مصطفى عبدالله يكتب عن فاطمة لا ترقص التانجو

بين يدي الآن "فاطمة لا ترقص التانجو" أحدث مجموعة قصصية للمبدع والناقد أحمد رجب شلتوت الذي يهديها إلى حفيديه: "أحمد وعمرو حسام.. ضحكاتكما أجمل ما في الحياة"، ومن هنا قد نشعر، مع الغلاف الذي يحمل إشراقة راقصي التانجو وخفتهم أن الكتاب يضم قصصًا لها طابع المرح، لكن تجد داخل قصصه ضحكات كالبكاء، أو قل أوجاعًا مخفية يضحك منها منْ ليس في قلبه رحمة.
ففي "الضاحكون" ترى كيف يستطيع بعض قساة القلوب أن يجدوا في معاناة إنسان أو ظلمه مجالًا للتندر، وإطلاق الضحكات؛ فنرى فلاحًا بسيطًا كان ينتوي السير حتى القنطرة، ليعبر فوقها إلى الجهة الأخرى من الترعة، لكنه ولبعد المسافة عن القنطرة، آثر أن يعبر الفلق عوضًا عنها.
هنا تبدأ مأساته، حيث يجلس مجموعة من الرجال يتحلقون حول نار موقدة، وعندما تقع أنظارهم عليه يقررون أن يتخذوه مادة لتسلية وقتهم.. "لم يدر أنهم طلبوا من كبيرهم أن يُضحكهم عليه. صَوَّب كبيرهم بندقيته تجاه القادم. سعل وصرخ فيه: من هناك؟".
ويأمره أن يظل واقفًا في مكانه حتى الصباح تحت تهديد بندقيته، ولكنهم لم يضحكوا.. "ربما حرجًا من كبيرهم، أو لعلهم لم يتوقعوا أن يكون هكذا الإضحاك".
ومن العجب أن هؤلاء الأشرار تحركت بداخلهم الشفقة تجاه "عوضين" واستعطفوا كبيرهم ليتركه يمر في سلام. ولكن كبيرهم أبى أن يُنهي هذه المهزلة إلا إن أضحكهم..
"لن تمر إن لم تُضحكنا.
كيف؟
ترقص؟
لكني لا أعرف الرقص
إذن لن تمر
دعني الآن أمر، وأعدك أن أتعلم الرقص وسوف أرقص لك في أي مكان تريد.. في السوق.. في البيت.. في الحقل.. لكن دعني الآن أمر".
ولكنه أمره أن يجلس مكانه رافعًا يديه لأعلى. وعندما ملوا من هذه اللعبة الخائبة، طلبوا من كبيرهم أن يدعه يمر.. "أمره فقام، بصعوبة عَبَر الفلق، دنا منهم، رأوا ملابسه وقد ابتلت، أدركوا أنه بال على نفسه. حينئذ فقط ضحكوا، بينما كان عوضين يبكي في صمت".
رغم بساطة هذه القصة، إلا أن الكاتب يختزل فيها ظاهرة ضخمة نعيش فيها وتتوغل، بكل أسف، في حياتنا، ألا وهي ظاهرة "التنمر"، ويرينا قُبحها، كيف يجد بعض المشوهين نفسيًا سعادتهم وهم يطلقون قهقهاتهم عندما يُشعرون غيرهم بالصغر والدونية!
يا له من شعور كريه صادر عن نفوس شوهاء.
ننتقل من مأساة إلى أخرى، ففي كل قصة حكاية موجعة تُسلمنا لما تليها التي تمتلئ بآلام جديدة، ففي قصة "عراء" نتعرف على رب بيت مُرهف الحس يعشق ذكريات طفولته وشبابه، وكيف أنه، وتحت إلحاح امرأته يضطر لهجر بيت عائلته بعد أن هجرته هي حاملة الأبناء خوفًا من انهيار المنزل بعد أن ازدادت شقوقه "لم تصدق أن البيت سليم، جدرانه متينة وتستطيع التحمل لأكثر من عشر سنوات أخرى، وسيشهد البيت فناء من تآمروا لإزالته.. تمسك بالمنزل القديم، وحدته زادت من شروخ الحوائط، فلحق بالنازحين".
اقترحت عليه زوجته أن يتوجه إلى الجيران يدعوهم للمشاركة في ترميم البيت، ويقنعهم بأن ذلك أرخص من تكلفة شراء بيوت جديدة. وعندما يتوجه في الصباح إلى بيته يجده وقد أصبح كومة من خشب وحجارة، بينما يعلو الغبار ويضج الشارع بصراخ النسوة، وبذلك يتبخر أي حلم في العودة إلى بيته القديم.
ولأن زوج أخت امرأته لم يتحملهم، فلم يجدوا غير خيام المحافظة لتأويهم.
هنا يوضح الكاتب كيف أن حياة الخيام تنتقص مع كل لحظة من إنسانية البشر وخصوصيتهم، ويسرد لنا كيف أن بطل القصة ظل يبحث عن مكان يستتر فيه ليفرغ تعب وأوجاع بطنه، ولكنه ينتقل من بقعة إلى أخرى عله يبتعد عن أي عين وحتى عندما وجد ضالته بين عيدان الذرة الطويلة واندس فيها، سمع أصوات "خروشة" جعلته يفر هاربًا، فلعله ذئب وجد فيه فريسة سهلة.. "يجري هاربًا بحياته، يجد نفسه مغروسًا في حقل مروي حديثًا فيفيق، فأس صاحب الحقل إن رآه هكذا ستكون أشد فتكًا من أنياب الذئب. يجاهد الطين ليخرج، لكنه كلما نزع قدمًا تغوص الأخرى، ولم يفلته الطين إلا بعدما احتفظ بنعل الرجل الذي طلعت عليه الشمس وهو يطبع على وجه الطريق آثارًا طينية".
وفي قصة "كان جميلًا" راقب طفل صغير عصفورًا يحاول أن يجد له مخرجًا من الحجرة المغلقة.. "يحبو الطفل مقلدًا الطائر في تخبطه وحيرته، يتعثر في لعبه التي تملأ أرض الحجرة، لا يمتلك دأب الطائر فيتعب بسرعة ويغزوه شعور بالملل، يركن إلى جلسته ويظل ممسكًا بدمية لحسان مكسور، يرميها ويتابع إصرار الطائر على الانفلات، تتحرك رأسه في الجهات كلها تبعًا لحركة الطائر، لا يتعب الطائر والطفل لا يحفظ توازنه، على الظهر يسقط، يستريح لرقدته ويحدق في السقف. ينتبه لمروحة لا تكف عن الدوران حول نفسها مصدرة أزيزًا مزعجًا، يراها كطائر كبير فينسى قليلًا طائره الصغير المزركش".
يحاول الطفل الإمساك بالعصفور فيخمش كفه بقدمه الصغيرة.. "يتابعه الطفل وهو يرتفع باتجاه السقف، يرى الطائر المعدني الضخم في نوبة توحشه، يصيد الطائر المزركش الصغير، يخبطه بجناح ويتلقفه بآخر فيتطاير الريش المزركش. يتساقط بعضه فوق رأس الطفل الذي لا يدرك حقيقة ما حدث، لكنه يشعر بالفزع. تغيض ضحكته ويحبو نحو حطام الطائر الذي هوى، يمسك به، لم يجفل الطائر ولم يخمشه. ثمة شيء غادره وأفقد الطفل الشعور بالبهجة. يُلقي بحطام الطائر ويشعر بشيء لزج يلطخ كفه، ينظر فيرى الكف احمرت فيصرخ ويصرخ".
في هذه القصة نشعر أننا عدنا صغارًا كهذا الطفل، ونتوحد معه عندما كان يراقب العصفور بفرحة وحبور، وعندما يسقط الطائر صريعًا تسقط قلوبنا في صدورنا ونعلم أن سر الحياة قد غادره، وهو الذي يجعل لكل كائن بريقه، فعندما غادرته الروح فقد الطفل شغفه به، لأنه أصبح مجرد لحم وريش وعظام، لم يعد العصفور الجميل الذي كان يملأ الغرفة حركة وهو يبحث عن نافذة مفتوحة ينطلق منها إلى أفق أرحب.
أما القصة التي تحمل المجموعة عنوانها "فاطمة لا ترقص التانجو"، فنستطيع أن نقول إنها تحمل روحًا جميلة مُحبة، ولكنها أيضًا بها مسحة من حزن كسائر قصص شلتوت، كما أن بها نوعًا من الفانتازيا في أكثر من قصة؛ فالبطل يهيم على وجهه وحيدًا في ليلة شتوية باردة يبحث عن الأضواء المنارة خلف النوافذ المغلقة، يتخيل حيوات الناس في هذا الشتاء الثقيل، يشم رائحة القهوة. يرسم له عقله واقعًا موازيًا يرى فيه فتاة أحلامه، فيركض وراءها في الطرقات.. يمسك كفها ويضمها إلى صدره كمراهق يشعر لأول مرة بدفء امرأة بين ذراعيه.. "ابتسمت، فَولَّت العتمة.. لامست يديها.. آه.. دفء يديها أذهب عني برد الليل.. آه.. يا للدفء الحنون الحميم، كأن سنيني لم تعرف الشتاء يومًا، الثلج بداخلي يذوب.. يطفح عرقًا ودموعًا.. مخضوض قلبي فأغني، تضحك وتبادلني الغناء لحظة، ثم تسكت وتقول مداعبة: صوتك ليس جميلًا". يطلب منها أن يرقصا تانجو كي يكف عن الغناء، ويضحكا معًا، فكلاهما لا يستطيع الرقص.
وهو في عنفوان أحلامه ببيت يجمعها، وتصنع له فيه فنجان القهوة، فيغضب، لأنه "بلا وش".. يفاجأ بأنها ليست بجانبه، وأنها كحلم جميل تسرب من بين أصابعه، فتصفعه الصدمة، يركل قط أسود، يفرغ ما في جوفه على الأسفلت، ويسأل القط: "هل حقًا فاطمة كانت معي؟".
يضم هذا الكتاب 42 قصة قصيرة تحفل بأوجاع الإنسان، وأحلامه المبتورة، وطموحاته المتكسرة تحت وطأة الظروف المختلفة.
ويُفرد شلتوت الجزء الأخير من كتابه للرؤى النقدية، فيتيح لقارئه دراستين عن هذه المجموعة: "قصص أحمد رجب شلتوت من منظور وجودي" للدكتور ماهر عبدالمحسن"، و"أحمد رجب شلتوت يوثق مواجع المصريين قصصيًا" للدكتور عبدالكريم الحجراوي.
والكتاب يقع في 164 صفحة من القطع المتوسط، وصادر عن "وكالة الصحافة العربية.. ناشرون".
عرض أقل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...