سعيد حجي - ثلاثة وجوه من قاع الحياة...

أنظر جيدا إلى هذه الوجوه. ثمة شيء في ملامح محمد شكري وإدريس الخوري ومحمد زفزاف يدفعك إلى التمهل أمام الصورة، كأنك تخشى أن يفوتك تفصيل صغير يحمل حكاية إنسان قضى عمره يراقب الحياة من مكان لا يلتفت إليه أحد. ثلاثة رجال جمعتهم الكتابة، وجمعتهم معها معرفة مبكرة بأحوال البشر حين تسقط عنهم الأقنعة، ويضطر كل واحد منهم إلى مواجهة نفسه في ساعة متأخرة من الليل، حين تهدأ المدينة وتبدأ الأسئلة التي لا تنفع معها البلاغة...
أفكر في هؤلاء الرجال، وأتساءل عن مقدار الوحدة التي يحتاج إليها الكاتب كي يفهم الآخرين. ثمة عزلة لا تأتي من غياب الناس، فقد يجلس المرء وسط عشرات الوجوه ويشعر أنه غريب بينها، يسمع ضحكاتهم ويراقب حركات أيديهم، ويلاحظ الطريقة التي يتغير بها صوت أحدهم حين يتحدث عن المال، أو حين يذكر شخصا يملك سلطة عليه. في تلك التفاصيل الصغيرة تتكشف طبيعة الإنسان، وفيها يجد الكاتب مادته الأولى. ربما لهذا تبدو بعض الوجوه في الصور القديمة مشغولة بأفكار لا نعرفها: فقد اعتادت أن تحمل داخلها أكثر مما تستطيع الإفصاح عنه.



كان محمد شكري يعرف جيدا أن للحياة وجها يحرص الناس على إخفائه. خرج من طفولة قاسية، وعبر شوارع طنجة وأزقتها وحاناتها، واختبر الجوع والخوف والإذلال قبل أن يجد طريقه إلى الكتابة. وحين وضع حياته أمام القارئ في "الخبز الحافي"، اقترب من منطقة يخشى كثيرون دخولها، تلك المنطقة التي يتشابك فيها العار الاجتماعي مع العار الذي يزرعه المجتمع داخل ضحاياه، حتى يصبح الفقير مطالبا بالاعتذار عن فقره، والجائع مطالبا بإخفاء جوعه، والمقهور مطالبا بحفظ صورة محترمة أمام الذين لم يعرفوا شيئا من قهره.

ما يثيرني في تجربة شكري أن ذاكرته لم تتحول إلى محكمة يصدر فيها الأحكام على الآخرين، فقد أعاد فتح الملفات التي يفضل الإنسان أن يدفنها في أعماقه، وترك للقارئ مهمة النظر في الوجوه والأفعال. كانت لديه شجاعة الاعتراف بما يجرح الصورة التي يصنعها المرء عن نفسه، وهي شجاعة مكلفة، لأن الإنسان يستطيع أن يحتمل كثيرا من آلامه ما دامت مستورة، لكنه حين يضعها في العلن يصبح عرضة لأحكام أشخاص لم يعيشوا يوما واحدا من حياته. هنا تبدأ مأساة أخرى: أن يطالبك الناس بالصدق، ثم يعاقبوك حين لا يأتي صدقك موافقا لما يريدون سماعه.
ولعل من أكثر الأفكار دلالة في كلام شكري قوله: "قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتما طريقها". تبدو هذه العبارة خلاصة تجربة رجل عرف أن الزمن لا يمنح المظلوم فرصة مضمونة لاستعادة حقه، وأن الكلمات قد تظل زمنا طويلا في العتمة قبل أن تجد قارئا يفتح لها الباب. فالإنسان يموت، وتبقى شهادته معلقة في مكان ما من العالم، تنتظر من يقرأها بقلب أقل قسوة، أو بعين قادرة على رؤية ما عجز معاصروه عن رؤيته. وقد يرحل صاحبها وهو يظن أن حياته لم تترك أثرا، ثم يأتي قارئ بعد عقود فيكتشف بين السطور شيئا من حياته هو، فيشعر للمرة الأولى أن وحدته مفهومة...
أما إدريس الخوري، فقد امتلك حساسية خاصة تجاه التفاصيل التي تمر من أمام الناس دون أن تستوقفهم. كان قادرا على التقاط المفارقة الإنسانية من مشهد صغير ، ومن كلمة تقال في مقهى، ومن هيئة رجل أنهكه العمل أو امرأة أثقلتها الأيام. في الكتابة عن الإنسان البسيط، تكمن صعوبة لا يدركها من يظن أن الأدب يحتاج دائما إلى حوادث استثنائية وشخصيات كبيرة. قد تكفي حركة يد مرتجفة، أو نظرة تنصرف عن المتحدث، أو صمت يطول أكثر مما ينبغي، كي ينفتح أمام الكاتب عالم كامل من الخيبة والرغبة والخوف.
ولأن المدن لا تكشف أسرارها في الساحات المضيئة وحدها، كان الخوري قريبا من تلك الحياة التي تجري في الظلال، حيث يعيش الناس أيامهم العادية بآلام استثنائية. هناك من يذهب إلى عمله كل صباح وهو يعرف أن أجره لن يكفي آخر الشهر، ومن يضحك في المقهى كي لا يضطر إلى شرح ما يحدث في بيته، ومن يتحدث كثيرا عن الآخرين هربا من الحديث عن نفسه. هؤلاء لا يملكون دائما اللغة التي تسمح لهم بتفسير ما يعانونه، لكن أجسادهم وحركاتهم وطرائق كلامهم تقول أشياء كثيرة. ومهمة الكاتب أن يصغي إلى ما لا يستطيعون قوله، دون أن ينتزع منهم حقهم في الغموض...
وفي محمد زفزاف نجد عالما روائيا ينشغل بالإنسان حين تضيق أمامه الخيارات، وتصبح رغباته الصغيرة معركة يومية مع الفقر والمجتمع والضعف الشخصي. شخصياته لا تأتي من عالم بعيد عن الناس، إنها تتحرك في الشوارع والأحياء والمقاهي، تحمل تناقضاتها معها، وتبحث عن فسحة صغيرة تستطيع فيها أن تعيش دون أن يطاردها الحكم الأخلاقي من كل جانب. في "المرأة والوردة" وفي أعماله الأخرى، تبرز حساسيته تجاه الكائن البشري حين يجد نفسه محاصرا بين ما يشتهيه وما يستطيع بلوغه، وبين صورته في عيون المجتمع وحقيقته التي لا يعرف كيف يتصالح معها...
كان هؤلاء الثلاثة يدركون، كل بطريقته، أن الإنسان أعقد من الأحكام التي تطلق عليه. قد يرتكب فعلا قبيحا لأنه ضعيف، وقد يبدو قاسيا لأنه تعلم مبكرا أن الرحمة تترك صاحبها مكشوفا أمام الآخرين، وقد يجرح إنسانا ثم يعود إلى بيته ليقضي ليلته في جلد نفسه. وفي مكان ما من داخله، يحتفظ كل واحد بحكاية يبرر بها أفعاله، أو يحاول بها النجاة من ذاكرته. هنا يقترب الأدب من تلك المنطقة المظلمة التي شغلت دوستويفسكي، منطقة الإنسان الذي يحمل جلاده وضحيته في صدر واحد، ويظل يبحث عن مخرج من نفسه حتى حين يظن أنه يعرف الطريق.
ولذلك أجد في هذه الوجوه شيئا يتجاوز سيرة ثلاثة أدباء. أرى فيها ثلاثة شهود على مجتمع عاشوا تناقضاته، وعرفوا كيف تتوزع الكرامة بين الناس بطرق غير عادلة، وكيف يستطيع الفقر أن يغير نظرة المرء إلى جسده، وإلى الآخرين، وإلى المستقبل. لم تكن الكتابة عندهم ترفا منفصلا عن الحياة، كانت طريقة لفهم ما حدث، واستعادة ما كاد يضيع في زحام الأيام، وإعطاء التجارب التي لا يلتفت إليها أحد فرصة أخرى كي تتكلم.
وما زلت أعتقد أن امتحان الكاتب الحقيقي يبدأ حين يجلس أمام صفحة بيضاء ويكتشف أن تجربته الشخصية، مهما بلغت قسوتها، لا تكفي وحدها لصناعة الأدب. عليه أن يعبر من ألمه إلى ألم الآخرين، وأن يتعلم رؤية الإنسان الذي يختلف عنه، وأن يمنح حتى الشخصية التي ينفر منها حقها في أن تُفهم. فالكتابة التي تكتفي بتصفية الحسابات تضيق مع الزمن، أما الكتابة التي تنفذ إلى تعقيد النفس البشرية فتظل مفتوحة على قراءات جديدة، لأن الإنسان نفسه لا ينتهي عند تفسير واحد.
ثمة مفارقة مؤلمة في حياة الأدباء الذين يكتبون عن المهمشين، فقد يقضي الكاتب سنوات وهو يمنح المنسيين أسماء وأصواتا، ثم يجد نفسه بعد رحيله محاطا بألقاب التكريم، بينما يظل كثير من الذين كتب عنهم في المواقع نفسها التي تركهم فيها المجتمع. تُطبع الكتب، وتُعقد الندوات، وتُلتقط الصور، ثم يعود الفقير إلى غرفته الضيقة، ويعود العامل إلى أجره الهزيل، ويعود الشاب الذي يحلم بالكتابة إلى حيرته أمام المستقبل. هنا ينبغي أن نسأل عن وظيفة الذاكرة الثقافية: هل نكرم الكاتب لأننا فهمنا ما كتبه، أم لأن مرور الزمن جعل الاحتفاء به أمرا آمنا لا يكلفنا مواجهة شيء؟
انظر إلى الصورة مرة أخرى. ثلاثة رجال جلسوا في زمن مضى، وربما لم يخطر ببالهم أن وجوههم ستصبح يوما مادة للتأمل، وأن أشخاصا لم يعرفوهم سيحاولون قراءة ما وراء نظراتهم. لا نعرف ما الذي كان يدور في رؤوسهم لحظة التقاط الصورة، ولا ينبغي أن نخترع لهم أفكارا كي نجعلهم أكثر شاعرية. يكفينا أنهم عاشوا وكتبوا وتركوا أعمالا تسمح لنا بالاقتراب من عوالمهم، وأن لكل واحد منهم طريقته في مساءلة الحياة التي عرفها.
أحيانا، أفكر في الكاتب بعد أن يغادر هذا العالم. أتخيله وقد انتهت حاجته إلى الدفاع عن نفسه، وسقطت عنه الألقاب التي أضافها الآخرون إلى اسمه، وبقيت كتبه وحدها في غرفة هادئة. يفتحها قارئ غريب، ربما كان يعاني شيئا من الألم الذي وصفه الكاتب قبل عقود، فيجد في الصفحات ما لم يستطع قوله لأحد. عندها تحدث صلة خفية بين شخصين لم يلتقيا، ويصبح الأدب لحظة نادرة يشعر فيها الإنسان أن حياته، بكل ما فيها من ارتباك ونقص وخوف، تستحق أن تُروى.
محمد شكري وإدريس الخوري ومحمد زفزاف: ثلاثة أسماء من ذاكرة الأدب المغربي، وثلاث تجارب تستحق أن نعود إليها بعيدا عن المديح الجاهز والصور المكررة. فالوفاء الحقيقي للكاتب يبدأ من قراءة أعماله، ومن فهم الأسئلة التي تركها معلقة، ومن القدرة على رؤية المجتمع الذي كتب عنه دون تزييف. أما الصورة، فستظل شاهدا صامتا على ثلاثة رجال مضوا في طرقهم الخاصة، وتركوا وراءهم كلمات تستطيع أن تعبر الزمن، وتصل إلى إنسان يجلس اليوم وحيدا أمام كتاب، باحثا عن تفسير لشيء يحدث في داخله ولا يعرف كيف يسميه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...