د. حسين عبدالبصير - مصر الجميلة

ليست مصر جميلة لأنها تملك الأهرامات وحدها، ولا لأن النيل يشق أرضها من الجنوب إلى الشمال، ولا لأن البحر يفتح ذراعيه لمدنها الساحلية. مصر جميلة لأن فيها شيئًا يصعب تفسيره بالكلمات؛ روحًا تسكن الأماكن، ودفئًا يظهر في الوجوه، وقدرة عجيبة على أن تبدأ من جديد، مهما أثقلتها الأيام.

تأمل مصر في صباح عادي. بائع فول يرفع غطاء قدره، فتتصاعد رائحة الطعام في شارع ضيق بالقاهرة. عامل يفتح باب ورشته، وأم توقظ أبناءها للمدرسة، وموظف ينتظر الحافلة، وفتاة تعبر الطريق مسرعة، تحمل أحلامها في حقيبة صغيرة. من شرفة قديمة، تتدلى نبتة خضراء تقاوم الغبار، بينما يعلن بائع متجول عن بضاعته بصوت يعرفه أهل الحي منذ سنوات. لا شيء استثنائيًّا في المشهد، ومع ذلك تكمن فيه حكاية بلد كامل.

الجمال المصري ليس حكرًا على الأماكن الشهيرة. إنه يسكن التفاصيل التي لا تلتفت إليها الكاميرات عادة؛ في ضحكة طفل يطارد حمامة في ميدان، وفي رجل مسن يجلس أمام منزله يتابع حركة المارة، وفي يد تمتد لمساعدة غريب، وفي أم تقتسم طعامها مع أبنائها، وفي صديق يصر على دفع ثمن القهوة، رغم أن جيبه لا يحتمل مزيدًا من المصروفات.

وفي الإسكندرية، يتخذ الجمال هيئة أخرى. هناك، يقف البحر شاهدًا على تعاقب الحضارات، وتختلط رائحة الملح بعبق الخبز والقهوة. تمشي على الكورنيش، فترى وجوهًا جاءت من أحياء بعيدة لتجلس قليلًا أمام الماء، كأنها تبحث عن إجابة لا يعرفها أحد. البحر لا يحل مشكلات الناس، لكنه يمنحهم مساحة للتنفس، ويذكرهم بأن العالم أوسع من هموم اليوم.

أما القاهرة، فهي مدينة لا تنام داخل تاريخها، بل تعيش فوق طبقاته المتراكمة. تستطيع أن ترى أثر القاهرة الفاطمية في شارع المعز، وأن تسمع صدى قرون بعيدة في جوار الأزهر، ثم تنتقل إلى ميدان حديث تتزاحم فيه السيارات والإعلانات ووجوه العابرين. هنا لا يقف الماضي في متحف زجاجي؛ إنه يشارك الأحياء حياتهم، ويزاحمهم في الشوارع، ويترك بصمته على طريقة الكلام والطعام والاحتفال والحزن.

وفي صعيد مصر، يتباطأ الزمن قليلًا أمام النيل والحقول والبيوت التي تعرف معنى الجيرة. هناك، تحت شمس ساطعة، تنكشف علاقة الإنسان بأرضه في صورتها الأولى: تعب يومي، وانتظار للمحصول، وارتباط بالمكان لا يحتاج إلى خطب طويلة كي يثبت نفسه. وفي الدلتا، حيث عرفت القرى حكايات الماء والطمي والصيد والزراعة، تتوارث الأجيال ذاكرة الأرض، حتى حين تتغير ملامح الحياة من حولها.

أنا عالم آثار، ولذلك أنظر إلى مصر بعين ترى الحاضر والماضي في اللحظة نفسها. حين أقف أمام تمثال فرعوني، لا أرى ملكًا من حجر فحسب، بل أرى فنانًا أمسك بالأداة قبل آلاف السنين، وصانعًا عرف كيف يمنح الصخر ملامح إنسان، وعاملًا بذل جهده في مشروع ربما لم يعرف اسمه أحد، وامرأة انتظرت عودة زوجها من عمله، وطفلًا ضحك في شارع لم يبق منه اليوم سوى أثر في باطن الأرض.

تلك هي مصر التي أحبها: ليست ملوكها وحدهم، ولا آثارها وحدها، بل البشر الذين صنعوا تاريخها وعاشوا على أرضها، من أولئك الذين تركوا أسماءهم منقوشة على جدران المعابد إلى الذين مروا في الحياة دون أن يتركوا وراءهم سوى ذكرى طيبة في قلب إنسان آخر.

لقد منحتنا الحضارة المصرية القديمة درسًا عظيمًا في قدرة الإنسان على الإبداع، وفي سعيه إلى فهم الكون ومواجهة الموت وصناعة المعنى. لكن الوفاء لهذا الإرث لا يكون بالاكتفاء بالفخر بالماضي، وإنما بتحويله إلى طاقة للحاضر: في تعليم جيد، وعلم متقدم، وثقافة حرة، ومتاحف تفتح أبوابها للجميع، ومدن تحترم الإنسان، وفضاء عام يجد فيه الشباب فرصة للحلم والعمل والابتكار.

فمصر الجميلة ليست صورة قديمة نعلقها على الجدران، ولا أغنية نستعيدها كلما ضاقت بنا الظروف. إنها مشروع مستمر، نصنعه كل يوم بما نفعله، وبما نقوله، وبالطريقة التي نعامل بها بعضنا بعضًا. لا يكفي أن نحب بلدنا؛ علينا أن نجعل الحياة فيه أجمل، وأن نمنح أبناءه أسبابًا حقيقية للفرح والكرامة والأمل.

أحب مصر في آثارها، لكنني أحبها أيضًا في الإنسان الذي يقف أمامها مندهشًا. أحبها في شوارعها المزدحمة، وفي قراها الهادئة، وفي لهجات أهلها المختلفة، وفي قدرتهم على السخرية من قسوة الحياة، وعلى تحويل المناسبات البسيطة إلى أعياد صغيرة. وأحبها حين يختلف أبناؤها، ثم يكتشفون أنهم يتشاركون الأرض والذاكرة والمصير.

ليست الوطنية أن نتغاضى عن عيوب بلادنا، بل أن نراها بوضوح ونحاول إصلاحها. وليست محبة مصر أن نقول إنها الأفضل في كل شيء، وإنما أن نؤمن بأنها قادرة على أن تصبح أفضل، وأن مستقبلها يستحق منا العمل والمعرفة والصبر.

في نهاية الأمر، مصر ليست مجرد مساحة على الخريطة، ولا فصلًا طويلًا في كتاب التاريخ. إنها حياة كاملة، تتجدد مع كل صباح، وتنتظر من أبنائها أن يضيفوا إلى جمالها جمالًا جديدًا.

وحين أسأل نفسي أين تكمن مصر الجميلة، لا أجد إجابة واحدة. أراها في معبد يواجه الزمن، وفي مركب يعبر النيل، وفي شرفة تطل على شارع قديم، وفي مكتبة يفتح فيها شاب كتابًا للمرة الأولى، وفي يد تمتد إلى محتاج دون انتظار للشكر.

أراها، قبل كل شيء، في إنسان مصري يحاول أن يعيش بكرامة، ويمنح أبناءه مستقبلًا أفضل، ويؤمن، رغم كل الصعوبات، بأن الغد يمكن أن يكون أجمل.

تلك هي مصر التي تستحق أن نحبها، وأن نعمل من أجلها، وأن نروي حكايتها للعالم؛ مصر الإنسان والحضارة، والذاكرة والأمل، والجمال الذي لا ينتهي ما دام في هذه الأرض قلب ينبض بالحياة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...