يحيى بركات - من يسرق الزيتون… ومن يدفع ثمن السرقة؟

لم يكن الزيتون قد نضج بعد، ولم تكن المعاصر قد فتحت أبوابها لاستقبال الموسم الجديد، حين بدأت الإعلانات
تتسلل إلى هواتف الفلسطينيين. زيت زيتون بلدي، عصرة السنة، أصلي ومضمون. تنكة بأربعمئة وخمسين شيكلًا، وأخرى بأربعمئة، وثالثة بثلاثمئة وخمسين. عروض تتوالد كل يوم، وكميات توحي بأن موسم القطاف قد انتهى، بينما كانت حبات الزيتون لا تزال معلقة على أغصانها، تنتظر المطر وأيدي أصحابها.

في مكان ما من فلسطين كان مزارع يتفقد أشجاره، يرفع رأسه نحو الثمار ويتحسس بيده حبة زيتون لم يكتمل نضجها. وفي مكان آخر كان هاتف يعلن أن زيت هذه السنة قد عُصر وأصبح جاهزًا للبيع.

بين اليد التي تنتظر القطاف والإعلان الذي سبق الموسم، تبدأ الحكاية.

ثم جاء الخبر من نابلس. جهاز الأمن الوقائي، بالتعاون مع وزارة الزراعة، يضبط نحو عشرة آلاف لتر من زيت الزيتون، أثبتت الفحوص أنها غير مطابقة للمواصفات وغير صالحة للاستهلاك البشري.

خبر يبعث على الارتياح، لأن هناك من يراقب ويتدخل لحماية صحة الناس. لكنه يترك خلفه سؤالًا لا يقل أهمية عن الكمية المضبوطة: كم تنكة زيت عبرت إلى بيوت الفلسطينيين دون أن يعرف أحد ما بداخلها؟ وكم إعلانًا يبيع للناس اسم الزيت الفلسطيني وثقتهم بأرضهم، دون أن يقدم ما يثبت مصدره أو جودته؟

لم يعد السوق يبدأ من دكان في شارع أو تاجر في سوق قديم. صار يبدأ من شاشة هاتف. صورة لتنكة زيت، وعبارة «بلدي أصلي»، ورقم للاتصال، وعرض ينتهي آخر الأسبوع. لا اسم معصرة بالضرورة، ولا شهادة فحص، ولا تاريخ إنتاج يمكن الاطمئنان إليه. يشتري المواطن أحيانًا ما لا يعرفه اعتمادًا على اسم يعرفه جيدًا: زيت الزيتون الفلسطيني.

لكن الحكاية لا تقف عند الغش.

في الأسواق زيت سوري يُعرض بنحو مئتي شيكل لنصف تنكة من ثمانية لترات، وزيت إسباني بمئة وثمانين شيكلًا لخمسة لترات، وآخر يوناني بمئتي شيكل للكمية نفسها. وفي المقابل نسمع عن معاصر فلسطينية تعرض خمسة عشر لترًا بثمانمئة شيكل، بعدما تراوحت أسعار التنكة في الموسم الماضي، وفق عروض كثيرة، بين سبعمئة وثمانمئة شيكل.

ليست هذه مقارنة علمية بين زيوت تختلف درجات جودتها ومصادرها وتكاليف وصولها إلى السوق، لكنها صورة حقيقية للفوضى التي يواجهها المواطن. أسعار تتباعد إلى حد يجعل السؤال عن الزيت يتحول إلى سؤال عن القدرة على شرائه.

والأغرب أن الزيت الفلسطيني، الذي يفترض أن يكون الأقرب إلى بيوتنا، قد يصبح الأبعد عن قدرتنا الشرائية.

لكن قبل أن نحاسب المزارع على سعر زيته، علينا أن نذهب إليه.

نترك المدينة خلفنا، ونعبر الطرق التي تضيق كلما اقتربنا من الأرض. هناك على التلال الفلسطينية أشجار زيتون أكبر من أصحابها، زرعها أجداد رحلوا وبقيت جذورها تحفظ أسماءهم. أشجار تعرف العائلات كما تعرف العائلات أبناءها، ولها في ذاكرة كل بيت موسم قطاف، وصوت جدة، ورائحة خبز ساخن يُغمس في أول زيت يخرج من المعصرة.

كان القطاف عيدًا صغيرًا يتكرر كل خريف. يجتمع الأبناء والأحفاد، تتوزع السلال تحت الأشجار، وتمتد الشراشف فوق التراب، وتختلط أصوات الناس بحفيف الأغصان. لم يكن أحد يحسب يومه بعدد ساعات العمل وحدها، فالأرض كانت تجمع ما فرّقته الحياة.

أما اليوم فقد أصبح الوصول إلى بعض الأشجار مغامرة.

مزارع يحمل سلمه وأكياسه ويصل إلى طريق مغلقة. وآخر يرى أرضه من بعيد، لكنه لا يستطيع الوصول إليها. وثالث يصل بعد انتظار طويل ليكتشف أن أحدًا سبقه إلى قطاف محصوله. وفي مكان آخر أشجار مقطوعة، وجذوع محترقة، وأغصان مبعثرة فوق أرض لم تعد تعرف لماذا عوقبت.

ليس هذا مشهدًا عابرًا في موسم سيئ. إنها اعتداءات تتكرر عامًا بعد عام، وقد وثقت المؤسسات الفلسطينية والدولية آلاف الأشجار التي اقتُلعت أو أُحرقت أو تضررت، ومحاصيل سُرقت، وأراضي مُنع أصحابها من الوصول إليها.

ولعل أكثر الصور قسوة تلك التي يلتقي فيها الزيتون المسروق بالسوق.

تظهر إعلانات عن زيت يبيعه مستوطنون بنحو أربعمئة وسبعين شيكلًا للتنكة ذات الستة عشر لترًا. لا يكفي الإعلان وحده لمعرفة مصدر كل قطرة زيت، لكن مجرد وضعه إلى جانب مشاهد سرقة المحاصيل الفلسطينية يفتح احتمالًا مرعبًا: أن يخرج الزيتون من أرض الفلسطيني دون إرادته، ثم يعود إليه زيتًا معروضًا للبيع.

تخيلوا أن يشتري المزارع زيت زيتونه ممن سرقه.

أي مفارقة أشد قسوة من أن يتحول صاحب الأرض إلى زبون عند من استولى على ثمارها؟

لكن الكاميرا لا تستطيع أن تبقى في الحقل طويلًا. فهناك مشهد آخر ينتظرنا في المدينة.

امرأة تقف أمام رفوف الزيت في متجر، تقرأ الأسعار وتعيد حساب ما تبقى من راتب الأسرة. تعرف أن الزيت الفلسطيني هو زيت أرضها، وتعرف أيضًا أن عليها شراء الخبز والحليب والدواء ودفع فاتورة الكهرباء.

هي لا تكره المزارع، ولا تريد أن يخسر محصوله. لكنها لا تستطيع أن تدفع ثمن اعتداء لم ترتكبه.

وهنا تبدأ المفارقة الفلسطينية الأكثر إيلامًا.

المزارع الذي يُسرق محصوله أو يُمنع من الوصول إلى أرضه يخسر رزقه، والمواطن الذي يرتفع عليه سعر الزيت يخسر جزءًا من قدرته على العيش. كلاهما يدفع ثمنًا لواقع لم يختره، وكأن الاعتداء الذي يبدأ عند الشجرة لا ينتهي إلا على مائدة الأسرة الفلسطينية.

لكن هل يبرر انخفاض إنتاج الموسم رفع الأسعار إلى أي مستوى؟ وهل يجوز أن يدفع المستهلك ثمن محصول سرقه المستوطن أو شجرة أحرقها؟ وهل يستطيع المزارع أن يتحمل وحده تكاليف أرضه وخسارة إنتاجه، ثم يُطلب منه أن يبيع بسعر لا يغطي ما أنفقه؟

لا المزارع يستطيع ذلك، ولا المواطن ينبغي أن يتحمله.

فالاثنان ليسا خصمين في سوق واحدة، بل شريكان في خسارة واحدة.

وإذا تُركت العلاقة بينهما لقانون العرض والطلب وحده، فقد نجد أنفسنا أمام نتيجة لا يريدها أحد: مزارع يعجز عن بيع زيته بسعر يحفظ له دخله، ومواطن يعجز عن شرائه، وزيت مستورد يملأ الرفوف، بينما يبقى الزيت الفلسطيني في مخازن أصحابه.

أليس غريبًا أن نرفع شجرة الزيتون رمزًا للصمود في كل مناسبة، ثم نترك صاحبها وحيدًا أمام السوق؟

هنا لا يعود السؤال عن سعر التنكة وحده، بل عن السياسة الزراعية والاقتصادية الفلسطينية كلها.

لماذا لا تكون هناك سياسة واضحة تحمي المزارع والمستهلك معًا؟ لماذا لا نعرف تكلفة إنتاج الزيت الفلسطيني الحقيقية، من حراثة الأرض وتقليم الأشجار إلى القطاف والعصر والنقل؟ ولماذا لا تُعلن أسعار استرشادية عادلة، وتُراقب هوامش أرباح الوسطاء، ويُضبط الغش في الزيت المحلي والمستورد على السواء؟

ولماذا لا تتحمل الخزينة الفلسطينية، بمساندة صناديق عربية ودولية، جزءًا من خسائر المزارعين الذين حُرموا من محاصيلهم بفعل اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، بدل أن تتحول هذه الخسائر إلى زيادة يدفعها المستهلك؟

يمكن أن يكون لدينا مخزون وطني من زيت الزيتون، وتعاونيات تشتري من المزارعين بأسعار عادلة، وآليات دعم للأسر محدودة الدخل. ويمكن أن نتعلم من تجارب الدول المنتجة للزيت، من لبنان وسوريا وتونس والمغرب إلى إسبانيا والبرتغال واليونان، وحتى الأسواق المستوردة في السعودية، كيف تُدار العلاقة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع والدعم الزراعي وحماية المستهلك.

ليس المطلوب أن يصبح الزيت الفلسطيني الأرخص بأي ثمن، بل ألا يصبح غاليًا على أهله إلى الحد الذي يدفعهم بعيدًا عنه.

ثم إن هناك خسارة لا تظهر في سعر التنكة.

حين يسرق المستوطن محصول شجرة، فهو يسرق إنتاج سنة. وحين يقطعها أو يحرقها، فهو يسرق سنوات قد يحتاجها صاحبها حتى تنمو شجرة أخرى وتبدأ بالإثمار.

من يحسب تلك السنوات؟

من يحسب عمر شجرة زيتون تجاوزت السبعين، أو المئة، أو المئتين؟ من يحسب دخل الأسرة الذي انقطع، وكلفة إعادة الزراعة، والسنوات التي سيمضيها المزارع منتظرًا محصولًا جديدًا؟

هل تتحول هذه الخسائر إلى أرقام في دفاتر الدولة، أم تبقى صورًا حزينة تنشرها وسائل الإعلام مع كل موسم قطاف؟

لدينا هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، التي تتابع اعتداءات الاحتلال والمستوطنين وتوثقها. ولدينا وزارة الزراعة، ومؤسسات قانونية وحقوقية، وجهات تستطيع أن تعرف أين اقتُلعت الشجرة، ومن يملك الأرض، وكم كان إنتاجها، وما الذي خسره صاحبها.

لكن ماذا يحدث بعد أن تنتهي عملية التوثيق؟

هل يصبح لكل شجرة اقتُلعت ملف يحمل اسم صاحبها وقيمة خسارته؟ وهل تتحول الملفات إلى مطالبات بالتعويض، أم تظل أرقامًا تتراكم في التقارير؟

لا نحتاج إلى اختراع ذاكرة جديدة لفلسطين. نحتاج إلى أن نجمع ما تملكه مؤسساتنا من ذاكرة، وأن نعطيها قيمة قانونية واقتصادية، وأن نجعل من كل خسارة حقًا لا يضيع بانتهاء الموسم.

وهنا تأخذنا الحكاية إلى مكان قد يبدو بعيدًا عن الزيتون.

إلى مكتب شركة تأمين إسرائيلية.

هناك ملفات لسيارات مسروقة، وأرقام هياكل، ووثائق ملكية، وتعويضات دُفعت لأصحابها. وهناك شركات تأمين إسرائيلية أقامت دعاوى بمئات الملايين من الشواكل، تطالب السلطة الفلسطينية بمبالغ تقول إنها تكبدتها بسبب سيارات سُرقت من داخل إسرائيل ونُقلت إلى مناطق فلسطينية.

وتسعى هذه الشركات إلى الوصول إلى أموال فلسطينية محتجزة لدى إسرائيل، وإن كانت المطالبات القضائية شيئًا، واقتطاع الأموال بالفعل شيئًا آخر.

في ذلك المكتب يعرفون كيف يحسبون قيمة السيارة المسروقة، وكيف يجمعون الأوراق، وكيف يستعينون بالمحامين، وكيف يحولون الخسارة إلى مطالبة مالية.

وفجأة تعود صورة شجرة الزيتون إلى المشهد.

السيارة لها رقم هيكل، والشجرة لها جذع يعرفه صاحبها منذ طفولته. السيارة لها وثيقة ملكية، والشجرة لها أرض وسجل وذاكرة عائلة. السيارة لها شركة تأمين ومحامون يطالبون بثمنها، أما الشجرة التي اقتُلعت من أرض الفلسطيني، فمن يطالب بثمنها؟

وهل يعقل أن تكون السيارة المسروقة أكثر قدرة على الوصول إلى المحاكم من شجرة زيتون اقتُلعت من أرضها؟

ليس المطلوب أن نساوي بين سيارة وشجرة، بل أن نسأل لماذا تستطيع المؤسسات الاقتصادية أن تحول خسائرها إلى حقوق مالية تطالب بها، بينما يظل المزارع الفلسطيني مطالبًا بالصبر على خسارة تتكرر عامًا بعد عام.

ولماذا لا تمتلك فلسطين سجلًا وطنيًا شاملًا لخسائرها الزراعية، لا يبدأ مع موسم القطاف وينتهي بانتهائه، بل يمتد عبر السنوات، ويضم الأشجار والمحاصيل والأراضي والمياه وطرق الوصول التي أغلقها الاحتلال؟

سجلًا يعرف العالم من خلاله أن الاحتلال لا يقتلع الأشجار فقط، بل يقتلع مصادر الدخل، ويعطل الإنتاج، ويدفع المزارعين إلى الفقر، ثم يترك المجتمع الفلسطيني كله يدفع ثمن ما جرى.

وقد أقرت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في تموز 2024، مبدأ مسؤولية إسرائيل عن جبر الأضرار الناجمة عن أفعالها غير المشروعة في الأرض الفلسطينية المحتلة.

فلماذا لا تتحول هذه المسؤولية من كلمات في وثيقة دولية إلى مطالبة فلسطينية مستمرة، تحملها المؤسسات المختصة إلى كل ساحة يمكن أن تسمعها؟

ومن هنا تتسع الصورة أكثر.

نغادر فلسطين ونعبر البحر إلى أوروبا.

هناك في بروكسل تُعقد الاجتماعات، وتُراجع الاتفاقيات، وتُقر الموازنات، وتُناقش العلاقات التجارية والاقتصادية مع إسرائيل. أموال تتحرك بين مؤسسات وشركات وبرامج بحثية، واتفاقيات تُفتح لها الأبواب، وقرارات تستطيع أن تمنح امتيازات أو تعلقها.

والاتحاد الأوروبي الذي لا يعترف بشرعية المستوطنات، ويستبعد منتجاتها من الامتيازات التجارية الممنوحة لإسرائيل، يعرف أن الاستيطان ليس مجرد خلاف على حدود، بل اعتداء على أرض وحقوق ومصادر حياة.

فلماذا لا يصل إلى هذه المكاتب ملف فلسطيني كامل عن خسائر المزارعين، لا يحمل صور الأشجار المقطوعة وحدها، بل قيمتها الاقتصادية، وأسماء أصحابها، وما خسرته العائلات من دخل وما فقدته الأرض من إنتاج؟

ولماذا لا تطالب فلسطين بأن تتحول العلاقات الاقتصادية الأوروبية مع إسرائيل إلى وسيلة ضغط حقيقية لوقف الاعتداءات وجبر الأضرار؟

ولماذا لا يُبحث اقتطاع قيمة الخسائر من الأموال الأوروبية المخصصة لجهات إسرائيلية حيث يسمح القانون، أو تجميد التمويل المرتبط بالاستيطان، أو إنشاء آلية تعويض أوروبية تضمن حصول المزارع على حقه، مع بقاء المسؤولية الأصلية على من تسبب في الضرر؟

قد تكون الطريق القانونية معقدة، وقد تحتاج إلى قرارات واتفاقيات جديدة. لكن ما الذي يمنع أن يصبح هذا مطلبًا فلسطينيًا واضحًا، بدل أن نظل ننتظر من العالم بيانات الإدانة كلما احترقت شجرة؟

فالمزارع الفلسطيني لا يحتاج إلى من يخبره أن اقتلاع شجرته عمل غير مشروع. هو يعرف ذلك منذ اللحظة التي رأى فيها جذورها خارج الأرض.

إنه يحتاج إلى من يعيد إليه حقه، أو يعوضه عن خسارته، ويساعده على البقاء في أرضه.

والأهم ألا يتحول التعويض الأوروبي، إن تحقق، إلى إحسان يعفي الاحتلال من مسؤوليته. فالحق لا يصبح منحة لأن صاحبه ضعيف، ولا تتحول الخسارة إلى عمل خيري لمجرد أن العالم تأخر في محاسبة من تسبب بها.

ثم تعود الكاميرا إلى فلسطين، إلى حيث بدأت الحكاية.

إلى شاشة هاتف تعرض زيتًا من موسم لم يبدأ بعد، وإلى مخزن ضُبطت فيه آلاف اللترات غير الصالحة للاستهلاك، وإلى معصرة ينتظر أمامها مزارع يحمل محصول سنة كاملة، وإلى متجر تقف فيه امرأة تحسب ثمن تنكة زيت.

وإلى شجرة على تلة بعيدة، ربما لم يصل إليها صاحبها هذا العام.

كل هذه المشاهد تبدو منفصلة، لكنها في الحقيقة أجزاء من صورة واحدة.

فالغش التجاري يعتدي على ثقة المواطن وغذائه، وارتفاع الأسعار غير المبرر يعتدي على قدرته الشرائية، والاعتداء الاستيطاني يضرب المزارع في مصدر رزقه، وغياب التعويض يترك الخسارة تنتقل من الأرض إلى السوق، ومن السوق إلى البيت الفلسطيني.

ولهذا فإن حماية الزيتون لا تبدأ عند موسم القطاف وتنتهي عند المعصرة.

إنها تبدأ بحماية الأرض، وتمر بحماية المزارع، ثم بضمان جودة الزيت وعدالة سعره، ولا تنتهي إلا حين يعرف من يعتدي على الشجرة أن خسارتها لن تُنسى، وأن صاحبها ليس وحده في مواجهة ما جرى.

نحتاج إلى دولة تحسب خسائر مواطنيها كما تحسب إيراداتها، وإلى مؤسسات لا تكتفي بتسجيل الاعتداء، وإلى سوق لا يترك المستهلك فريسة الغش والمضاربة، وإلى سياسة لا تجعل المزارع يدفع ثمن الاحتلال من أرضه ثم تجعل المواطن يدفعه مرة ثانية من قوت أسرته.

فليس من العدالة أن يُسرق زيتون الفلسطيني، ثم يُطلب منه أن يعوض نفسه برفع سعر الزيت على فلسطيني آخر.

وليس من العدالة أن تبقى شجرة الزيتون رمزًا للصمود في خطاباتنا، بينما يظل صاحبها وحيدًا أمام خسارته.

في المشهد الأخير يعود المزارع إلى أرضه.

لا يحمل ملفًا قضائيًا، ولا يعرف تفاصيل الاتفاقيات الأوروبية، ولا أسماء الشركات التي تلاحق أموال السلطة. يحمل سلمًا قديمًا وأكياسًا فارغة، ويمشي بين أشجار يعرفها واحدة واحدة.

يتوقف أمام مكان شجرة لم تعد هناك.

ينحني، يلتقط حفنة من التراب، ثم يرفع رأسه نحو الأشجار الباقية.

لا يقول شيئًا.

ومن بعيد نرى البيوت الفلسطينية على امتداد التلال. في أحدها طفل يغمس قطعة خبز في زيت الزيتون، وفي بيت آخر أم تحسب ما تبقى من ثمن التنكة، وفي مكان ثالث مزارع ينظر إلى أرض لا يستطيع الوصول إليها.

تبتعد الكاميرا، وتتسع الصورة، حتى تصبح الأشجار والبيوت والطرق المغلقة والأسواق جزءًا من مشهد واحد.

هناك من سرق الثمار، وهناك من خسر محصوله، وهناك من دفع ثمن الزيت، وهناك مؤسسات تستطيع أن تحسب الخسارة وتطالب بحق أصحابها.

لكن الشجرة الغائبة لا تظهر في حسابات السوق.

يبقى مكانها فارغًا.

ويبقى السؤال:

من يسرق الزيتون… ومن يدفع ثمن السرقة؟

وربما كان السؤال الأشد إيلامًا: إلى متى سيظل الفلسطيني يدفع ثمن ما يُسرق منه، مرة حين يفقد أرضه ومحصوله، ومرة حين يشتري زيت بلاده؟

يحيى بركات
11/10/2026
من يسرق الزيتون… ومن يدفع ثمن السرقة؟



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...