضع القارئ أمام سؤال موجع عن مصير البراءة حين تجد نفسها في قلب العنف. وهذه نقلة دلالية مهمة، وإن كانت تحتاج إلى وعي نقدي يميز بين خصوصية الوجع العاطفي وبين فداحة المأساة الإنسانية التي تستدعيها مفردات الحرب.

أما الحركة في القصيدة، فتؤدي دورًا يتجاوز الوصف؛ فالأفعال المتلاحقة، من «تركض» إلى «تسرع» و«تبطئ» و«تستبق»، تمنح الألم إيقاعًا متغيرًا، فلا يستقر العاشق على حال، ولا تمنحه الوجيعة فرصةً لالتقاط أنفاسه. ويعزز هذا الاضطراب قوله: «كأنّ بأنحاء ضلعي فوارس غضبى وترمي بأعمدة من لهيب فأحترق». فالفوارس التي تتحرك داخل الضلوع تحول الجسد إلى ميدان قتال، واللهيب يجعل الاحتراق نتيجةً طبيعية لاجتياحٍ لا يتوقف. وفي هذه الصور تتضح قدرة الشاعر على تحويل الانفعال النفسي إلى حركة مرئية، وعلى بناء مشهد تتنازع فيه الذات قوى لا تستطيع إخضاعها لإرادتها.

ثم تأتي عبارة «تُقَمِّرُ شريان قلبي» لتضيف بُعدًا آخر إلى لعبة الاستنزاف؛ فالقمار في إيحائه يقوم على المغامرة والمخاطرة والمراهنة بما قد يُربح أو يُفقد. وعندما يصبح شريان القلب هو موضع هذه المراهنة، فإن الشاعر يصور الحب باعتباره مقامرةً بالحياة نفسها، لا مجرد تبادل للمشاعر. وتأتي صورة الشهب والمارد الذي يسترق السمع لتوسع الفضاء التخييلي للنص، فتجمع بين الأسطورة والسماء والنبض الإنساني، وتمنح التجربة طابعًا غرائبيًا يتناسب مع حالة العاشق الذي يشعر بأن ما يحدث داخله أكبر من قدرته على التفسير والسيطرة.

غير أن القصيدة، وسط هذا التصعيد الحربي، لا تستسلم لفكرة العداء المطلق، بل تنعطف في مقطعها الأخير نحو الرجاء والمصالحة. ففي النداء: «أيا بنت قلبي رويدك رفقًا بروحي وحالي وضوئي»، نلمح انكشاف الذات بعد طول مقاومة، إذ يتخلى العاشق عن لغة المواجهة ويستعيد لغة الاستعطاف. إنه لا يطلب انتصارًا على المحبوبة، بل يطلب منها أن تخفف وطأة حضورها، وأن تدرك أن القلب الذي فتح لها أبوابه ليس ساحةً بلا حدود. وفي قوله: «أنا الشمس قد حاز أنوارها الأفق»، تتبدل صورة الذات من جسدٍ محترق إلى شمسٍ لها نورها الخاص، وكأن الشاعر يستعيد شيئًا من كرامته الداخلية، معلنًا أن الحب، مهما بلغت سطوته، لا ينبغي أن يمحو هوية المحب أو يطفئ ضوءه.

وتأتي صورة الحبيبين اللذين توقف ركبهما في سفرٍ عند ظل، ثم افترقا بعد استراحة قصيرة، لتقدم تأملًا في طبيعة اللقاءات الإنسانية العابرة. فالحب هنا لا يبدو امتلاكًا أبديًا، بل رحلة قد يتقاطع فيها طريقان، ويلتقي فيها قلبان، ثم يواصل كل منهما مساره. وفي هذه الصورة مسحة من الحكمة الهادئة، تخفف من حدة المشاهد السابقة، وتعيد التجربة من مستوى الصدام إلى مستوى التأمل في الزمن والفراق وحدود اللقاء. ومع ذلك، فإن هذا المقطع يفتح بابًا لتأويل أعمق: هل كان العناق حربًا لأن الحب نفسه مؤلم، أم لأن العاشق يخشى أن يفقد حريته أمام قوة التعلق؟ وهل الفراق الذي يلوح في الأفق نهايةٌ للحكاية، أم مجرد محطة أخرى في رحلة لا يعرف القلب وجهتها؟

وتتجلى الإجابة الشعورية في الخاتمة، حين يقول الشاعر: «سأبقى أداعب بالسلم حبّكِ لا حربَ»، ثم يؤكد حبه بأيمانٍ وصور مستمدة من الطبيعة، من نوح الطير إلى تمايل الأغصان وغناء الورق. وهنا يكتسب السلم معنى يتجاوز غياب الحرب؛ إنه اختيار واعٍ للمحبة رغم الألم، ومحاولة لاستعادة العلاقة من منطق الغلبة إلى منطق المودة. فالشاعر الذي بدأ قصيدته باستفهام الدهشة ينتهي إلى إعلان الوفاء، وكأن كل ما سبق من صور الاحتراق والاستباحة لم يكن إلا الطريق المضطرب الذي سلكه ليصل إلى هذه الحقيقة: أن الحب، في نظره، يستحق أن يُصان من الحرب، حتى حين يبدو هو نفسه سببًا فيها.

ومن الناحية الفنية، تعتمد القصيدة على شبكة من الثنائيات المتقابلة: السلام والحرب، الدم والمسك، الخراب والضوء، الموت والتألق، اللهيب والشمس، القنص والعناق. وهذه الثنائيات لا تأتي للزينة البلاغية، بل تسهم في بناء المعنى وتوليد التوتر الداخلي للنص. كما أن القافية الموحدة تقريبًا، القائمة على صوت القاف في نهايات مثل «تختفق، ينتشق، أحتـرق، الطرق، أرق»، تمنح القصيدة جرسًا متماسكًا، وتخلق إحساسًا بالإلحاح يتلاءم مع اضطراب العاشق. غير أن كثافة الصور الحربية وتتابع الاستعارات قد يضعان القارئ أحيانًا أمام ازدحام تصويري يحتاج إلى فسحة من الهدوء؛ فبعض الصور القوية كان يمكن أن يزداد أثرها لو تُركت وحدها قليلًا، دون أن تزاحمها صورة أخرى في المساحة نفسها. وهذه ملاحظة لا تنتقص من طموح النص، بل تشير إلى أن الاقتصاد في الصورة قد يمنح بعض لحظاته مزيدًا من العمق والرسوخ.

وتزداد دلالة القصيدة حين نضعها بصريًا إلى جوار لوحة «الحب والحرب» للفنان التشكيلي السوري سعد يكن؛ فالعنوان المشترك يفتح مجالًا للحوار بين الكلمة واللون، وبين ما تصنعه الاستعارة في اللغة وما تصنعه الحركة والتكوين في اللوحة. فالشاعر يبني مشهده من مفردات الاحتلال والدم واللهيب، ثم يعود إلى العناق والسلم والوفاء، في حين تتيح اللوحة للقارئ أن يتأمل العلاقة المتوترة بين العاطفة والعنف من خلال لغة تشكيلية مختلفة. وهكذا لا تعود الصورة المصاحبة مجرد إطار للنص، بل تصبح مدخلًا لتأمل أوسع في قدرة الفن على كشف التناقضات التي تسكن الإنسان.

إن «عجبًا.. تعانقني كما الحرب» قصيدة عن الحب حين يفقد بساطته، وعن القلب حين يتحول إلى ساحة تتنازعها الرغبة والخوف والاحتراق والرجاء. وقد نجح الدكتور حمد حاجي في بناء عالم شعري تتشابك فيه التجربة الذاتية مع رموز الحرب والطبيعة، وينتقل فيه العاشق من الاستباحة إلى المصالحة، ومن الاحتراق إلى التمسك بالنور. ولعل أجمل ما تتركه القصيدة في نفس قارئها ليس سؤالًا عن قدرة الحب على الانتصار فحسب، بل سؤالًا أكثر إنسانية: كيف نحافظ على الحب حيًّا دون أن نحول قلوبنا إلى ميادين حرب؟ وكيف نمنح من نحب مساحةً في أرواحنا دون أن نفقد أنفسنا في زحام التعلق؟
.............................






القصيدة
لدكتور حمد حاجي
عجبا..
تعانقني كما الحرب
ا==========
تُوَزّعُ بسمتَها كالسّلام بِضَاحِيَةٍ
وتراوح هادئةً
مثل ألويةٍ في الخرائب تختفِقُ...
.
.

وتحتلُّ بطحاءَ قلبي
بلا رحمةٍ وتمزّقُ أضلاعَه
مثلما شقّ ثوبَ الدجى الشّفَقُ...
.
.

دمي مستباحٌ
وتهْرِقُـــهُ في القرى والمدائن...
فيما هو المِسكُ يَزدادُ في طيبه حين يُنتَشَقُ...
.
.
وتَفتحُ مُقبِلَةً حُضنَها
أتقلّبُ.. رميَةَ قنص وَجُثّةَ طِفْلٍ يدور...
يدور وفي النور يأتلقُ...
.
.
...................................................
.
.

وتركض ...
في وجنتي أدمعي ...
والوجيعة تسرع حينا وتبطئ حينا وتستبِقُ...
.
.

كأنّ بأنحاء ضلعي فوارس غضبى
وترمي
بأعمدة من لهيب فأحترِقُ...
.
.

وترتاحُ..
ثمّ تُعَجِّلُ في سيرها خَبَـــبًا
كلما وَضُحَتْ في مساربها الطُّرُقُ...
.
.

تُقَمِّرُ .. أينَ؟
تُقَمِّرُ شريان قلبي...
وتبعث لي شهبا
مثلما ماردُ الجنّ قد باتَ للسَمع يَستَرِقُ...
.
.
.
...................................................
.
.
أيا بنت قلبي رويدك
رفقا بروحي وحالي وضوئي...
أنا الشمس قد حاز أنوارها الأفُقُ..
.
.

حبيبان نحن،
وما نَحنُ إِلّا كَرَكبٍ توقّف في سفر عند ظلّ
وقوم بقيلولة ثُمَّتَ اِفتَرَقوا .........
.
.

فوالله ربي..
سأبقى أداعبُ بالسلم حبّكِ لا حربَ،
ولهان، يقظان ليس يمسّه سُهدٌ ولا أَرقُ...
.
.

أحبك جدا وأقسم أهواك...
ما ناحَ طيرٌ وماست غصون
وغنَّتْ على أَعوادِها الوُرُقُ.....
.
.
.
أ. حمد حاجي

ا=====
اللوحة: الحبّ والحرب
للرسام :الفنان التشكيلي السوري سعد يكن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...