للكتابة وجهان لا يفترق أحدهما عن الآخر؛ وجه يشبه النافذة المفتوحة على العالم، ووجه يشبه بابًا لا يعرف صاحبه كيف يغلقه. في اللحظة التي يجلس فيها الكاتب إلى مكتبه، قد يشعر بأنه يملك الحياة كلها، وأن الكلمات قادرة على أن تمنحه فرصة ثانية ليعيش ما فاته، ويقول ما عجز عن قوله، ويعيد ترتيب عالم لم يستطع يومًا أن يفهم فوضاه. لكنه، في اللحظة نفسها، قد يكتشف أنه وقع في أسر شيء لا يستطيع الفكاك منه بسهولة.
متعة الكتابة أن تمنح الإنسان حياة إضافية. نحن لا نعيش عمرًا واحدًا كما نظن؛ نعيش أعمارًا كثيرة بعدد التجارب التي تمر بنا، والأشخاص الذين نلتقيهم، والأماكن التي نسكنها، والطرق التي لم نسلكها. والكاتب يستطيع أن يعود إلى طفولته، وأن يمشي في شوارع غادرها منذ سنوات، وأن يجلس مع أبيه الراحل على مقهى قديم، وأن يستعيد صوتًا ظن أنه نسيه. يفتح الورقة البيضاء، فتنهض الوجوه من غيابها، وتستعيد الأماكن ملامحها، ويصبح الماضي، ولو لساعات قليلة، حاضرًا يمكن لمسه بالكلمات.
أحيانًا أظن أن الكتابة محاولة مستمرة لإنقاذ الأشياء من اختفائها. نحن نكتب لأن الزمن يمضي بلا اعتذار، ولأن الوجوه التي نحبها تتغير، ولأن الأماكن التي عرفناها في طفولتنا قد لا نجدها حين نعود إليها. نكتب لنمنح اللحظات العابرة عمرًا أطول، ولنعترف لأنفسنا بما أخفينا عنها طويلًا. وقد نكتب عن ملك عاش قبل آلاف السنين، ثم نكتشف أننا لم نكن نبحث عن ملامح الملك بقدر ما كنا نبحث عن الإنسان الذي يقف خلف الحجر، وعن خوفه وأحلامه وأسئلته التي لم تختلف كثيرًا عن أسئلتنا.
هذه هي متعة الكتابة الحقيقية؛ أن تكتشف أن العالم أكبر مما تراه العين، وأن الإنسان أعمق مما تكشفه الملامح، وأن الحكايات الصغيرة التي تمر بجوارنا كل يوم قد تحمل من المعنى ما لا تحمله الكتب الضخمة. قد يبدأ الأمر بمشهد لرجل ينتظر حافلة في شارع مزدحم، أو بطفل يراقب أباه وهو يعد النقود قبل شراء احتياجات البيت، أو بامرأة تعود إلى منزلها في المساء تحمل تعب يوم كامل. ثم تتسع الحكاية، فنرى المجتمع في وجه فرد، ونقرأ التاريخ في تفصيلة صغيرة، ونكتشف أن الحياة العادية ليست عادية على الإطلاق.
لكن الكتابة ليست متعة خالصة. هنا تبدأ اللعنة.
لعنة الكتابة أن الكاتب لا يستطيع أن يكتفي برؤية العالم كما يراه الآخرون. إنه يراقب أكثر مما ينبغي، ويسأل عن أشياء يمر بها غيره دون توقف، ويبحث عن معنى وراء الكلمات، وعن حكاية خلف الصمت، وعن جرح يختبئ وراء ابتسامة. قد يجلس بين أصدقائه، بينما ينشغل جزء منه بتسجيل حركة يد، أو التقاط عبارة عابرة، أو تخيل نهاية مختلفة لمشهد يعيشه في تلك اللحظة. يبدو حاضرًا معهم، لكنه يكون في مكان آخر أيضًا؛ في تلك المسافة الغامضة بين الحياة وهي تحدث، والحياة وهي تتحول إلى كلمات.
والأصعب أن الكاتب لا يستطيع دائمًا أن يضع حدًا لما يراه. بعض الناس ينسون الإساءة بعد أيام، أما هو فقد تظل كلمة قيلت له قبل سنوات حية في ذاكرته، لا لأنها كانت قاسية فحسب، بل لأنها تركت وراءها سؤالًا لم يجد له إجابة. وقد يظل مشهد صغير يطارده طويلًا، حتى يكتشف أن عليه أن يكتبه لكي يتحرر منه، أو لكي يفهم لماذا بقي داخله كل هذه المدة.
الكتابة، بهذا المعنى، ليست تسجيلًا للحياة، بل طريقة شاقة لمواجهتها. إنها تجبرنا على الاقتراب من المناطق التي نفضل الابتعاد عنها، وتضعنا أمام تناقضاتنا وأخطائنا وخيباتنا. وقد يكتب المرء عن الشجاعة بينما يكتشف خوفه، أو عن الحب فيرى عجزه عن التعبير عنه، أو عن الحرية فيدرك مقدار ما تنازل عنه من أحلامه الصغيرة. فالكاتب لا يخرج دائمًا من تجربته منتصرًا؛ أحيانًا يخرج منها أكثر وعيًا بما خسره، وأكثر قدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.
وللكتابة لعنة أخرى لا تقل قسوة: أن تظل الكلمات في رأس صاحبها حتى عندما يريد أن يرتاح. هناك رواية لا تكتمل، ومقال يؤجل، وشخصية تطلب أن تعيش، وفكرة تظهر في أكثر اللحظات انشغالًا. يجلس الكاتب مع أسرته، أو يخرج في نزهة، أو يحاول أن ينام مبكرًا، فتأتيه جملة لم يكن يبحث عنها. ينهض ليسجلها، ثم يجد نفسه قد فتح بابًا إلى عالم كامل. تمر ساعة وراء أخرى، وينسى موعد نومه، وربما نسي أنه كان يريد فقط أن يكتب سطرًا واحدًا.
ومع ذلك، ليست المشكلة في السهر وحده، بل في الشعور بأن ما كُتب لا يزال أقل مما ينبغي. ينتهي الكاتب من نص، فيفرح به قليلًا، ثم يبدأ في اكتشاف ما ينقصه. يراجع جملة، ويحذف فقرة، ويغير نهاية، ثم يعود إلى البداية كأن النص لم يبدأ بعد. وحين ينشر عمله، يشعر بالفرح، لكنه سرعان ما يفكر في العمل التالي. كأن الكتابة طريق لا يصل إلى محطة أخيرة، وكأن كل كتاب ليس إلا محاولة للاقتراب من إجابة تتراجع كلما ظننا أننا أمسكنا بها.
وقد تكون أقسى لحظات الكاتب حين لا يستطيع الكتابة. يجلس أمام الورقة، ويشعر أن الكلمات التي رافقته طويلًا قد غادرته فجأة. ينظر إلى الصفحة البيضاء فلا يرى فيها وعدًا، بل يرى عجزه. يقرأ ما كتبه الآخرون، فيشك في قدرته، ويقارن بداياته بنهاياتهم، وينسى أن لكل صوت رحلته، وأن الصمت أحيانًا جزء من العمل الذي لم ينضج بعد. في تلك اللحظات، تصبح الكتابة امتحانًا للصبر، وتتحول الرغبة في التعبير إلى عبء ثقيل.
ثم تأتي مسألة أخرى يعرفها كل من اختار أن يكتب بجدية: العلاقة بين الكاتب والعالم. قد يمنحه الناس تقديرهم، وقد يقرأون كتبه ويحتفون بها، لكنهم لا يعرفون دائمًا ما الذي كلفه إنجازها. لا يرون الأيام التي قضاها في البحث، ولا الصفحات التي حذفها، ولا الشك الذي رافقه، ولا المعارك الصامتة التي خاضها مع نفسه كي يخرج نصه إلى النور. وقد يظن البعض أن الكاتب يعيش داخل الكلمات بعيدًا عن أعباء الحياة، بينما تكون الكتابة بالنسبة إليه محاولة لفهم تلك الأعباء واحتمالها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نجعل المعاناة شرطًا للإبداع، أو أن نتصور أن الكاتب العظيم لا بد أن يكون تعيسًا. هذه صورة رومانسية ظالمة، تجعل الألم فضيلة في ذاته، وتنسى أن الإنسان يحتاج إلى الراحة والحب والصداقة والضحك، كما يحتاج إلى العزلة والتأمل. فالكتابة ليست عقوبة، ولا ينبغي أن تكون بديلًا عن الحياة. إذا استهلكت الإنسان حتى لم يعد قادرًا على الاستمتاع بمن يحبهم، فقد يحتاج إلى أن يعيد النظر في علاقته بها، لا أن يتباهى بقدرته على الاحتمال.
لقد تعلمت من الكتابة أن الحياة ليست مادة خامًا نستخدمها ثم نلقيها جانبًا. هي الأصل الذي نعود إليه كلما ابتعدنا في الخيال، وهي الامتحان الذي يمنح الكلمات صدقها. لا قيمة لرواية عظيمة إذا جعلتنا أقل رحمة بالناس، ولا جدوى من مقال بليغ إذا جعلنا أكثر غرورًا، ولا معنى لكتاب عن الحرية إذا عجز صاحبه عن احترام حرية الآخرين. الكتابة الحقيقية لا ترفع الكاتب فوق البشر، بل تعيده إليهم بوعي أعمق، وبقدرة أكبر على فهم ضعفهم وتناقضاتهم وأحلامهم.
وأحسب أن الكاتب يحتاج، بين وقت وآخر، إلى أن يغلق دفتره ويخرج إلى الشارع دون أن يبحث عن مادة لعمل جديد. يحتاج إلى أن يجلس مع أصدقائه دون أن يحول كل حديث إلى نص محتمل، وأن يسافر من أجل المتعة لا من أجل وصف المكان، وأن يحب دون أن يسأل نفسه كيف سيكتب عن الحب. عليه أن يسمح للحياة بأن تحدث له فحسب، من دون أن يطالبها في كل مرة بأن تمنحه قصة.
فليست كل لحظة مطالبة بأن تتحول إلى أدب، وليست كل دمعة بحاجة إلى وصف، وليست كل تجربة ملزمة بأن تصبح كتابًا. بعض الأشياء يكفي أن نعيشها، وبعض الذكريات من حقها أن تبقى لنا وحدنا، بعيدة عن أعين القراء وتأويلاتهم.
ومع ذلك، حين أعود إلى مكتبي، أعرف أنني سأفتح الورقة من جديد. سأكتب لأن هناك أشياء لا أفهمها إلا حين أحاول التعبير عنها، ولأن العالم، على اتساعه، لا يزال يخبئ أسئلة تستحق أن نتوقف أمامها. سأكتب عن مصر التي تسكنني، وعن الإنسان الذي يظل أكبر من أي تعريف، وعن الزمن الذي يأخذ منا أشياء كثيرة ويترك لنا فرصة نادرة كي نحكي ما حدث.
متعة الكتابة أنها تمنحنا القدرة على إعادة اكتشاف الحياة. ولعنتها أنها تجعلنا عاجزين عن الاكتفاء بما نعرفه عنها.
وربما لا تكون الكتابة متعة أو لعنة فحسب، بل طريقة في الوجود؛ أن تعيش مرتين، مرة حين تحدث الأشياء، ومرة حين تحاول أن تفهمها وتمنحها شكلًا من الكلمات. وفي المسافة بين المرتين، يتغير الكاتب، ويتغير ما يكتبه، ويكتشف أن الكتاب الذي ظن أنه يكتبه عن العالم كان، من ناحية ما، يكتبه عن نفسه.
وحين يضع قلمه أخيرًا، لا تنتهي الحكاية. فثمة حياة تنتظره خارج الصفحة، تستحق أن يعيشها، لا أن يكتفي بالكتابة عنها.
متعة الكتابة أن تمنح الإنسان حياة إضافية. نحن لا نعيش عمرًا واحدًا كما نظن؛ نعيش أعمارًا كثيرة بعدد التجارب التي تمر بنا، والأشخاص الذين نلتقيهم، والأماكن التي نسكنها، والطرق التي لم نسلكها. والكاتب يستطيع أن يعود إلى طفولته، وأن يمشي في شوارع غادرها منذ سنوات، وأن يجلس مع أبيه الراحل على مقهى قديم، وأن يستعيد صوتًا ظن أنه نسيه. يفتح الورقة البيضاء، فتنهض الوجوه من غيابها، وتستعيد الأماكن ملامحها، ويصبح الماضي، ولو لساعات قليلة، حاضرًا يمكن لمسه بالكلمات.
أحيانًا أظن أن الكتابة محاولة مستمرة لإنقاذ الأشياء من اختفائها. نحن نكتب لأن الزمن يمضي بلا اعتذار، ولأن الوجوه التي نحبها تتغير، ولأن الأماكن التي عرفناها في طفولتنا قد لا نجدها حين نعود إليها. نكتب لنمنح اللحظات العابرة عمرًا أطول، ولنعترف لأنفسنا بما أخفينا عنها طويلًا. وقد نكتب عن ملك عاش قبل آلاف السنين، ثم نكتشف أننا لم نكن نبحث عن ملامح الملك بقدر ما كنا نبحث عن الإنسان الذي يقف خلف الحجر، وعن خوفه وأحلامه وأسئلته التي لم تختلف كثيرًا عن أسئلتنا.
هذه هي متعة الكتابة الحقيقية؛ أن تكتشف أن العالم أكبر مما تراه العين، وأن الإنسان أعمق مما تكشفه الملامح، وأن الحكايات الصغيرة التي تمر بجوارنا كل يوم قد تحمل من المعنى ما لا تحمله الكتب الضخمة. قد يبدأ الأمر بمشهد لرجل ينتظر حافلة في شارع مزدحم، أو بطفل يراقب أباه وهو يعد النقود قبل شراء احتياجات البيت، أو بامرأة تعود إلى منزلها في المساء تحمل تعب يوم كامل. ثم تتسع الحكاية، فنرى المجتمع في وجه فرد، ونقرأ التاريخ في تفصيلة صغيرة، ونكتشف أن الحياة العادية ليست عادية على الإطلاق.
لكن الكتابة ليست متعة خالصة. هنا تبدأ اللعنة.
لعنة الكتابة أن الكاتب لا يستطيع أن يكتفي برؤية العالم كما يراه الآخرون. إنه يراقب أكثر مما ينبغي، ويسأل عن أشياء يمر بها غيره دون توقف، ويبحث عن معنى وراء الكلمات، وعن حكاية خلف الصمت، وعن جرح يختبئ وراء ابتسامة. قد يجلس بين أصدقائه، بينما ينشغل جزء منه بتسجيل حركة يد، أو التقاط عبارة عابرة، أو تخيل نهاية مختلفة لمشهد يعيشه في تلك اللحظة. يبدو حاضرًا معهم، لكنه يكون في مكان آخر أيضًا؛ في تلك المسافة الغامضة بين الحياة وهي تحدث، والحياة وهي تتحول إلى كلمات.
والأصعب أن الكاتب لا يستطيع دائمًا أن يضع حدًا لما يراه. بعض الناس ينسون الإساءة بعد أيام، أما هو فقد تظل كلمة قيلت له قبل سنوات حية في ذاكرته، لا لأنها كانت قاسية فحسب، بل لأنها تركت وراءها سؤالًا لم يجد له إجابة. وقد يظل مشهد صغير يطارده طويلًا، حتى يكتشف أن عليه أن يكتبه لكي يتحرر منه، أو لكي يفهم لماذا بقي داخله كل هذه المدة.
الكتابة، بهذا المعنى، ليست تسجيلًا للحياة، بل طريقة شاقة لمواجهتها. إنها تجبرنا على الاقتراب من المناطق التي نفضل الابتعاد عنها، وتضعنا أمام تناقضاتنا وأخطائنا وخيباتنا. وقد يكتب المرء عن الشجاعة بينما يكتشف خوفه، أو عن الحب فيرى عجزه عن التعبير عنه، أو عن الحرية فيدرك مقدار ما تنازل عنه من أحلامه الصغيرة. فالكاتب لا يخرج دائمًا من تجربته منتصرًا؛ أحيانًا يخرج منها أكثر وعيًا بما خسره، وأكثر قدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.
وللكتابة لعنة أخرى لا تقل قسوة: أن تظل الكلمات في رأس صاحبها حتى عندما يريد أن يرتاح. هناك رواية لا تكتمل، ومقال يؤجل، وشخصية تطلب أن تعيش، وفكرة تظهر في أكثر اللحظات انشغالًا. يجلس الكاتب مع أسرته، أو يخرج في نزهة، أو يحاول أن ينام مبكرًا، فتأتيه جملة لم يكن يبحث عنها. ينهض ليسجلها، ثم يجد نفسه قد فتح بابًا إلى عالم كامل. تمر ساعة وراء أخرى، وينسى موعد نومه، وربما نسي أنه كان يريد فقط أن يكتب سطرًا واحدًا.
ومع ذلك، ليست المشكلة في السهر وحده، بل في الشعور بأن ما كُتب لا يزال أقل مما ينبغي. ينتهي الكاتب من نص، فيفرح به قليلًا، ثم يبدأ في اكتشاف ما ينقصه. يراجع جملة، ويحذف فقرة، ويغير نهاية، ثم يعود إلى البداية كأن النص لم يبدأ بعد. وحين ينشر عمله، يشعر بالفرح، لكنه سرعان ما يفكر في العمل التالي. كأن الكتابة طريق لا يصل إلى محطة أخيرة، وكأن كل كتاب ليس إلا محاولة للاقتراب من إجابة تتراجع كلما ظننا أننا أمسكنا بها.
وقد تكون أقسى لحظات الكاتب حين لا يستطيع الكتابة. يجلس أمام الورقة، ويشعر أن الكلمات التي رافقته طويلًا قد غادرته فجأة. ينظر إلى الصفحة البيضاء فلا يرى فيها وعدًا، بل يرى عجزه. يقرأ ما كتبه الآخرون، فيشك في قدرته، ويقارن بداياته بنهاياتهم، وينسى أن لكل صوت رحلته، وأن الصمت أحيانًا جزء من العمل الذي لم ينضج بعد. في تلك اللحظات، تصبح الكتابة امتحانًا للصبر، وتتحول الرغبة في التعبير إلى عبء ثقيل.
ثم تأتي مسألة أخرى يعرفها كل من اختار أن يكتب بجدية: العلاقة بين الكاتب والعالم. قد يمنحه الناس تقديرهم، وقد يقرأون كتبه ويحتفون بها، لكنهم لا يعرفون دائمًا ما الذي كلفه إنجازها. لا يرون الأيام التي قضاها في البحث، ولا الصفحات التي حذفها، ولا الشك الذي رافقه، ولا المعارك الصامتة التي خاضها مع نفسه كي يخرج نصه إلى النور. وقد يظن البعض أن الكاتب يعيش داخل الكلمات بعيدًا عن أعباء الحياة، بينما تكون الكتابة بالنسبة إليه محاولة لفهم تلك الأعباء واحتمالها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نجعل المعاناة شرطًا للإبداع، أو أن نتصور أن الكاتب العظيم لا بد أن يكون تعيسًا. هذه صورة رومانسية ظالمة، تجعل الألم فضيلة في ذاته، وتنسى أن الإنسان يحتاج إلى الراحة والحب والصداقة والضحك، كما يحتاج إلى العزلة والتأمل. فالكتابة ليست عقوبة، ولا ينبغي أن تكون بديلًا عن الحياة. إذا استهلكت الإنسان حتى لم يعد قادرًا على الاستمتاع بمن يحبهم، فقد يحتاج إلى أن يعيد النظر في علاقته بها، لا أن يتباهى بقدرته على الاحتمال.
لقد تعلمت من الكتابة أن الحياة ليست مادة خامًا نستخدمها ثم نلقيها جانبًا. هي الأصل الذي نعود إليه كلما ابتعدنا في الخيال، وهي الامتحان الذي يمنح الكلمات صدقها. لا قيمة لرواية عظيمة إذا جعلتنا أقل رحمة بالناس، ولا جدوى من مقال بليغ إذا جعلنا أكثر غرورًا، ولا معنى لكتاب عن الحرية إذا عجز صاحبه عن احترام حرية الآخرين. الكتابة الحقيقية لا ترفع الكاتب فوق البشر، بل تعيده إليهم بوعي أعمق، وبقدرة أكبر على فهم ضعفهم وتناقضاتهم وأحلامهم.
وأحسب أن الكاتب يحتاج، بين وقت وآخر، إلى أن يغلق دفتره ويخرج إلى الشارع دون أن يبحث عن مادة لعمل جديد. يحتاج إلى أن يجلس مع أصدقائه دون أن يحول كل حديث إلى نص محتمل، وأن يسافر من أجل المتعة لا من أجل وصف المكان، وأن يحب دون أن يسأل نفسه كيف سيكتب عن الحب. عليه أن يسمح للحياة بأن تحدث له فحسب، من دون أن يطالبها في كل مرة بأن تمنحه قصة.
فليست كل لحظة مطالبة بأن تتحول إلى أدب، وليست كل دمعة بحاجة إلى وصف، وليست كل تجربة ملزمة بأن تصبح كتابًا. بعض الأشياء يكفي أن نعيشها، وبعض الذكريات من حقها أن تبقى لنا وحدنا، بعيدة عن أعين القراء وتأويلاتهم.
ومع ذلك، حين أعود إلى مكتبي، أعرف أنني سأفتح الورقة من جديد. سأكتب لأن هناك أشياء لا أفهمها إلا حين أحاول التعبير عنها، ولأن العالم، على اتساعه، لا يزال يخبئ أسئلة تستحق أن نتوقف أمامها. سأكتب عن مصر التي تسكنني، وعن الإنسان الذي يظل أكبر من أي تعريف، وعن الزمن الذي يأخذ منا أشياء كثيرة ويترك لنا فرصة نادرة كي نحكي ما حدث.
متعة الكتابة أنها تمنحنا القدرة على إعادة اكتشاف الحياة. ولعنتها أنها تجعلنا عاجزين عن الاكتفاء بما نعرفه عنها.
وربما لا تكون الكتابة متعة أو لعنة فحسب، بل طريقة في الوجود؛ أن تعيش مرتين، مرة حين تحدث الأشياء، ومرة حين تحاول أن تفهمها وتمنحها شكلًا من الكلمات. وفي المسافة بين المرتين، يتغير الكاتب، ويتغير ما يكتبه، ويكتشف أن الكتاب الذي ظن أنه يكتبه عن العالم كان، من ناحية ما، يكتبه عن نفسه.
وحين يضع قلمه أخيرًا، لا تنتهي الحكاية. فثمة حياة تنتظره خارج الصفحة، تستحق أن يعيشها، لا أن يكتفي بالكتابة عنها.