قد يقع الحدث التاريخي في مكان محدد، لكنه لا يبقى أسير جغرافيته. فقد تمتد آثاره إلى مجتمعات بعيدة، وتوقظ فيها ذاكرة كامنة، وتستحضر أسئلة مؤجلة، وتعيد تحريك تناقضات ظلت قائمة قبل وقوعه. غير أن السؤال الأعمق ليس كيف يبلغ الحدث تلك المجتمعات، بل ماذا يحدث حين يدخل علاقاتها، وكيف تتكوّن آثاره داخلها، ثم كيف تعود هذه الآثار فتؤثر في المجتمعات التي أنتجتها.
من هذه الزاوية، تكتسب المناقشة التي فتحتها الدكتورة غانية ملحيس، انطلاقا من مداخلة الكاتبة المغربية نزهة الإدريسي حول مفهوم "جغرافية الصدى"، أهمية فكرية تتجاوز الحالة المغربية نفسها. فقد نقلت النقاش من الحدث الفلسطيني إلى المجتمعات التي تتفاعل معه، وطرحت أسئلة حول أثر "طوفان الأقصى" والحرب الإسرائيلية على غزة في الوعي المغربي، وفي العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين التضامن الشعبي والاختيارات السياسية الرسمية.[1]
وهذا انتقال جدير بالاهتمام، لأنه يفتح بابا لدراسة الأحداث الكبرى خارج حدودها الجغرافية المباشرة. لكنه يثير سؤالا نظريا يستحق مزيدا من الفحص.
فإذا كان مفهوم "جغرافية الصدى" يتيح لنا تتبع امتداد الحدث التاريخي وكيفية اكتسابه دلالات مختلفة في المجتمعات التي تستقبله، فهل يكفي لتفسير الآليات التي تنتج تلك الدلالات والآثار؟ وكيف يستطيع حدث واحد أن يتفاعل مع علاقات اجتماعية وسياسية متباينة داخل المجتمع نفسه، فينتج آثارا مختلفة، بل متعارضة، ثم تصبح هذه الآثار جزءا من حركة ذلك المجتمع وتحولاته؟
من هنا يأتي اقتراح مفهوم "إعادة تكوين الأثر"، لا لنفي ما يكشفه مفهوم "جغرافية الصدى"، بل لمحاولة الانتقال خطوة أخرى، من وصف امتداد التأثير وتحول دلالاته إلى تفسير العملية التاريخية التي تتكوّن من خلالها آثاره وتتغير.
وهذا ليس خلافا لغويا حول استعارة أدبية، بل اختلاف في مستوى التحليل وطريقة فهم العلاقة بين الحدث الخارجي والحركة الداخلية للمجتمعات.
أولا: "جغرافية الصدى" بين قيمة المفهوم وحدوده
يملك مفهوم "الصدى" جاذبية تصويرية واضحة. فهو يستحضر قدرة حدث على تجاوز مكان وقوعه، والامتداد إلى أماكن بعيدة، وإثارة استجابات تتجاوز حدوده الأصلية.
لكن الإنصاف الفكري يقتضي الاعتراف بأن نزهة الإدريسي لا تفهم الصدى بوصفه تكرارا ميكانيكيا للحدث، ولا تعتبر المجتمعات التي تستقبله مجرد أسطح تعكس معناه الأصلي. فقد أكدت أن الحدث يكتسب دلالات جديدة داخل كل مجتمع، تتصل بتاريخه ومخاوفه ومصالحه وتناقضاته.
بل إنها تجاوزت التضامن العاطفي إلى مساءلة التحولات السياسية والاجتماعية، وقسمت أثر الطوفان في المغرب إلى ثلاث دوائر مترابطة: الشارع، والمجال السياسي والمدني، والمجال الرمزي والثقافي.
وهذا التقسيم يكشف اتساع الاستجابة وتعدد ساحاتها، لكنه يفتح سؤالا إضافيا: هل تتحرك هذه الدوائر في اتجاه واحد؟ وهل تنتج كل دائرة أثرا متجانسا؟ أم أن كلا منها يحتوي قوى وعلاقات ومصالح وتناقضات قد تنتج آثارا مختلفة، بل متعارضة؟
وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين تحديد ساحات التأثير وتفسير العلاقات التي تنتج التأثير داخل تلك الساحات.
فالأول يساعدنا على معرفة أين يظهر الأثر وكيف يتجلى، أما الثاني فيقتضي البحث في كيفية تكوّنه، ولماذا يتخذ اتجاها دون آخر، وكيف تتفاعل نتائجه وتتغير عبر الزمن.
ولا تكمن محدودية "جغرافية الصدى" في أنها تتجاهل خصوصية المجتمعات؛ فهي تعترف بهذه الخصوصية صراحة. وإنما في أن استعارة الصدى، مهما اتسع مدلولها، لا تقدم بذاتها تفسيرا كافيا للحركة الداخلية التي يتولد منها الأثر، ولا للعلاقات المتبادلة بين الآثار المختلفة التي تنشأ داخل المجتمع نفسه.
فالمجتمع ليس سطحا تنعكس عليه الأحداث، ولا وعاء فارغا يستقبل معانيها، وإنما شبكة حية من العلاقات والمؤسسات والمصالح والذاكرة والهويات والتناقضات المتحركة.
وحين يصل إليه حدث تاريخي كبير، عبر صوره وأخباره ورواياته، لا يدخل فراغا ينتظر أن يملأه، بل واقعا قائما يتفاعل معه بطرق مختلفة، وقد تتعارض القوى الفاعلة فيه في تفسيره والاستجابة له وتوظيف نتائجه.
والتمييز هنا ضروري بين انتقال الحدث، وانتقال المعرفة به، وتكوّن آثاره.
فالحدث التاريخي لا ينتقل جغرافيا بمعناه الحرفي؛ الذي ينتقل هو خبره وصوره ورواياته وخطاباته وما يولده من تفاعلات أولية. أما آثاره السياسية والاجتماعية في المجتمعات الأخرى، فلا تصل بالضرورة بوصفها نتائج مكتملة، وإنما تتكون من تفاعل ما انتقل مع العلاقات القائمة في تلك المجتمعات.
فالحدث يعبر الحدود في صوره ورواياته، لكن آثاره تتكوّن داخل العلاقات التي تستقبله.
ثانيا: من انتقال الأثر إلى إعادة تكوينه
يمكن تعريف "إعادة تكوين الأثر" بأنها العملية التي تدخل من خلالها المؤثرات الناشئة عن حدث تاريخي في شبكة العلاقات القائمة داخل مجتمع آخر، وتتفاعل مع تاريخه وذاكرته ومؤسساته ومصالحه وتناقضاته وموازين القوى فيه، فتتولد عنها آثار جديدة قد تختلف في معناها ووظيفتها ونتائجها، وقد تتعدد وتتعارض داخل المجتمع الواحد، ثم تعود هذه الآثار فتؤثر في العلاقات التي أسهمت في إنتاجها.
ولا تعني "إعادة التكوين" انتقال أثر مكتمل ليُصنع من جديد على صورته الأولى، بل تعني دخول مؤثرات سبق أن نشأت في سياق معين إلى سياق تاريخي آخر، فتتكون من تفاعلها معه نتائج جديدة لا يمكن تفسيرها بالحدث الأصلي وحده.
فما يثيره الحدث في مجتمع ما لا يتحدد بطبيعة الحدث وأهميته فقط، بل أيضا بطبيعة العلاقات التي تستقبله.
قد يصبح الحدث مناسبة لتعبئة شعبية واسعة، أو لإعادة ترتيب أولويات الأحزاب، أو لتعزيز هوية جماعية، أو لمراجعة سياسة قائمة. وقد يدفع قوة اجتماعية إلى توسيع نشاطها، وقوة أخرى إلى الدفاع عن مصالحها، ومؤسسة سياسية إلى احتواء التغيير أو مقاومته.
ولا تنبع هذه الاختلافات بالضرورة من تباين فهم الحدث وحده، بل من اختلاف مواقع القوى داخل المجتمع، وطبيعة مصالحها وعلاقاتها، وما تختزنه من تجارب ومواقف سابقة.
وهنا تتضح ثلاثة أبعاد مترابطة في عملية إعادة تكوين الأثر.
أولها أن الحدث الخارجي يدخل علاقات قائمة ولم يخلقها بالضرورة، لكنه قد يؤثر في حركتها وتوازناتها واتجاهاتها.
وثانيها أن المجتمع ليس وحدة متجانسة في استجابته، بل قد ينتج الحدث الواحد داخله آثارًا متباينة، بل متناقضة، بحسب طبيعة القوى والعلاقات التي تتفاعل معه.
أما ثالثها، وربما أهمها، فهو أن الأثر الجديد لا يبقى مجرد نتيجة للتفاعل الأول، بل قد يتحول بدوره إلى عنصر فاعل في حركة المجتمع، يؤثر في علاقاته وموازين القوى داخله، ويفتح احتمالات جديدة للتغير أو الاستمرار أو الصراع.
وبذلك لا نكون أمام علاقة خطية تبدأ بالحدث وتنتهي برد الفعل، وإنما أمام عملية تاريخية متحركة: تدخل المؤثرات الخارجية شبكة العلاقات الاجتماعية، فتتكوّن منها آثار جديدة، ثم تعود هذه الآثار فتؤثر في العلاقات التي أسهمت في تكوينها.
وهذه الحركة لا تقتصر على اتجاه واحد. فقد تنتقل التأثيرات المتولدة في مجتمع إلى مجتمعات أخرى، بل قد تعود إلى المجتمع الذي وقع فيه الحدث الأصلي، فتؤثر في شروطه وموازين القوى داخله.
وعليه، فإن المجتمع المستقبل لا يكتفي باستقبال التأثير، بل قد يصبح بدوره مصدرا لتأثيرات جديدة.
غير أن هذه العملية لا تضمن تحولا إيجابيا أو تقدما سياسيا. فقد يكون الأثر عميقا أو محدودا، مؤقتا أو ممتدا، وقد يعزز العلاقات القائمة بدل تغييرها، أو يفتح تناقضات جديدة تعيق التحول.
فالتأثير لا تحدد طبيعته قوة الحدث وحدها، بل العلاقات التي يتفاعل معها، والاتجاه الذي تتخذه حركتها.
ثالثا: المغرب ليس صدى واحدا
تقدم الحالة المغربية مثالا مهما لاختبار هذه الفكرة.
فالقضية الفلسطينية لم تدخل الوعي المغربي مع السابع من أكتوبر 2023. لقد كانت حاضرة قبل ذلك في الحياة السياسية والثقافية والشعبية، وكانت العلاقات مع "إسرائيل" موضوع خلاف سياسي واجتماعي سابق على الطوفان.
وحين أعلن المغرب استئناف علاقاته الدبلوماسية مع "إسرائيل" في ديسمبر 2020، ظهرت مواقف احتجاجية ومعارضة للتطبيع عبّرت عنها قوى يسارية وإسلامية وهيئات مدنية مختلفة.
وقد تناولت دراسة أكاديمية نُشرت سنة 2023 هذه التعبئة، مبينة ارتباط معارضة التطبيع بقضايا ومطالب سياسية واجتماعية مغربية أوسع.[2]
وهذا يعني أن الطوفان لم يخلق الموقف المغربي من فلسطين من العدم، ولم ينشئ وحده التناقض بين معارضي التطبيع والسياسة الرسمية. لكنه دخل علاقات كانت موجودة بالفعل، وأسهم، مع الحرب التي تلته، في إعادة تحريكها وتغيير بعض شروطها.
وقد تجلت هذه الحركة في التعبئة الشعبية الواسعة، وفي نشاط الهيئات المناهضة للتطبيع، وفي مواقف النقابات والجامعات والقوى السياسية والمدنية.
وتكشف استطلاعات "الباروميتر العربي" تحولا لافتا في الرأي العام؛ إذ تراجعت نسبة تأييد التطبيع في المغرب من 31% في استطلاعات 2021–2022 إلى 13% في استطلاعات 2023–2024.[3]
لكن هذا التحول، على أهميته، لا يكفي وحده لإثبات تغير مماثل في السياسات والمؤسسات أو في موازين القوى. فالانتقال من تبدل المواقف إلى تغيير العلاقات السياسية عملية أخرى، تتوقف على شروط تنظيمية ومؤسساتية واجتماعية لا تختزلها نتائج استطلاع للرأي.
وفي المقابل، استمرت العلاقات الرسمية المغربية مع "إسرائيل"، بما فيها أوجه التعاون الاستراتيجي والدفاعي، في الوقت الذي واصلت فيه الدولة المغربية إعلان دعمها للقضية الفلسطينية وحل الدولتين.
وقد كشفت دراسة أكاديمية نُشرت سنة 2025 عن تحولات متباينة في أوساط المعارضة المغربية بفعل الحروب الإسرائيلية على غزة والتطبيع مع "إسرائيل"، شملت اتساع بعض التحالفات بين تيارات مختلفة، وتغير أشكال الاحتجاج، وتعميق المسافة بين فاعلين سياسيين داخل المؤسسات وخارجها.[4]
بل إن المفارقة ازدادت وضوحا في أكتوبر 2026، حين افتتحت وزارة "الدفاع الإسرائيلية" أول جناح وطني رسمي لها في معرض مراكش للطيران، وظهرت في الوقت نفسه تقارير عن استمرار التعاون الصناعي الدفاعي المرتبط بالعلاقات المغربية الإسرائيلية.[5]
لسنا إذن أمام استجابة مغربية واحدة، ولا حتى أمام ثنائية بسيطة بين شعب متضامن ودولة غير متضامنة.
فنحن أمام علاقات متشابكة بين قوى تطالب بإنهاء التطبيع، ومؤسسات تدير علاقات دولية ضمن حسابات استراتيجية، وأحزاب ونقابات ومنظمات مدنية تختلف في مواقعها وأولوياتها وأساليب تحركها، وقطاعات اجتماعية تجمع بين التضامن مع الفلسطينيين وتصورات متفاوتة للمصلحة الوطنية.
ولا يعني هذا التعدد أن جميع المواقف متكافئة أخلاقيا أو سياسيا، بل يعني أن فهمها يستوجب تفسير الشروط التي أنتجتها، لا الاكتفاء بإثبات اختلافها.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين ساحات التأثير التي حددتها نزهة الإدريسي، وبين العلاقات التي تتحرك داخل هذه الساحات نفسها.
فالشارع ليس كتلة متجانسة، والمجال السياسي والمدني ليس وحدة متطابقة المصالح، والمجال الرمزي والثقافي ليس فضاء خاليا من التناقضات.
وقد تعزز حركة الشارع موقع قوى معارضة، بينما تدفع قوى رسمية إلى التشبث بسياساتها، أو إلى تعديل خطابها دون تغيير جوهر خياراتها. وقد تؤدي التعبئة الثقافية إلى توسيع الوعي بقضية ما، دون أن يترافق ذلك بالضرورة مع تحول مماثل في الممارسة السياسية.
كما أن العلاقة بين هذه الدوائر ليست في اتجاه واحد؛ فما يحدث في إحداها قد يغير شروط الحركة في الأخرى، وقد يستدعي استجابة مضادة تعيد بدورها تشكيل العلاقة بينهما.
وهكذا، فإن الطوفان وما تلاه من أحداث لم ينتج داخل المغرب أثرا واحدا أخذ مظاهر مختلفة فحسب، بل دخل علاقات متباينة، فتكونت عبرها آثار متعددة، بعضها متعارض في توجهه ووظيفته ونتائجه.
فالحدث واحد في مصدره التاريخي، لكنه لا يبقى واحدا في آثاره الاجتماعية والسياسية حين يدخل علاقات مختلفة، حتى داخل المجتمع نفسه.
رابعا: الحدث الخارجي والتناقض الداخلي
ثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالعلاقة بين الحدث الخارجي والتناقضات الداخلية.
كثيرا ما ننسب إلى الأحداث الكبرى تحولات كانت شروطها تتراكم قبل وقوعها. وحين ينفجر الحدث، تبدو هذه التحولات وكأنها بدأت معه، بينما قد يكون دوره الفعلي قد تمثل في تسريعها أو كشفها أو إعادة ترتيب العلاقات بين القوى المرتبطة بها.
وهذا ما ينبغي الانتباه إليه عند دراسة العلاقة بين الطوفان والمجتمع المغربي.
فتناقضات التطبيع والسيادة والعلاقة بين الدولة والمجتمع ليست نتاجا مباشرا لأكتوبر 2023. إنها مرتبطة بتاريخ سياسي أطول، وبخيارات استراتيجية واقتصادية ودبلوماسية، وبمواقف شعبية وفكرية وتنظيمية سبقت ذلك التاريخ.
لكن الطوفان والحرب على غزة أعادا طرح هذه التناقضات في ظروف مختلفة، ووفرا لها مادة سياسية وأخلاقية جديدة، وأسهما في تغيير درجة حضورها في النقاش العام.
وقد تتعزز بذلك قوى كانت موجودة، أو تتسع تحالفات، أو تتغير أولويات، أو تنشأ أساليب احتجاج جديدة. وقد تعمل قوى أخرى على احتواء هذه التحولات أو مقاومة نتائجها.
وعليه، لا يكفي أن نسأل: ماذا فعل الطوفان بالمغرب؟
بل ينبغي أن نسأل أيضا: ما الذي كان يتحرك داخل المجتمع المغربي قبل الطوفان، وكيف تفاعل معه، وما الذي تغير فعلا في علاقاته بعد ذلك؟
وهذا السؤال يخرجنا من التفسير الذي يردّ التغيير إلى الحدث الخارجي وحده، كما يخرجنا من التفسير المقابل الذي يختزل أثر الحدث في مجرد التعبير عن تناقضات داخلية سابقة.
فالحدث الخارجي ليس بالضرورة أصل التناقض الداخلي، لكنه ليس مجرد مرآة تكشفه أيضا. فقد يتحول، عبر تفاعله معه، إلى عامل جديد يؤثر في مساره، ويغير بعض شروطه، وقد يسهم في إنتاج تناقضات لم تكن موجودة بالصورة نفسها قبل وقوعه.
وهنا تتجلى العلاقة الجدلية بين الخارج والداخل: فالعلاقات الداخلية تحدد كيفية استقبال المؤثر الخارجي، لكن هذا المؤثر، بعد دخوله تلك العلاقات، قد يغير بدوره الشروط التي حددت استقباله الأول.
وهذه العملية لا يمكن فهمها من لحظة واحدة.
فالاحتجاج الشعبي قد يبلغ مستويات مرتفعة دون أن يؤدي مباشرة إلى تغيير سياسي رسمي. وقد تستمر سياسة حكومية رغم اتساع معارضتها، بينما تترك التعبئة آثارا طويلة الأمد في التنظيم والوعي والعلاقات بين القوى الاجتماعية.
كما قد ينحسر الاحتجاج دون أن يعني ذلك اختفاء كل أثر للحدث، أو قد تستمر التعبئة دون أن تكتسب القدرة على إحداث التحول الذي تسعى إليه.
إن قوة التفسير تكمن في القدرة على التمييز بين هذه الاحتمالات، وعلى تتبع الحركة التاريخية التي تصل بينها، لا في افتراض تحول شامل لمجرد أن حدثا كبيرا هزّ الوعي العام.
خامسا: ما الذي يضيفه "إعادة تكوين الأثر"؟
ليس القول إن الأحداث تكتسب معاني مختلفة عندما تنتقل بين المجتمعات اكتشافا جديدا بحد ذاته.
فقد تناولت الأدبيات الاجتماعية والسياسية هذه المسألة من زوايا متعددة، من بينها نظريات التأطير في الحركات الاجتماعية، وانتشار الأفكار والممارسات، وإعادة تكييفها وفق الشروط السياسية والثقافية للمجتمعات المستقبلة.[6]
وتقدم دراسة انتشار حركة "حياة السود مهمة" من الولايات المتحدة إلى إيطاليا مثالا على كيفية انتقال التعبئة الاحتجاجية عبر الحدود، وتفاعلها مع أوضاع محلية مختلفة.[7]
كما أن الدراسات التي تناولت المعارضة المغربية وعلاقاتها بالسياسة الخارجية بحثت بالفعل جوانب مهمة من التفاعل بين الحدث الخارجي والعلاقات الداخلية، وما ينتج عنه من تغير في مواقع القوى وممارساتها وخطاباتها.
ومن ثم، فإن قيمة مفهوم "إعادة تكوين الأثر" لا تقوم على ادعاء اكتشاف تغير المعاني عند انتقالها، أو اكتشاف التأثير المتبادل بين الخارج والداخل، وإنما على محاولة جمع هذه العمليات في إطار تفسيري واحد، يجعل كيفية تكوّن الأثر وتعدد نتائجه وعودته إلى التأثير في العلاقات التي أنتجته موضوع البحث الأساسي.
ويختلف هذا المدخل عن الاكتفاء بوصف انتشار الأفكار أو انتقال الممارسات؛ لأنه يسأل عن التغير الذي يحدث في العلاقات التي تستقبل المؤثر الخارجي، وعن الكيفية التي تساهم بها هذه العلاقات في إنتاج آثار جديدة، وعن النتائج اللاحقة التي قد تغير شروط التفاعل نفسه.
كما أنه لا يحصر التحليل بالحركات الاحتجاجية أو بالمعارضة السياسية، بل يمكن اختباره في مجالات أوسع، تشمل العلاقات الاقتصادية والمؤسساتية والثقافية والهوياتية، وفي تفاعلات المجتمعات بعضها مع بعض.
لكن هذه الإمكانية لا تعني أن المفهوم أصبح نظرية مكتملة.
فلكي يكتسب قيمة تفسيرية حقيقية، يجب أن نستطيع من خلاله تحديد العلاقات التي تولد آثارا مختلفة، وتفسير أسباب اختلافها، وتتبع تحولاتها عبر الزمن، والتمييز بين الحالات التي ينطبق عليها التفسير المقترح وتلك التي تكشف حدوده.
ويجب أيضا الحذر من تحويل "إعادة تكوين الأثر" إلى عبارة واسعة تفسر كل استجابة، مهما كانت طبيعتها، فتفقد بذلك قدرتها على التمييز والتفسير.
فليست كل استجابة دليلا على تحول عميق، وليست كل حركة احتجاجية بداية لتغيير بنيوي، وليس كل اختلاف في المواقف تعبيرا عن تناقض تاريخي جديد.
إن القيمة الفكرية للمفهوم لا تتحدد بجاذبية تسميته، بل بقدرته على كشف علاقات وآليات لا يكفي وصف ظواهرها لفهمها.
ولهذا، فإن الحالة المغربية، على أهميتها، ينبغي أن تكون بداية لاختبار أوسع، لا نموذجا جاهزا لتفسير جميع المجتمعات.
خاتمة: الحدث يعبر الحدود، لكن أثره يتكوّن داخلها
لقد فتحت "جغرافية الصدى" نافذة مهمة على ما يحدث عندما يتجاوز الحدث التاريخي مكان وقوعه، ويدخل ذاكرة المجتمعات الأخرى وأسئلتها وتناقضاتها.
أما "إعادة تكوين الأثر"، فتحاول توسيع تلك النافذة، بالانتقال من تتبع الامتداد وتحول الدلالات إلى تفسير العلاقات التي تنتج التأثير، وتحدد اتجاهاته المتعددة، ثم تتغير هي نفسها بفعل ما أنتجته.
فالعالم ليس مجموعة جغرافيات تتردد فيها أصداء الأحداث الكبرى بدرجات مختلفة، وإنما مجتمعات حية، لكل منها تاريخها وعلاقاتها وتناقضاتها، تتفاعل مع ما يصل إليها من مؤثرات، وتعيد تكوين آثارها ضمن شروطها الخاصة.
ولا ينبغي لهذا الانتقال التحليلي أن يطمس الواقع الفلسطيني الأصلي، أو يحوّل معاناة الفلسطينيين ونضالهم إلى مجرد مادة تعيد المجتمعات الأخرى قراءة ذاتها من خلالها. فالحدث يبقى متجذرا في تاريخه الفلسطيني، وفي حياة البشر الذين يصنعونه ويعيشون نتائجه، حتى وهو يدخل تاريخ مجتمعات أخرى ويؤثر فيه.
ومن هنا، فإن ما جرى في فلسطين منذ أكتوبر 2023 لا يمكن اختزاله في أثر واحد ينتشر حول العالم، ولا في مجموعة من الأصداء المختلفة للحدث نفسه. لقد دخلت تطوراته المتلاحقة مجتمعات متباينة، فتفاعلت مع شروطها الداخلية، وأنتجت آثارا متعددة قد تلتقي في التضامن مع فلسطين، لكنها تختلف في اتجاهاتها السياسية والاجتماعية، وفي قدرتها على إحداث تغيير فعلي.
والحالة المغربية ليست استثناء، بل مدخل إلى سؤال أوسع يحتاج إلى بحث مقارن: لماذا يستطيع الحدث نفسه أن يعزز حركة احتجاجية في مجتمع، ويدفع مؤسسة إلى مراجعة سياساتها في مجتمع آخر، ويعمق الانقسام بين قوى قائمة في مجتمع ثالث، بينما تتجاور هذه النتائج كلها أحيانا داخل المجتمع الواحد؟
ولماذا يستطيع حدث خارجي أن يكشف تناقضًا داخليا في لحظة تاريخية، ثم يتحول في لحظة لاحقة إلى عامل يغير شروط ذلك التناقض نفسه؟
إن مفهوم "إعادة تكوين الأثر" يسعى إلى نقل البحث من سؤال: أين وصل تأثير الحدث؟ إلى سؤال أكثر عمقا: كيف تكوّن هذا التأثير، ولماذا اتخذ اتجاها دون آخر، وماذا أعاد تشكيله في المجتمع الذي استقبله؟
فالحدث التاريخي لا يكتب نتائجه مسبقا في المجتمعات التي يصل إليها، ولا تستقبله تلك المجتمعات بوصفها صفحات بيضاء. إنه يدخل تاريخا يتحرك، وعلاقات تتفاعل، وتناقضات تتجدد؛ وفي خضم هذه الحركة تتكوّن آثاره، وقد تتغير معانيه ووظائفه ونتائجه.
ولذلك لا يكفي أن نعرف إلى أين وصل أثر الحدث، بل ينبغي أن نفهم كيف تكوّن، وكيف أصبح بدوره عنصرا فاعلا في التاريخ الذي استقبله.
وهنا ينتقل البحث من جغرافية الامتداد إلى جدلية التأثير والتحول.
الهوامش والمراجع
[1] غانية ملحيس، «أبعاد طوفان الأقصى: كيف استقبله المجتمع المغربي؟ نحو دراسة جغرافية الصدى عربيًا ودوليًا"، الأنطولوجيا، أكتوبر 2026. يتضمن النص تقديم ملحيس ومداخلة مستقلة لنزهة الإدريسي بعنوان «جغرافية الصدى: من غزة إلى هواجس السيادة في المغرب"، مؤرخة في 8 أكتوبر 2026.
[2] Maia Hallward and Taib Biygautane, “Anti-normalization, Nonviolent Activism, and Domestic Interests: The Case of Morocco,” Journal of African Conflicts and Peace Studies 5, no. 2 (2023).
digitalcommons.usf.edu
[3] Michael Robbins, “MENA Publics and the Future of Normalization with Israel,” Arab Barometer, January 9, 2025.
[4] Alfonso Casani, Francesco Colin, and Irene Fernández-Molina, “Foreign Policy and Domestic Opposition Spaces under Authoritarianism: Moroccan Political Reconfigurations in Response to Israel’s Wars on Gaza,” Government and Opposition 60, no. 4 (2025): 1292–1312.
doi.org
[5] Ahmed Eljechtimi, “Moroccan Defense Firm MMI Targets Turret Deliveries in March 2027,” Reuters, October 8, 2026.
وانظر أيضًا: Agence France-Presse, “Israel Opens First-Ever Pavilion at Morocco Defence Show,” Al Jazeera English, October 8, 2026.
www.aljazeera.com
[6] Robert D. Benford and David A. Snow, “Framing Processes and Social Movements: An Overview and Assessment,” Annual Review of Sociology 26 (2000): 611–639.
[7] Donatella Della Porta, Anna Lavizzari, and Herbert Reiter, “The Spreading of the Black Lives Matter Movement Campaign: The Italian Case in Cross-National Perspective,” Sociological Forum 37, no. 3 (2022): 700–721.
من هذه الزاوية، تكتسب المناقشة التي فتحتها الدكتورة غانية ملحيس، انطلاقا من مداخلة الكاتبة المغربية نزهة الإدريسي حول مفهوم "جغرافية الصدى"، أهمية فكرية تتجاوز الحالة المغربية نفسها. فقد نقلت النقاش من الحدث الفلسطيني إلى المجتمعات التي تتفاعل معه، وطرحت أسئلة حول أثر "طوفان الأقصى" والحرب الإسرائيلية على غزة في الوعي المغربي، وفي العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين التضامن الشعبي والاختيارات السياسية الرسمية.[1]
وهذا انتقال جدير بالاهتمام، لأنه يفتح بابا لدراسة الأحداث الكبرى خارج حدودها الجغرافية المباشرة. لكنه يثير سؤالا نظريا يستحق مزيدا من الفحص.
فإذا كان مفهوم "جغرافية الصدى" يتيح لنا تتبع امتداد الحدث التاريخي وكيفية اكتسابه دلالات مختلفة في المجتمعات التي تستقبله، فهل يكفي لتفسير الآليات التي تنتج تلك الدلالات والآثار؟ وكيف يستطيع حدث واحد أن يتفاعل مع علاقات اجتماعية وسياسية متباينة داخل المجتمع نفسه، فينتج آثارا مختلفة، بل متعارضة، ثم تصبح هذه الآثار جزءا من حركة ذلك المجتمع وتحولاته؟
من هنا يأتي اقتراح مفهوم "إعادة تكوين الأثر"، لا لنفي ما يكشفه مفهوم "جغرافية الصدى"، بل لمحاولة الانتقال خطوة أخرى، من وصف امتداد التأثير وتحول دلالاته إلى تفسير العملية التاريخية التي تتكوّن من خلالها آثاره وتتغير.
وهذا ليس خلافا لغويا حول استعارة أدبية، بل اختلاف في مستوى التحليل وطريقة فهم العلاقة بين الحدث الخارجي والحركة الداخلية للمجتمعات.
أولا: "جغرافية الصدى" بين قيمة المفهوم وحدوده
يملك مفهوم "الصدى" جاذبية تصويرية واضحة. فهو يستحضر قدرة حدث على تجاوز مكان وقوعه، والامتداد إلى أماكن بعيدة، وإثارة استجابات تتجاوز حدوده الأصلية.
لكن الإنصاف الفكري يقتضي الاعتراف بأن نزهة الإدريسي لا تفهم الصدى بوصفه تكرارا ميكانيكيا للحدث، ولا تعتبر المجتمعات التي تستقبله مجرد أسطح تعكس معناه الأصلي. فقد أكدت أن الحدث يكتسب دلالات جديدة داخل كل مجتمع، تتصل بتاريخه ومخاوفه ومصالحه وتناقضاته.
بل إنها تجاوزت التضامن العاطفي إلى مساءلة التحولات السياسية والاجتماعية، وقسمت أثر الطوفان في المغرب إلى ثلاث دوائر مترابطة: الشارع، والمجال السياسي والمدني، والمجال الرمزي والثقافي.
وهذا التقسيم يكشف اتساع الاستجابة وتعدد ساحاتها، لكنه يفتح سؤالا إضافيا: هل تتحرك هذه الدوائر في اتجاه واحد؟ وهل تنتج كل دائرة أثرا متجانسا؟ أم أن كلا منها يحتوي قوى وعلاقات ومصالح وتناقضات قد تنتج آثارا مختلفة، بل متعارضة؟
وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين تحديد ساحات التأثير وتفسير العلاقات التي تنتج التأثير داخل تلك الساحات.
فالأول يساعدنا على معرفة أين يظهر الأثر وكيف يتجلى، أما الثاني فيقتضي البحث في كيفية تكوّنه، ولماذا يتخذ اتجاها دون آخر، وكيف تتفاعل نتائجه وتتغير عبر الزمن.
ولا تكمن محدودية "جغرافية الصدى" في أنها تتجاهل خصوصية المجتمعات؛ فهي تعترف بهذه الخصوصية صراحة. وإنما في أن استعارة الصدى، مهما اتسع مدلولها، لا تقدم بذاتها تفسيرا كافيا للحركة الداخلية التي يتولد منها الأثر، ولا للعلاقات المتبادلة بين الآثار المختلفة التي تنشأ داخل المجتمع نفسه.
فالمجتمع ليس سطحا تنعكس عليه الأحداث، ولا وعاء فارغا يستقبل معانيها، وإنما شبكة حية من العلاقات والمؤسسات والمصالح والذاكرة والهويات والتناقضات المتحركة.
وحين يصل إليه حدث تاريخي كبير، عبر صوره وأخباره ورواياته، لا يدخل فراغا ينتظر أن يملأه، بل واقعا قائما يتفاعل معه بطرق مختلفة، وقد تتعارض القوى الفاعلة فيه في تفسيره والاستجابة له وتوظيف نتائجه.
والتمييز هنا ضروري بين انتقال الحدث، وانتقال المعرفة به، وتكوّن آثاره.
فالحدث التاريخي لا ينتقل جغرافيا بمعناه الحرفي؛ الذي ينتقل هو خبره وصوره ورواياته وخطاباته وما يولده من تفاعلات أولية. أما آثاره السياسية والاجتماعية في المجتمعات الأخرى، فلا تصل بالضرورة بوصفها نتائج مكتملة، وإنما تتكون من تفاعل ما انتقل مع العلاقات القائمة في تلك المجتمعات.
فالحدث يعبر الحدود في صوره ورواياته، لكن آثاره تتكوّن داخل العلاقات التي تستقبله.
ثانيا: من انتقال الأثر إلى إعادة تكوينه
يمكن تعريف "إعادة تكوين الأثر" بأنها العملية التي تدخل من خلالها المؤثرات الناشئة عن حدث تاريخي في شبكة العلاقات القائمة داخل مجتمع آخر، وتتفاعل مع تاريخه وذاكرته ومؤسساته ومصالحه وتناقضاته وموازين القوى فيه، فتتولد عنها آثار جديدة قد تختلف في معناها ووظيفتها ونتائجها، وقد تتعدد وتتعارض داخل المجتمع الواحد، ثم تعود هذه الآثار فتؤثر في العلاقات التي أسهمت في إنتاجها.
ولا تعني "إعادة التكوين" انتقال أثر مكتمل ليُصنع من جديد على صورته الأولى، بل تعني دخول مؤثرات سبق أن نشأت في سياق معين إلى سياق تاريخي آخر، فتتكون من تفاعلها معه نتائج جديدة لا يمكن تفسيرها بالحدث الأصلي وحده.
فما يثيره الحدث في مجتمع ما لا يتحدد بطبيعة الحدث وأهميته فقط، بل أيضا بطبيعة العلاقات التي تستقبله.
قد يصبح الحدث مناسبة لتعبئة شعبية واسعة، أو لإعادة ترتيب أولويات الأحزاب، أو لتعزيز هوية جماعية، أو لمراجعة سياسة قائمة. وقد يدفع قوة اجتماعية إلى توسيع نشاطها، وقوة أخرى إلى الدفاع عن مصالحها، ومؤسسة سياسية إلى احتواء التغيير أو مقاومته.
ولا تنبع هذه الاختلافات بالضرورة من تباين فهم الحدث وحده، بل من اختلاف مواقع القوى داخل المجتمع، وطبيعة مصالحها وعلاقاتها، وما تختزنه من تجارب ومواقف سابقة.
وهنا تتضح ثلاثة أبعاد مترابطة في عملية إعادة تكوين الأثر.
أولها أن الحدث الخارجي يدخل علاقات قائمة ولم يخلقها بالضرورة، لكنه قد يؤثر في حركتها وتوازناتها واتجاهاتها.
وثانيها أن المجتمع ليس وحدة متجانسة في استجابته، بل قد ينتج الحدث الواحد داخله آثارًا متباينة، بل متناقضة، بحسب طبيعة القوى والعلاقات التي تتفاعل معه.
أما ثالثها، وربما أهمها، فهو أن الأثر الجديد لا يبقى مجرد نتيجة للتفاعل الأول، بل قد يتحول بدوره إلى عنصر فاعل في حركة المجتمع، يؤثر في علاقاته وموازين القوى داخله، ويفتح احتمالات جديدة للتغير أو الاستمرار أو الصراع.
وبذلك لا نكون أمام علاقة خطية تبدأ بالحدث وتنتهي برد الفعل، وإنما أمام عملية تاريخية متحركة: تدخل المؤثرات الخارجية شبكة العلاقات الاجتماعية، فتتكوّن منها آثار جديدة، ثم تعود هذه الآثار فتؤثر في العلاقات التي أسهمت في تكوينها.
وهذه الحركة لا تقتصر على اتجاه واحد. فقد تنتقل التأثيرات المتولدة في مجتمع إلى مجتمعات أخرى، بل قد تعود إلى المجتمع الذي وقع فيه الحدث الأصلي، فتؤثر في شروطه وموازين القوى داخله.
وعليه، فإن المجتمع المستقبل لا يكتفي باستقبال التأثير، بل قد يصبح بدوره مصدرا لتأثيرات جديدة.
غير أن هذه العملية لا تضمن تحولا إيجابيا أو تقدما سياسيا. فقد يكون الأثر عميقا أو محدودا، مؤقتا أو ممتدا، وقد يعزز العلاقات القائمة بدل تغييرها، أو يفتح تناقضات جديدة تعيق التحول.
فالتأثير لا تحدد طبيعته قوة الحدث وحدها، بل العلاقات التي يتفاعل معها، والاتجاه الذي تتخذه حركتها.
ثالثا: المغرب ليس صدى واحدا
تقدم الحالة المغربية مثالا مهما لاختبار هذه الفكرة.
فالقضية الفلسطينية لم تدخل الوعي المغربي مع السابع من أكتوبر 2023. لقد كانت حاضرة قبل ذلك في الحياة السياسية والثقافية والشعبية، وكانت العلاقات مع "إسرائيل" موضوع خلاف سياسي واجتماعي سابق على الطوفان.
وحين أعلن المغرب استئناف علاقاته الدبلوماسية مع "إسرائيل" في ديسمبر 2020، ظهرت مواقف احتجاجية ومعارضة للتطبيع عبّرت عنها قوى يسارية وإسلامية وهيئات مدنية مختلفة.
وقد تناولت دراسة أكاديمية نُشرت سنة 2023 هذه التعبئة، مبينة ارتباط معارضة التطبيع بقضايا ومطالب سياسية واجتماعية مغربية أوسع.[2]
وهذا يعني أن الطوفان لم يخلق الموقف المغربي من فلسطين من العدم، ولم ينشئ وحده التناقض بين معارضي التطبيع والسياسة الرسمية. لكنه دخل علاقات كانت موجودة بالفعل، وأسهم، مع الحرب التي تلته، في إعادة تحريكها وتغيير بعض شروطها.
وقد تجلت هذه الحركة في التعبئة الشعبية الواسعة، وفي نشاط الهيئات المناهضة للتطبيع، وفي مواقف النقابات والجامعات والقوى السياسية والمدنية.
وتكشف استطلاعات "الباروميتر العربي" تحولا لافتا في الرأي العام؛ إذ تراجعت نسبة تأييد التطبيع في المغرب من 31% في استطلاعات 2021–2022 إلى 13% في استطلاعات 2023–2024.[3]
لكن هذا التحول، على أهميته، لا يكفي وحده لإثبات تغير مماثل في السياسات والمؤسسات أو في موازين القوى. فالانتقال من تبدل المواقف إلى تغيير العلاقات السياسية عملية أخرى، تتوقف على شروط تنظيمية ومؤسساتية واجتماعية لا تختزلها نتائج استطلاع للرأي.
وفي المقابل، استمرت العلاقات الرسمية المغربية مع "إسرائيل"، بما فيها أوجه التعاون الاستراتيجي والدفاعي، في الوقت الذي واصلت فيه الدولة المغربية إعلان دعمها للقضية الفلسطينية وحل الدولتين.
وقد كشفت دراسة أكاديمية نُشرت سنة 2025 عن تحولات متباينة في أوساط المعارضة المغربية بفعل الحروب الإسرائيلية على غزة والتطبيع مع "إسرائيل"، شملت اتساع بعض التحالفات بين تيارات مختلفة، وتغير أشكال الاحتجاج، وتعميق المسافة بين فاعلين سياسيين داخل المؤسسات وخارجها.[4]
بل إن المفارقة ازدادت وضوحا في أكتوبر 2026، حين افتتحت وزارة "الدفاع الإسرائيلية" أول جناح وطني رسمي لها في معرض مراكش للطيران، وظهرت في الوقت نفسه تقارير عن استمرار التعاون الصناعي الدفاعي المرتبط بالعلاقات المغربية الإسرائيلية.[5]
لسنا إذن أمام استجابة مغربية واحدة، ولا حتى أمام ثنائية بسيطة بين شعب متضامن ودولة غير متضامنة.
فنحن أمام علاقات متشابكة بين قوى تطالب بإنهاء التطبيع، ومؤسسات تدير علاقات دولية ضمن حسابات استراتيجية، وأحزاب ونقابات ومنظمات مدنية تختلف في مواقعها وأولوياتها وأساليب تحركها، وقطاعات اجتماعية تجمع بين التضامن مع الفلسطينيين وتصورات متفاوتة للمصلحة الوطنية.
ولا يعني هذا التعدد أن جميع المواقف متكافئة أخلاقيا أو سياسيا، بل يعني أن فهمها يستوجب تفسير الشروط التي أنتجتها، لا الاكتفاء بإثبات اختلافها.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين ساحات التأثير التي حددتها نزهة الإدريسي، وبين العلاقات التي تتحرك داخل هذه الساحات نفسها.
فالشارع ليس كتلة متجانسة، والمجال السياسي والمدني ليس وحدة متطابقة المصالح، والمجال الرمزي والثقافي ليس فضاء خاليا من التناقضات.
وقد تعزز حركة الشارع موقع قوى معارضة، بينما تدفع قوى رسمية إلى التشبث بسياساتها، أو إلى تعديل خطابها دون تغيير جوهر خياراتها. وقد تؤدي التعبئة الثقافية إلى توسيع الوعي بقضية ما، دون أن يترافق ذلك بالضرورة مع تحول مماثل في الممارسة السياسية.
كما أن العلاقة بين هذه الدوائر ليست في اتجاه واحد؛ فما يحدث في إحداها قد يغير شروط الحركة في الأخرى، وقد يستدعي استجابة مضادة تعيد بدورها تشكيل العلاقة بينهما.
وهكذا، فإن الطوفان وما تلاه من أحداث لم ينتج داخل المغرب أثرا واحدا أخذ مظاهر مختلفة فحسب، بل دخل علاقات متباينة، فتكونت عبرها آثار متعددة، بعضها متعارض في توجهه ووظيفته ونتائجه.
فالحدث واحد في مصدره التاريخي، لكنه لا يبقى واحدا في آثاره الاجتماعية والسياسية حين يدخل علاقات مختلفة، حتى داخل المجتمع نفسه.
رابعا: الحدث الخارجي والتناقض الداخلي
ثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالعلاقة بين الحدث الخارجي والتناقضات الداخلية.
كثيرا ما ننسب إلى الأحداث الكبرى تحولات كانت شروطها تتراكم قبل وقوعها. وحين ينفجر الحدث، تبدو هذه التحولات وكأنها بدأت معه، بينما قد يكون دوره الفعلي قد تمثل في تسريعها أو كشفها أو إعادة ترتيب العلاقات بين القوى المرتبطة بها.
وهذا ما ينبغي الانتباه إليه عند دراسة العلاقة بين الطوفان والمجتمع المغربي.
فتناقضات التطبيع والسيادة والعلاقة بين الدولة والمجتمع ليست نتاجا مباشرا لأكتوبر 2023. إنها مرتبطة بتاريخ سياسي أطول، وبخيارات استراتيجية واقتصادية ودبلوماسية، وبمواقف شعبية وفكرية وتنظيمية سبقت ذلك التاريخ.
لكن الطوفان والحرب على غزة أعادا طرح هذه التناقضات في ظروف مختلفة، ووفرا لها مادة سياسية وأخلاقية جديدة، وأسهما في تغيير درجة حضورها في النقاش العام.
وقد تتعزز بذلك قوى كانت موجودة، أو تتسع تحالفات، أو تتغير أولويات، أو تنشأ أساليب احتجاج جديدة. وقد تعمل قوى أخرى على احتواء هذه التحولات أو مقاومة نتائجها.
وعليه، لا يكفي أن نسأل: ماذا فعل الطوفان بالمغرب؟
بل ينبغي أن نسأل أيضا: ما الذي كان يتحرك داخل المجتمع المغربي قبل الطوفان، وكيف تفاعل معه، وما الذي تغير فعلا في علاقاته بعد ذلك؟
وهذا السؤال يخرجنا من التفسير الذي يردّ التغيير إلى الحدث الخارجي وحده، كما يخرجنا من التفسير المقابل الذي يختزل أثر الحدث في مجرد التعبير عن تناقضات داخلية سابقة.
فالحدث الخارجي ليس بالضرورة أصل التناقض الداخلي، لكنه ليس مجرد مرآة تكشفه أيضا. فقد يتحول، عبر تفاعله معه، إلى عامل جديد يؤثر في مساره، ويغير بعض شروطه، وقد يسهم في إنتاج تناقضات لم تكن موجودة بالصورة نفسها قبل وقوعه.
وهنا تتجلى العلاقة الجدلية بين الخارج والداخل: فالعلاقات الداخلية تحدد كيفية استقبال المؤثر الخارجي، لكن هذا المؤثر، بعد دخوله تلك العلاقات، قد يغير بدوره الشروط التي حددت استقباله الأول.
وهذه العملية لا يمكن فهمها من لحظة واحدة.
فالاحتجاج الشعبي قد يبلغ مستويات مرتفعة دون أن يؤدي مباشرة إلى تغيير سياسي رسمي. وقد تستمر سياسة حكومية رغم اتساع معارضتها، بينما تترك التعبئة آثارا طويلة الأمد في التنظيم والوعي والعلاقات بين القوى الاجتماعية.
كما قد ينحسر الاحتجاج دون أن يعني ذلك اختفاء كل أثر للحدث، أو قد تستمر التعبئة دون أن تكتسب القدرة على إحداث التحول الذي تسعى إليه.
إن قوة التفسير تكمن في القدرة على التمييز بين هذه الاحتمالات، وعلى تتبع الحركة التاريخية التي تصل بينها، لا في افتراض تحول شامل لمجرد أن حدثا كبيرا هزّ الوعي العام.
خامسا: ما الذي يضيفه "إعادة تكوين الأثر"؟
ليس القول إن الأحداث تكتسب معاني مختلفة عندما تنتقل بين المجتمعات اكتشافا جديدا بحد ذاته.
فقد تناولت الأدبيات الاجتماعية والسياسية هذه المسألة من زوايا متعددة، من بينها نظريات التأطير في الحركات الاجتماعية، وانتشار الأفكار والممارسات، وإعادة تكييفها وفق الشروط السياسية والثقافية للمجتمعات المستقبلة.[6]
وتقدم دراسة انتشار حركة "حياة السود مهمة" من الولايات المتحدة إلى إيطاليا مثالا على كيفية انتقال التعبئة الاحتجاجية عبر الحدود، وتفاعلها مع أوضاع محلية مختلفة.[7]
كما أن الدراسات التي تناولت المعارضة المغربية وعلاقاتها بالسياسة الخارجية بحثت بالفعل جوانب مهمة من التفاعل بين الحدث الخارجي والعلاقات الداخلية، وما ينتج عنه من تغير في مواقع القوى وممارساتها وخطاباتها.
ومن ثم، فإن قيمة مفهوم "إعادة تكوين الأثر" لا تقوم على ادعاء اكتشاف تغير المعاني عند انتقالها، أو اكتشاف التأثير المتبادل بين الخارج والداخل، وإنما على محاولة جمع هذه العمليات في إطار تفسيري واحد، يجعل كيفية تكوّن الأثر وتعدد نتائجه وعودته إلى التأثير في العلاقات التي أنتجته موضوع البحث الأساسي.
ويختلف هذا المدخل عن الاكتفاء بوصف انتشار الأفكار أو انتقال الممارسات؛ لأنه يسأل عن التغير الذي يحدث في العلاقات التي تستقبل المؤثر الخارجي، وعن الكيفية التي تساهم بها هذه العلاقات في إنتاج آثار جديدة، وعن النتائج اللاحقة التي قد تغير شروط التفاعل نفسه.
كما أنه لا يحصر التحليل بالحركات الاحتجاجية أو بالمعارضة السياسية، بل يمكن اختباره في مجالات أوسع، تشمل العلاقات الاقتصادية والمؤسساتية والثقافية والهوياتية، وفي تفاعلات المجتمعات بعضها مع بعض.
لكن هذه الإمكانية لا تعني أن المفهوم أصبح نظرية مكتملة.
فلكي يكتسب قيمة تفسيرية حقيقية، يجب أن نستطيع من خلاله تحديد العلاقات التي تولد آثارا مختلفة، وتفسير أسباب اختلافها، وتتبع تحولاتها عبر الزمن، والتمييز بين الحالات التي ينطبق عليها التفسير المقترح وتلك التي تكشف حدوده.
ويجب أيضا الحذر من تحويل "إعادة تكوين الأثر" إلى عبارة واسعة تفسر كل استجابة، مهما كانت طبيعتها، فتفقد بذلك قدرتها على التمييز والتفسير.
فليست كل استجابة دليلا على تحول عميق، وليست كل حركة احتجاجية بداية لتغيير بنيوي، وليس كل اختلاف في المواقف تعبيرا عن تناقض تاريخي جديد.
إن القيمة الفكرية للمفهوم لا تتحدد بجاذبية تسميته، بل بقدرته على كشف علاقات وآليات لا يكفي وصف ظواهرها لفهمها.
ولهذا، فإن الحالة المغربية، على أهميتها، ينبغي أن تكون بداية لاختبار أوسع، لا نموذجا جاهزا لتفسير جميع المجتمعات.
خاتمة: الحدث يعبر الحدود، لكن أثره يتكوّن داخلها
لقد فتحت "جغرافية الصدى" نافذة مهمة على ما يحدث عندما يتجاوز الحدث التاريخي مكان وقوعه، ويدخل ذاكرة المجتمعات الأخرى وأسئلتها وتناقضاتها.
أما "إعادة تكوين الأثر"، فتحاول توسيع تلك النافذة، بالانتقال من تتبع الامتداد وتحول الدلالات إلى تفسير العلاقات التي تنتج التأثير، وتحدد اتجاهاته المتعددة، ثم تتغير هي نفسها بفعل ما أنتجته.
فالعالم ليس مجموعة جغرافيات تتردد فيها أصداء الأحداث الكبرى بدرجات مختلفة، وإنما مجتمعات حية، لكل منها تاريخها وعلاقاتها وتناقضاتها، تتفاعل مع ما يصل إليها من مؤثرات، وتعيد تكوين آثارها ضمن شروطها الخاصة.
ولا ينبغي لهذا الانتقال التحليلي أن يطمس الواقع الفلسطيني الأصلي، أو يحوّل معاناة الفلسطينيين ونضالهم إلى مجرد مادة تعيد المجتمعات الأخرى قراءة ذاتها من خلالها. فالحدث يبقى متجذرا في تاريخه الفلسطيني، وفي حياة البشر الذين يصنعونه ويعيشون نتائجه، حتى وهو يدخل تاريخ مجتمعات أخرى ويؤثر فيه.
ومن هنا، فإن ما جرى في فلسطين منذ أكتوبر 2023 لا يمكن اختزاله في أثر واحد ينتشر حول العالم، ولا في مجموعة من الأصداء المختلفة للحدث نفسه. لقد دخلت تطوراته المتلاحقة مجتمعات متباينة، فتفاعلت مع شروطها الداخلية، وأنتجت آثارا متعددة قد تلتقي في التضامن مع فلسطين، لكنها تختلف في اتجاهاتها السياسية والاجتماعية، وفي قدرتها على إحداث تغيير فعلي.
والحالة المغربية ليست استثناء، بل مدخل إلى سؤال أوسع يحتاج إلى بحث مقارن: لماذا يستطيع الحدث نفسه أن يعزز حركة احتجاجية في مجتمع، ويدفع مؤسسة إلى مراجعة سياساتها في مجتمع آخر، ويعمق الانقسام بين قوى قائمة في مجتمع ثالث، بينما تتجاور هذه النتائج كلها أحيانا داخل المجتمع الواحد؟
ولماذا يستطيع حدث خارجي أن يكشف تناقضًا داخليا في لحظة تاريخية، ثم يتحول في لحظة لاحقة إلى عامل يغير شروط ذلك التناقض نفسه؟
إن مفهوم "إعادة تكوين الأثر" يسعى إلى نقل البحث من سؤال: أين وصل تأثير الحدث؟ إلى سؤال أكثر عمقا: كيف تكوّن هذا التأثير، ولماذا اتخذ اتجاها دون آخر، وماذا أعاد تشكيله في المجتمع الذي استقبله؟
فالحدث التاريخي لا يكتب نتائجه مسبقا في المجتمعات التي يصل إليها، ولا تستقبله تلك المجتمعات بوصفها صفحات بيضاء. إنه يدخل تاريخا يتحرك، وعلاقات تتفاعل، وتناقضات تتجدد؛ وفي خضم هذه الحركة تتكوّن آثاره، وقد تتغير معانيه ووظائفه ونتائجه.
ولذلك لا يكفي أن نعرف إلى أين وصل أثر الحدث، بل ينبغي أن نفهم كيف تكوّن، وكيف أصبح بدوره عنصرا فاعلا في التاريخ الذي استقبله.
وهنا ينتقل البحث من جغرافية الامتداد إلى جدلية التأثير والتحول.
الهوامش والمراجع
[1] غانية ملحيس، «أبعاد طوفان الأقصى: كيف استقبله المجتمع المغربي؟ نحو دراسة جغرافية الصدى عربيًا ودوليًا"، الأنطولوجيا، أكتوبر 2026. يتضمن النص تقديم ملحيس ومداخلة مستقلة لنزهة الإدريسي بعنوان «جغرافية الصدى: من غزة إلى هواجس السيادة في المغرب"، مؤرخة في 8 أكتوبر 2026.
غانية ملحيس - أبعاد «طوفان الأقصى»: كيف استقبله المجتمع المغربي؟ نحو دراسة جغرافية الصدى عربيًا ودوليًا
في سياق النقاش الذي أثارته ورقة «أبعاد طوفان الأقصى في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي»، تلقيت من الكاتبة المغربية نزهة الإدريسي تعليقات نقدية أعتز بها. ولم تقتصر هذه التعليقات على مناقشة البنية المفاهيمية للورقة وأطروحتها...
alantologia.com
Anti-normalization, nonviolent activism, and domestic interests: The Case of Morocco
Between August and December 2020, the United Arab Emirates (UAE), Bahrain, Sudan, and Morocco announced US-brokered agreements with Israel whereby they established full diplomatic relations and effectively withdrew from the Arab Boycott of Israel that tied official relations to the resolution of...
Foreign Policy and Domestic Opposition Spaces under Authoritarianism: Moroccan Political Reconfigurations in Response to Israel’s Wars on Gaza | Government and Opposition | Cambridge Core
Foreign Policy and Domestic Opposition Spaces under Authoritarianism: Moroccan Political Reconfigurations in Response to Israel’s Wars on Gaza - Volume 60 Issue 4
وانظر أيضًا: Agence France-Presse, “Israel Opens First-Ever Pavilion at Morocco Defence Show,” Al Jazeera English, October 8, 2026.
Israel opens first-ever pavilion at Morocco defence show
Israel opened its first national pavilion at Morocco's Marrakech Air Show, joined by Israel's top military contractors.
[7] Donatella Della Porta, Anna Lavizzari, and Herbert Reiter, “The Spreading of the Black Lives Matter Movement Campaign: The Italian Case in Cross-National Perspective,” Sociological Forum 37, no. 3 (2022): 700–721.