في سياق النقاش الذي أثارته ورقة «أبعاد طوفان الأقصى في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي»، تلقيت من الكاتبة المغربية نزهة الإدريسي تعليقات نقدية أعتز بها. ولم تقتصر هذه التعليقات على مناقشة البنية المفاهيمية للورقة وأطروحتها حول «التعطيل الاستراتيجي» و«المآل التاريخي»، بل فتحت أفقاً موازياً للتفكير في جغرافية الحدث نفسه: كيف ينتقل أثره من مكان وقوعه إلى مجتمعات أخرى، وكيف تعيد هذه المجتمعات إنتاج دلالاته في ضوء تاريخها وتناقضاتها وأسئلتها الخاصة؟
لقد انصب اهتمامي في الورقة الأصلية على موقع «طوفان الأقصى» في مسار الصراع الفلسطيني مع المشروع الاستيطاني، وعلى تداعياته الإقليمية والدولية، وعلى التمييز بين تعطيل مسار قائم والقدرة على إنتاج مآل تاريخي جديد.
أما مداخلة نزهة الإدريسي، فقد دفعت النقاش إلى ما وراء مركز الحدث، نحو المجتمعات التي تستقبل صداه، لا باعتبارها ساحات للتضامن مع فلسطين فحسب، بل بوصفها فضاءات يعيد الحدث داخلها طرح أسئلة الهوية والسيادة والعدالة والعلاقة بين المجتمع والدولة.
من هنا تبرز أهمية مفهوم «جغرافية الصدى»؛ فالأحداث التاريخية الكبرى لا تبقى محصورة في المكان الذي وقعت فيه، ولا تنتقل إلى العالم الخارجي بوصفها أخباراً أو صوراً تستثير التعاطف فحسب، بل تعبر الحدود، وتدخل الذاكرة الجمعية والمجال العام، وتكتسب دلالات جديدة تتشكل عند تقاطع أثرها الأصلي مع خصوصية كل مجتمع يستقبلها. وهكذا، لا يعود السؤال مقتصراً على كيفية تأثير الحدث في مسار الصراع الذي نشأ فيه، بل يمتد إلى كيفية إعادة إنتاج معانيه وآثاره داخل جغرافيات أخرى.
ويقدم المغرب مدخلاً مهماً لاستكشاف هذه الحركة؛ إذ يتيح النظر في تفاعل التضامن الشعبي مع فلسطين مع أسئلة التطبيع والسيادة واستقلال القرار الوطني، وفي المسافة التي قد تنشأ بين المواقف الرسمية والتعبيرات المجتمعية، وفي أشكال التعبئة التي قد تتجاوز الأطر السياسية التقليدية.
ويُطرح المغرب هنا بوصفه حالة أولى لاستكشاف مفهوم «جغرافية الصدى»، لا بوصفه نموذجا مكتملا يمكن تعميم نتائجه على مجتمعات أخرى؛ فذلك يقتضي دراسات مقارنة تراعي الخصوصيات السياسية والاجتماعية والتاريخية لكل مجتمع.
وفيما يلي أنشر مداخلة نزهة الإدريسي بوصفها مساهمة فكرية مستقلة فتحت أمام النقاش الذي أثارته الورقة الأصلية أفقاً جديداً لدراسة «جغرافية الصدى» في المغرب، ومدخلاً إلى استكشاف كيفية استقبال المجتمعات العربية والدولية للطوفان، وما قد يثيره من تحولات في الوعي العام، وفي العلاقة بين المجتمع والدولة، وفي فهم المجتمعات لذاتها ولموقعها في العالم.
جغرافية الصدى: من غزة إلى هواجس السيادة في المغرب
نزهة الإدريسي
8/10/2026
لم يكن صدى السابع من أكتوبر 2023 في المغرب مجرد موجة تضامن شعبي مع فلسطين، بل فتح مساراً جديداً من الأسئلة حول العلاقة بين القضية الفلسطينية والوعي الوطني المغربي.
فمع اتساع المأساة في غزة، لم تعد صور القتل والدمار تستثير مشاعر التضامن وحدها، بل دفعت قطاعات من الرأي العام إلى إعادة النظر في مسار التطبيع، واستحضار أسئلة الهوية والسيادة وحدود النفوذ الخارجي داخل المجال الوطني.
وهنا تتجلى «جغرافية الصدى»: فالحدث لا يبقى حبيس مكان وقوعه، وإنما ينتقل عبر الصور والخطابات والذاكرة الجماعية، ليكتسب في كل مجتمع دلالات تتصل بتاريخه ومخاوفه وتناقضاته الخاصة.
في المغرب، يتخذ هذا الصدى بُعداً مركباً؛ فمن جهة، يستند التضامن مع فلسطين إلى ذاكرة تاريخية وشعور بالانتماء، بما في ذلك البعد الديني، وإلى اعتبار القضية الفلسطينية قضية عادلة في نظر المتضامنين معها. ومن جهة أخرى، أعادت الحرب طرح أسئلة حول انعكاسات التطبيع على المصالح الوطنية، والتوازن بين الانفتاح الدبلوماسي وصيانة استقلال القرار المغربي.
ومن هنا، دعونا نغادر قطاع غزة، بوصفه جغرافية الحدث وحلبة الصراع الأساسية، إلى جغرافية الصدى، لبحث أثر «طوفان الأقصى» في المجتمعات الأخرى؛ فنحن لا ندرس الحدث في مكان وقوعه فحسب، بل ندرس أيضاً كيف انتقل أثره إلى جغرافيات مختلفة، وكيف أعادت كل ساحة إنتاج هذا الأثر وفق خصوصيتها السياسية والاجتماعية والتاريخية.
لم يبقَ «طوفان الأقصى» حدثاً محصوراً في جغرافية غزة، بل امتد صداه إلى ساحات عربية وعالمية مختلفة، وكان للمغرب خصوصية في استقبال هذا الصدى وإعادة إنتاجه.
ففي المغرب، لم يظهر الأثر في المواقف الرسمية والدبلوماسية وحدها، وإنما امتد إلى الشارع والجامعات والنقابات والمجتمع المدني ووسائل التواصل الاجتماعي والنقاش الثقافي والسياسي العام.
وهنا يصبح السؤال ليس: هل تضامن المغرب مع فلسطين؟ فهذا التضامن يمكن رصده بوضوح،
وإنما: ماذا فعل «طوفان الأقصى» في الوعي المغربي؟
هل أعاد القضية الفلسطينية من قضية يُنظر إليها باعتبارها خارجية إلى قضية حاضرة في المجال العام المغربي؟
وهل أعاد ترتيب العلاقة بين الذاكرة المغربية وفلسطين؟
وهل أوجد مسافة جديدة بين الشارع وبعض الاختيارات الرسمية؟ وهل أسهم في إنتاج أشكال من التعبئة تتجاوز التنظيمات السياسية التقليدية؟
الإجابة نعم.
الأهم أن الصدى المغربي لم يكن نسخة من الحدث الأصلي. فكل جغرافية تستقبل الحدث وفق تاريخها وتركيبتها ومصالحها وتناقضاتها. ولذلك فإن غزة في المغرب ليست غزة نفسها في غزة؛ إنها غزة وقد دخلت إلى الذاكرة السياسية والاجتماعية المغربية، وأصبحت مرآة تُقرأ من خلالها قضايا أخرى: السيادة، والعدالة، والهوية، والعلاقة مع الخارج، وحدود الفعل الشعبي، وصولاً إلى سؤال الدولة والمجتمع.
ومن هنا يمكن أن نطرح مفهوم «جغرافية الصدى» بوصفه انتقالاً للحدث من مكانه الأصلي إلى أماكن أخرى، لا باعتباره مجرد تضامن عاطفي، وإنما باعتباره إعادة إنتاج للحدث داخل سياقات مختلفة.
وفي الحالة المغربية، يمكن تتبع هذا الصدى عبر ثلاث دوائر مترابطة:
الدائرة الأولى: الشارع.
حيث تحولت فلسطين إلى موضوع تعبئة واحتجاج مستمر، وأصبحت المظاهرات والوقفات وسيلة للتعبير عن موقف شعبي يتجاوز الأحزاب والتنظيمات التقليدية.
الدائرة الثانية: المجال السياسي والمدني.
حيث فرض الحدث نفسه على الخطاب الحزبي والنقابي والجمعوي، وأعاد اختبار العلاقة بين المواقف الرسمية والمطالب الشعبية، وفتح النقاش حول حدود التوافق أو التباعد بين اختيارات الدولة وتوجهات قطاعات من المجتمع.
الدائرة الثالثة: المجال الرمزي والثقافي.
وهنا ربما تكمن أعمق آثار الصدى: كيف أعادت غزة إنتاج معاني المقاومة والاحتلال والعدالة والذاكرة في المخيال المغربي؟
وكيف أصبح ما يحدث في فلسطين مادة لإعادة التفكير في الذات المغربية وموقعها من قضايا العالم العربي، وفي العلاقة بين المبادئ المعلنة والمصالح الوطنية؟
إن جغرافية الصدى لا تقيس المسافة بين غزة والمغرب بالكيلومترات، بل تقيس المسافة التي يقطعها الحدث داخل الوعي الجمعي، والتحولات التي يُحدثها في فهم المجتمع لذاته ولدولته ولموقعه في عالم مضطرب.
وهكذا، ينقلنا أثر غزة في المغرب من سؤال التضامن العاطفي إلى سؤال أوسع: كيف يحمي المجتمع قيمه ومواقفه، وكيف يشارك في مساءلة السياسات العامة؟
وبذلك يصبح «طوفان الأقصى» حدثاً دخل إلى الجغرافيا المغربية وأصبح جزءاً أصيلاً من نقاشاتها الداخلية؛ فغزة، بهذا المعنى، ليست فقط جرحاً فلسطينياً مفتوحاً، بل هي أيضاً مرآة تتعدد فيها الأسئلة التي يطرحها المغاربة على واقعهم ومستقبلهم.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يكون محور دراسة أوسع: هل غيّر «طوفان الأقصى» موقف المغاربة من القضية الفلسطينية فحسب، أم غيّر أيضاً الطريقة التي ينظر بها جزء من المجتمع المغربي إلى السياسة والدولة والشارع والعلاقة مع الخارج؟
إن هذا السؤال ينقلنا من «جغرافية الصدى» إلى أفق أعمق: دراسة التحولات التي قد يُحدثها الصدى في وعي الجغرافية المستقبِلة، وفي علاقتها بذاتها وبالعالم.
لقد انصب اهتمامي في الورقة الأصلية على موقع «طوفان الأقصى» في مسار الصراع الفلسطيني مع المشروع الاستيطاني، وعلى تداعياته الإقليمية والدولية، وعلى التمييز بين تعطيل مسار قائم والقدرة على إنتاج مآل تاريخي جديد.
أما مداخلة نزهة الإدريسي، فقد دفعت النقاش إلى ما وراء مركز الحدث، نحو المجتمعات التي تستقبل صداه، لا باعتبارها ساحات للتضامن مع فلسطين فحسب، بل بوصفها فضاءات يعيد الحدث داخلها طرح أسئلة الهوية والسيادة والعدالة والعلاقة بين المجتمع والدولة.
من هنا تبرز أهمية مفهوم «جغرافية الصدى»؛ فالأحداث التاريخية الكبرى لا تبقى محصورة في المكان الذي وقعت فيه، ولا تنتقل إلى العالم الخارجي بوصفها أخباراً أو صوراً تستثير التعاطف فحسب، بل تعبر الحدود، وتدخل الذاكرة الجمعية والمجال العام، وتكتسب دلالات جديدة تتشكل عند تقاطع أثرها الأصلي مع خصوصية كل مجتمع يستقبلها. وهكذا، لا يعود السؤال مقتصراً على كيفية تأثير الحدث في مسار الصراع الذي نشأ فيه، بل يمتد إلى كيفية إعادة إنتاج معانيه وآثاره داخل جغرافيات أخرى.
ويقدم المغرب مدخلاً مهماً لاستكشاف هذه الحركة؛ إذ يتيح النظر في تفاعل التضامن الشعبي مع فلسطين مع أسئلة التطبيع والسيادة واستقلال القرار الوطني، وفي المسافة التي قد تنشأ بين المواقف الرسمية والتعبيرات المجتمعية، وفي أشكال التعبئة التي قد تتجاوز الأطر السياسية التقليدية.
ويُطرح المغرب هنا بوصفه حالة أولى لاستكشاف مفهوم «جغرافية الصدى»، لا بوصفه نموذجا مكتملا يمكن تعميم نتائجه على مجتمعات أخرى؛ فذلك يقتضي دراسات مقارنة تراعي الخصوصيات السياسية والاجتماعية والتاريخية لكل مجتمع.
وفيما يلي أنشر مداخلة نزهة الإدريسي بوصفها مساهمة فكرية مستقلة فتحت أمام النقاش الذي أثارته الورقة الأصلية أفقاً جديداً لدراسة «جغرافية الصدى» في المغرب، ومدخلاً إلى استكشاف كيفية استقبال المجتمعات العربية والدولية للطوفان، وما قد يثيره من تحولات في الوعي العام، وفي العلاقة بين المجتمع والدولة، وفي فهم المجتمعات لذاتها ولموقعها في العالم.
جغرافية الصدى: من غزة إلى هواجس السيادة في المغرب
نزهة الإدريسي
8/10/2026
لم يكن صدى السابع من أكتوبر 2023 في المغرب مجرد موجة تضامن شعبي مع فلسطين، بل فتح مساراً جديداً من الأسئلة حول العلاقة بين القضية الفلسطينية والوعي الوطني المغربي.
فمع اتساع المأساة في غزة، لم تعد صور القتل والدمار تستثير مشاعر التضامن وحدها، بل دفعت قطاعات من الرأي العام إلى إعادة النظر في مسار التطبيع، واستحضار أسئلة الهوية والسيادة وحدود النفوذ الخارجي داخل المجال الوطني.
وهنا تتجلى «جغرافية الصدى»: فالحدث لا يبقى حبيس مكان وقوعه، وإنما ينتقل عبر الصور والخطابات والذاكرة الجماعية، ليكتسب في كل مجتمع دلالات تتصل بتاريخه ومخاوفه وتناقضاته الخاصة.
في المغرب، يتخذ هذا الصدى بُعداً مركباً؛ فمن جهة، يستند التضامن مع فلسطين إلى ذاكرة تاريخية وشعور بالانتماء، بما في ذلك البعد الديني، وإلى اعتبار القضية الفلسطينية قضية عادلة في نظر المتضامنين معها. ومن جهة أخرى، أعادت الحرب طرح أسئلة حول انعكاسات التطبيع على المصالح الوطنية، والتوازن بين الانفتاح الدبلوماسي وصيانة استقلال القرار المغربي.
ومن هنا، دعونا نغادر قطاع غزة، بوصفه جغرافية الحدث وحلبة الصراع الأساسية، إلى جغرافية الصدى، لبحث أثر «طوفان الأقصى» في المجتمعات الأخرى؛ فنحن لا ندرس الحدث في مكان وقوعه فحسب، بل ندرس أيضاً كيف انتقل أثره إلى جغرافيات مختلفة، وكيف أعادت كل ساحة إنتاج هذا الأثر وفق خصوصيتها السياسية والاجتماعية والتاريخية.
لم يبقَ «طوفان الأقصى» حدثاً محصوراً في جغرافية غزة، بل امتد صداه إلى ساحات عربية وعالمية مختلفة، وكان للمغرب خصوصية في استقبال هذا الصدى وإعادة إنتاجه.
ففي المغرب، لم يظهر الأثر في المواقف الرسمية والدبلوماسية وحدها، وإنما امتد إلى الشارع والجامعات والنقابات والمجتمع المدني ووسائل التواصل الاجتماعي والنقاش الثقافي والسياسي العام.
وهنا يصبح السؤال ليس: هل تضامن المغرب مع فلسطين؟ فهذا التضامن يمكن رصده بوضوح،
وإنما: ماذا فعل «طوفان الأقصى» في الوعي المغربي؟
هل أعاد القضية الفلسطينية من قضية يُنظر إليها باعتبارها خارجية إلى قضية حاضرة في المجال العام المغربي؟
وهل أعاد ترتيب العلاقة بين الذاكرة المغربية وفلسطين؟
وهل أوجد مسافة جديدة بين الشارع وبعض الاختيارات الرسمية؟ وهل أسهم في إنتاج أشكال من التعبئة تتجاوز التنظيمات السياسية التقليدية؟
الإجابة نعم.
الأهم أن الصدى المغربي لم يكن نسخة من الحدث الأصلي. فكل جغرافية تستقبل الحدث وفق تاريخها وتركيبتها ومصالحها وتناقضاتها. ولذلك فإن غزة في المغرب ليست غزة نفسها في غزة؛ إنها غزة وقد دخلت إلى الذاكرة السياسية والاجتماعية المغربية، وأصبحت مرآة تُقرأ من خلالها قضايا أخرى: السيادة، والعدالة، والهوية، والعلاقة مع الخارج، وحدود الفعل الشعبي، وصولاً إلى سؤال الدولة والمجتمع.
ومن هنا يمكن أن نطرح مفهوم «جغرافية الصدى» بوصفه انتقالاً للحدث من مكانه الأصلي إلى أماكن أخرى، لا باعتباره مجرد تضامن عاطفي، وإنما باعتباره إعادة إنتاج للحدث داخل سياقات مختلفة.
وفي الحالة المغربية، يمكن تتبع هذا الصدى عبر ثلاث دوائر مترابطة:
الدائرة الأولى: الشارع.
حيث تحولت فلسطين إلى موضوع تعبئة واحتجاج مستمر، وأصبحت المظاهرات والوقفات وسيلة للتعبير عن موقف شعبي يتجاوز الأحزاب والتنظيمات التقليدية.
الدائرة الثانية: المجال السياسي والمدني.
حيث فرض الحدث نفسه على الخطاب الحزبي والنقابي والجمعوي، وأعاد اختبار العلاقة بين المواقف الرسمية والمطالب الشعبية، وفتح النقاش حول حدود التوافق أو التباعد بين اختيارات الدولة وتوجهات قطاعات من المجتمع.
الدائرة الثالثة: المجال الرمزي والثقافي.
وهنا ربما تكمن أعمق آثار الصدى: كيف أعادت غزة إنتاج معاني المقاومة والاحتلال والعدالة والذاكرة في المخيال المغربي؟
وكيف أصبح ما يحدث في فلسطين مادة لإعادة التفكير في الذات المغربية وموقعها من قضايا العالم العربي، وفي العلاقة بين المبادئ المعلنة والمصالح الوطنية؟
إن جغرافية الصدى لا تقيس المسافة بين غزة والمغرب بالكيلومترات، بل تقيس المسافة التي يقطعها الحدث داخل الوعي الجمعي، والتحولات التي يُحدثها في فهم المجتمع لذاته ولدولته ولموقعه في عالم مضطرب.
وهكذا، ينقلنا أثر غزة في المغرب من سؤال التضامن العاطفي إلى سؤال أوسع: كيف يحمي المجتمع قيمه ومواقفه، وكيف يشارك في مساءلة السياسات العامة؟
وبذلك يصبح «طوفان الأقصى» حدثاً دخل إلى الجغرافيا المغربية وأصبح جزءاً أصيلاً من نقاشاتها الداخلية؛ فغزة، بهذا المعنى، ليست فقط جرحاً فلسطينياً مفتوحاً، بل هي أيضاً مرآة تتعدد فيها الأسئلة التي يطرحها المغاربة على واقعهم ومستقبلهم.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يكون محور دراسة أوسع: هل غيّر «طوفان الأقصى» موقف المغاربة من القضية الفلسطينية فحسب، أم غيّر أيضاً الطريقة التي ينظر بها جزء من المجتمع المغربي إلى السياسة والدولة والشارع والعلاقة مع الخارج؟
إن هذا السؤال ينقلنا من «جغرافية الصدى» إلى أفق أعمق: دراسة التحولات التي قد يُحدثها الصدى في وعي الجغرافية المستقبِلة، وفي علاقتها بذاتها وبالعالم.