الحلقة الحادية عشرة
عندما خلا الكرسي… من يرث الشرعية؟
لم تكن المقاطعة قد استعادت هدوءها بعد.
كان تراب القبر جديدًا، وصور أبي عمار ما زالت على الجدران، وأصوات المشيعين الذين تدافعوا في الساحات والممرات لم تغادر المكان.
في الحلقة السابقة تركنا الرجل في رحلته الأخيرة، وتركنا خلفه سؤالًا أكبر من الغياب:
هل يستطيع من يرث كرسي القائد أن يرث شرعية القائد؟
كان السؤال ينتظر جوابًا.
لكن التاريخ لم يمنح الفلسطينيين وقتًا طويلًا للتأمل.
فالسلطة التي قامت على أرض لم تتحرر، والمنظمة التي حملت شعبًا موزعًا بين الوطن والمنافي، وحركة فتح التي قادت الثورة عقودًا، كانت جميعها مطالبة بأن تستمر.
رحل الرجل الذي جمع خيوطها.
وبقيت الخيوط.
لكن من يمسك بها الآن؟
في مقر الرئاسة كان هناك كرسي أصبح شاغرًا، وفي منظمة التحرير كرسي آخر، وفي حركة فتح موقع ثالث. ثلاثة مواقع كان أبو عمار يجمعها في شخصه، حتى بدا لكثيرين أنها موقع واحد، لكنها لم تكن كذلك.
فلكل منها تاريخ مختلف، ولكل منها مؤسسة مختلفة، ولكل منها طريق مختلف إلى الشرعية.
رئاسة السلطة جاءت من انتخابات عام 1996، ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير جاءت من مؤسسات المنظمة وتاريخها الوطني، أما قيادة فتح فكانت ابنة حركة بدأت قبل السلطة، وقبل أوسلو، وقبل العودة إلى الوطن.
وكان أبو عمار يحمل فوق هذه المواقع كلها ما لا تمنحه النصوص التنظيمية ولا صناديق الاقتراع وحدها: شرعية تاريخ صنعه مع الفلسطينيين، وصنعوه معه.
هنا ظهر الفارق الذي كان غائبًا ما دام الرجل حاضرًا.
يمكن أن تنتقل الصلاحيات، ويمكن أن يُنتخب رئيس، ويمكن أن تختار مؤسسة قائدًا، لكن هل يمكن أن ينتقل التاريخ بالطريقة نفسها؟
دخل القانون إلى الغرفة التي غادرها أبو عمار.
كان المجلس التشريعي المنتخب عام 1996 قد أقر القانون الأساسي الفلسطيني، الذي أصدره أبو عمار عام 2002، ثم عُدّل عام 2003. وفيه نص ينظم شغور منصب رئيس السلطة، بحيث يتولى رئيس المجلس التشريعي الرئاسة مؤقتًا، على أن تُجرى انتخابات خلال مدة لا تزيد على ستين يومًا.
لم يكن الأمر متروكًا لمن يصل أولًا إلى المكتب، ولا لمن يملك أكبر نفوذ داخل الحركة، ولا لمن كان أقرب إلى الرئيس الراحل.
وهكذا تولّى روحي فتوح، رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، رئاسة السلطة مؤقتًا بعد رحيل أبي عمار في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2004.
كانت تلك لحظة تستحق التوقف.
فالمجلس الذي اختاره المجتمع في انتخابات 1996، كان قد أسهم في بناء القاعدة القانونية التي نظمت انتقال الرئاسة بعد ثماني سنوات.
كأن الصندوق الذي ظهر قبل سنوات عاد الآن من مكان بعيد ليؤدي وظيفة لم تكن ظاهرة يوم وضع الفلسطينيون أوراقهم فيه.
لم يملأ القانون الفراغ كله، لكنه منع أن يتحول غياب الرئيس إلى غياب القاعدة التي تُدار بها المؤسسة.
وهنا يمكن أن نسجل للمؤسسة إنجازًا مهمًا: لقد استطاعت أن تواصل عملها بعد رحيل الرجل الذي ارتبطت نشأتها السياسية باسمه.
لكن السؤال بقي:
هل هذا يكفي لصناعة الشرعية؟
كان روحي فتوح رئيسًا مؤقتًا للسلطة، لكنه لم يصبح بذلك رئيسًا لمنظمة التحرير، ولم يصبح قائدًا لفتح.
فمنظمة التحرير ليست دائرة من دوائر السلطة. هي الإطار الوطني الذي سبقها، والذي يفترض أنه يمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج، بمن فيهم الذين لم يدخلوا أصلًا في انتخابات السلطة.
وفي الأيام التالية لرحيل أبي عمار، اختارت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس، أبا مازن، رئيسًا لها.
كان أبو مازن من مؤسسي حركة فتح، ومن رجال منظمة التحرير، ومن الشخصيات التي شاركت في المسار السياسي الذي قاد إلى أوسلو. ولم يكن غريبًا عن مؤسسات القرار الفلسطيني.
لكن اختياره لم يكن انتقالًا تلقائيًا لشرعية أبي عمار التاريخية.
كان انتقالًا مؤسسيًا لموقع محدد.
وهنا ظهر سؤال سيكبر مع السنوات: هل تستطيع مؤسسة تمثل الشعب الفلسطيني كله أن تجدد شرعيتها من داخلها، من دون أن يعود المجتمع نفسه إلى المشاركة في تجديد هذه المؤسسة؟
كان ذلك سؤالًا عن منظمة التحرير، وليس عن شخص أبي مازن وحده.
أما داخل فتح، فلم تكن الصورة بهذه البساطة.
فالحركة التي اعتادت عقودًا طويلة أن ترى أبا عمار في مركزها، وجدت نفسها أمام تاريخ كامل من العلاقات والمواقع والقيادات التي لم تكن كلها داخل الوطن.
كان فاروق القدومي، أبو اللطف، أحد أبرز قادتها التاريخيين في الخارج، وتولى موقعًا قياديًا مركزيًا في الحركة بعد رحيل أبي عمار. وكان محمد راتب غنيم، أبو ماهر غنيم، من القيادات التاريخية التي بقيت خارج الوطن سنوات طويلة. وكان سليم الزعنون، أبو الأديب، يرأس المجلس الوطني الفلسطيني.
ثلاث شخصيات، وثلاثة مسارات في التجربة الوطنية، لا يجوز الخلط بينها.
كان بعض رجال فتح قد دخلوا الوطن وأصبحوا جزءًا من السلطة، وبقي آخرون في الخارج، يحتفظون بمواقعهم التنظيمية وبقراءتهم الخاصة لأوسلو وللعلاقة بين المنظمة والسلطة.
لم تكن وفاة أبي عمار قادرة على إزالة هذه الاختلافات دفعة واحدة، ولم يكن اختيار رئيس للسلطة يعني أن الحركة كلها اختارت قائدها الجديد بالطريقة نفسها.
كان واضحًا أن توزيع المواقع يحتاج إلى تفاهمات داخلية، وأن تاريخ الحركة لا يمكن اختصاره في قرار واحد.
لكن ما جرى خلف الأبواب، ومن وافق ومن تحفظ، وما الذي قيل لهذا القائد أو ذاك، لا ينبغي أن نحوله إلى وقائع محسومة لمجرد أن النتيجة ظهرت أمام الناس.
ما يمكن قراءته من المشهد هو أن فتح كانت تحاول العبور من قيادة الرجل الواحد إلى ترتيب مؤسساتها وقياداتها بعده.
وكان هذا انتقالًا أصعب مما توحي به الصور الرسمية.
في تلك الأيام، كان الحزن قد أخذني بعيدًا عن كل هذه الغرف.
انتهت مراسم العزاء، وعادت المقاطعة شيئًا فشيئًا إلى العمل، لكنني لم أعد إليها كما كنت.
كانت علاقتي بروحي فتوح جيدة، ومع ذلك لم أتصل به بعدما أصبح رئيسًا مؤقتًا، ولم أشعر بحاجة إلى أن أذهب إلى مكتب الرئيس الجديد.
كنت أعرف أن زمنًا انتهى.
لم يكن أبو عمار بالنسبة إليّ مجرد رئيس أذهب إلى مكتبه.
كنت أعرفه منذ زمن الفدائي والثورة، قبل أن يصبح رئيس سلطة، وقبل أن تكون لنا وزارات ومراسم وحرس رئاسي.
كنت أختلف معه أحيانًا، ولم أكن أوافق على كل ما يفعله، لكنني عرفت فيه رجلًا يعرف المقاتلين بأسمائهم، ويسأل عن عائلاتهم وأبنائهم، ويحمل في ذاكرته تفاصيل قد لا يعرفها كثير ممن يعملون حوله.
كان رحيله ضربة شخصية قاسية.
بعد رحيل والدي، ثم ماجد أبو شرار، شعرت أنني أتلقى ضربة ثالثة في مكان عميق من حياتي.
وكنت أردد لنفسي ولمن حولي:
لكل زمان دولة ورجال.
لم تكن العبارة حكمًا على الذين جاؤوا بعده.
كانت اعترافًا بأن زمنًا مضى، وأن الذين سيأتون بعده عليهم أن يصنعوا علاقتهم الخاصة بالمجتمع.
فلا أحد يستطيع أن يعيش إلى الأبد من رصيد رجل سبقه.
في تلك الأثناء كانت حركة فتح تستعد لانتخابات رئاسة السلطة.
اختارت أبا مازن مرشحًا لها، لكن المجتمع الفلسطيني لم يكن كتلة واحدة تنتظر أن تتلقى اسم المرشح من الحركة الأكبر.
كان هناك آخرون يريدون خوض الانتخابات، وكانت هناك أسئلة عن مستقبل الانتفاضة، وعن المفاوضات، وعن المقاومة، وعن الإصلاح، وعن الفساد، وعن شكل النظام السياسي الذي ينبغي أن يأتي بعد أبي عمار.
وبرز اسم مروان البرغوثي، الأسير في السجون الإسرائيلية، بوصفه أحد رموز جيل سياسي مختلف داخل فتح.
أُعلنت نيته الترشح، ثم انتهى الأمر بانسحابه ودعمه ترشيح أبي مازن.
لم يكن هذا مجرد تفصيل انتخابي.
كان علامة على أن الحركة نفسها لم تعد تستطيع أن تفترض أن شرعيتها التاريخية تعني تلقائيًا إجماع أجيالها على الطريق السياسي المقبل.
وكان هناك مرشحون آخرون، أبرزهم الدكتور مصطفى البرغوثي.
أما حماس فلم تشارك بمرشح في الانتخابات الرئاسية.
وهكذا اتجه الفلسطينيون إلى صندوق الاقتراع من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن أبو عمار بين المرشحين.
في التاسع من كانون الثاني/يناير 2005، ذهب الناخبون إلى مراكز الاقتراع.
كان المشهد مختلفًا عن عام 1996.
في المرة الأولى كان المجتمع ينتخب الرجل الذي يعرفه منذ عقود، أما الآن فكان ينتخب رئيسًا بعد غياب ذلك الرجل.
كان أبو مازن يحمل تاريخه السياسي والتنظيمي، لكنه لم يكن يحمل تاريخ أبي عمار نفسه.
وكان عليه أن يحصل على تفويضه من الناس، لا من مجرد قربه السابق من الرئيس الراحل.
فاز محمود عباس برئاسة السلطة الفلسطينية بنحو 62.5 في المئة من الأصوات الصحيحة، وجاء مصطفى البرغوثي ثانيًا بنحو 19.5 في المئة.
كانت النتيجة واضحة.
اختار الناخبون رئيسًا جديدًا.
وهذه شرعية انتخابية لا يجوز إنكارها.
لكن الاعتراف بها لا يلغي الأسئلة التي تحيط بها.
فمن الذين شاركوا في الاختيار؟
ومن الذين بقوا خارجه؟
كانت الانتخابات انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع ترتيبات خاصة بالقدس.
لم تكن انتخابات لكل الفلسطينيين في مخيمات لبنان وسوريا والأردن، ولا في الشتات الأوسع، ولم تكن انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.
وهنا يصبح التفريق ضروريًا.
أبو مازن أصبح رئيسًا منتخبًا للسلطة، وكان قد أصبح رئيسًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير باختيار مؤسستها.
مصدران مختلفان للشرعية، ولا يجوز أن نمحو المسافة بينهما لمجرد أن الشخص الذي يشغل الموقعين واحد.
بعد انتخاب أبي مازن، غادرت إلى الولايات المتحدة.
لم أذهب لأبحث عن مكان في الرئاسة الجديدة.
كنت أذهب لتنفيذ مهمة كان أبو عمار قد كلفني بها قبل رحيله.
جولة عروض في الجامعات الأميركية لفيلمي «ريتشل – ضمير أمريكي».
كان الفيلم يحمل قصة إنسانية وسياسية إلى جمهور أميركي، ويطرح من خلال السينما أسئلة عن فلسطين والاحتلال والضمير الإنساني.
أذكر أن الدكتور سلام فياض، الذي كان وزيرًا للمالية آنذاك، وافق على نفقات المهمة وترتيبات السفر.
وكانت بالنسبة إليّ رحلة مختلفة عن كل الرحلات.
الرجل الذي كلفني بها لم يعد موجودًا.
والرجل الذي انتُخب بعده بدأ ممارسة مهامه.
أما أنا فكنت أحمل فيلمًا إلى الجامعات، وأحمل معه آخر تكليف وصلني من أبي عمار.
وفي الطائرة، وفي القاعات، وبين الطلبة، كان سؤال الشرعية يرافقني بطريقة أخرى.
فلسطين لم تكن موجودة فقط في مكتب الرئيس.
كانت موجودة في الفيلم، وفي الجامعة، وفي الطالب الذي يسأل، وفي اللاجئ الذي لم ينتخب، وفي المخيم الذي لا يزال ينتظر العودة، وفي الإنسان الذي لم يرَ رام الله يومًا، لكنه يرى في منظمة التحرير عنوانًا سياسيًا لقضيته.
وهنا عادت إليّ الفكرة التي رافقتنا منذ بداية هذا الكتاب:
المجتمع أكبر من السلطة.
وأوسع من حدودها.
وأقدم من مؤسساتها.
في رام الله، كان الرئيس الجديد يمارس مهامه.
وفي منظمة التحرير كانت المؤسسات تواصل عملها.
وفي فتح كانت الأسئلة التنظيمية تنتظر أجوبتها.
لم يحدث انهيار شامل، ولم تختفِ المؤسسات برحيل أبي عمار.
وهذه حقيقة مهمة.
لكن استمرار المؤسسات ليس هو نفسه اكتمال شرعيتها.
فالقانون يستطيع أن ينظم انتقال المنصب، والتنظيم يستطيع أن يختار مسؤولًا، والصندوق يستطيع أن يمنح تفويضًا انتخابيًا.
لكن المجتمع هو الذي يمنح كل ذلك معناه.
وعندما تصبح المؤسسة قادرة على الاستمرار من دون أن يعود المجتمع إلى تجديد علاقته بها، تبدأ مسافة جديدة بالتشكل.
مسافة بين استمرار السلطة وتجدد الشرعية.
كان أبو عمار قد جمع في شخصه مواقع متعددة، لكنه ظل يحمل تناقضاتها معه.
كان رئيسًا لسلطة تعمل تحت الاحتلال، ورئيسًا لمنظمة تمثل شعبًا أوسع من حدود تلك السلطة، وقائدًا لحركة ما زالت ترى نفسها حركة تحرر وطني.
بعد رحيله، أصبح السؤال: هل تستطيع المؤسسات أن تعالج هذه التناقضات، أم أن جمع المواقع في شخص جديد سيخفيها لبعض الوقت فقط؟
لم يكن المطلوب من أبي مازن أن يصبح نسخة ثانية من أبي عمار، ولا كان ممكنًا أصلًا أن يرث حياته.
كان المطلوب أن يثبت أن الشرعية الفلسطينية تستطيع الانتقال من زمن الزعيم المؤسس إلى زمن المؤسسة القابلة للمحاسبة والتجديد.
وهذا امتحان أكبر من الفوز في انتخابات واحدة.
لكن المجتمع الفلسطيني لم يكن قد قال كلمته الأخيرة.
ففي الوقت الذي جرى فيه انتخاب رئيس جديد للسلطة، كان هناك مجلس تشريعي انتُخب عام 1996، ومؤسسات تأخر تجديدها، وقوى سياسية واجتماعية تغيرت أوزانها خلال سنوات الانتفاضة والحصار.
كان الفلسطيني الذي انتخب رئيسًا في كانون الثاني/يناير 2005 يستعد لأن يعود إلى الصندوق مرة أخرى.
لكن السؤال المقبل لن يكون:
من سيخلف أبا عمار؟
بل:
من يملك حق الحكم عندما لا تتطابق شرعية الرئاسة مع شرعية الأغلبية البرلمانية؟
فماذا لو اختار المجتمع رئيسًا من حركة، ثم أعطى أغلبية المجلس التشريعي لحركة أخرى؟
هل تصبح الشرعيتان شريكتين في إدارة النظام؟
أم تتحولان إلى صراع على من يملك القرار؟
وهل تستطيع منظمة التحرير أن تكون مرجعية وطنية جامعة عندما تختلف القوى التي تتنافس على السلطة حول موقعها وتمثيلها؟
لقد استطاع القانون أن ينقل كرسي الرئاسة.
واستطاع الصندوق أن ينتخب رئيسًا جديدًا.
لكن الامتحان التالي سيكون أصعب.
لأن المجتمع سيعود ليقول كلمته، وقد لا تكون الكلمة التي تتوقعها القيادة.
وهنا نصل إلى سؤال الحلقة الثانية عشرة:
ماذا يحدث عندما يمنح المجتمع شرعية الرئاسة لقوة سياسية، ثم يمنح الأغلبية البرلمانية لقوة أخرى؟
وهل تستطيع القوى التي تتحدث باسم الشعب أن تحترم اختياره عندما لا يأتي على مقاسها؟
يتبع…
يحيى بركات
13/10/2026
عندما خلا الكرسي… من يرث الشرعية؟
لم تكن المقاطعة قد استعادت هدوءها بعد.
كان تراب القبر جديدًا، وصور أبي عمار ما زالت على الجدران، وأصوات المشيعين الذين تدافعوا في الساحات والممرات لم تغادر المكان.
في الحلقة السابقة تركنا الرجل في رحلته الأخيرة، وتركنا خلفه سؤالًا أكبر من الغياب:
هل يستطيع من يرث كرسي القائد أن يرث شرعية القائد؟
كان السؤال ينتظر جوابًا.
لكن التاريخ لم يمنح الفلسطينيين وقتًا طويلًا للتأمل.
فالسلطة التي قامت على أرض لم تتحرر، والمنظمة التي حملت شعبًا موزعًا بين الوطن والمنافي، وحركة فتح التي قادت الثورة عقودًا، كانت جميعها مطالبة بأن تستمر.
رحل الرجل الذي جمع خيوطها.
وبقيت الخيوط.
لكن من يمسك بها الآن؟
في مقر الرئاسة كان هناك كرسي أصبح شاغرًا، وفي منظمة التحرير كرسي آخر، وفي حركة فتح موقع ثالث. ثلاثة مواقع كان أبو عمار يجمعها في شخصه، حتى بدا لكثيرين أنها موقع واحد، لكنها لم تكن كذلك.
فلكل منها تاريخ مختلف، ولكل منها مؤسسة مختلفة، ولكل منها طريق مختلف إلى الشرعية.
رئاسة السلطة جاءت من انتخابات عام 1996، ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير جاءت من مؤسسات المنظمة وتاريخها الوطني، أما قيادة فتح فكانت ابنة حركة بدأت قبل السلطة، وقبل أوسلو، وقبل العودة إلى الوطن.
وكان أبو عمار يحمل فوق هذه المواقع كلها ما لا تمنحه النصوص التنظيمية ولا صناديق الاقتراع وحدها: شرعية تاريخ صنعه مع الفلسطينيين، وصنعوه معه.
هنا ظهر الفارق الذي كان غائبًا ما دام الرجل حاضرًا.
يمكن أن تنتقل الصلاحيات، ويمكن أن يُنتخب رئيس، ويمكن أن تختار مؤسسة قائدًا، لكن هل يمكن أن ينتقل التاريخ بالطريقة نفسها؟
دخل القانون إلى الغرفة التي غادرها أبو عمار.
كان المجلس التشريعي المنتخب عام 1996 قد أقر القانون الأساسي الفلسطيني، الذي أصدره أبو عمار عام 2002، ثم عُدّل عام 2003. وفيه نص ينظم شغور منصب رئيس السلطة، بحيث يتولى رئيس المجلس التشريعي الرئاسة مؤقتًا، على أن تُجرى انتخابات خلال مدة لا تزيد على ستين يومًا.
لم يكن الأمر متروكًا لمن يصل أولًا إلى المكتب، ولا لمن يملك أكبر نفوذ داخل الحركة، ولا لمن كان أقرب إلى الرئيس الراحل.
وهكذا تولّى روحي فتوح، رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، رئاسة السلطة مؤقتًا بعد رحيل أبي عمار في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2004.
كانت تلك لحظة تستحق التوقف.
فالمجلس الذي اختاره المجتمع في انتخابات 1996، كان قد أسهم في بناء القاعدة القانونية التي نظمت انتقال الرئاسة بعد ثماني سنوات.
كأن الصندوق الذي ظهر قبل سنوات عاد الآن من مكان بعيد ليؤدي وظيفة لم تكن ظاهرة يوم وضع الفلسطينيون أوراقهم فيه.
لم يملأ القانون الفراغ كله، لكنه منع أن يتحول غياب الرئيس إلى غياب القاعدة التي تُدار بها المؤسسة.
وهنا يمكن أن نسجل للمؤسسة إنجازًا مهمًا: لقد استطاعت أن تواصل عملها بعد رحيل الرجل الذي ارتبطت نشأتها السياسية باسمه.
لكن السؤال بقي:
هل هذا يكفي لصناعة الشرعية؟
كان روحي فتوح رئيسًا مؤقتًا للسلطة، لكنه لم يصبح بذلك رئيسًا لمنظمة التحرير، ولم يصبح قائدًا لفتح.
فمنظمة التحرير ليست دائرة من دوائر السلطة. هي الإطار الوطني الذي سبقها، والذي يفترض أنه يمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج، بمن فيهم الذين لم يدخلوا أصلًا في انتخابات السلطة.
وفي الأيام التالية لرحيل أبي عمار، اختارت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس، أبا مازن، رئيسًا لها.
كان أبو مازن من مؤسسي حركة فتح، ومن رجال منظمة التحرير، ومن الشخصيات التي شاركت في المسار السياسي الذي قاد إلى أوسلو. ولم يكن غريبًا عن مؤسسات القرار الفلسطيني.
لكن اختياره لم يكن انتقالًا تلقائيًا لشرعية أبي عمار التاريخية.
كان انتقالًا مؤسسيًا لموقع محدد.
وهنا ظهر سؤال سيكبر مع السنوات: هل تستطيع مؤسسة تمثل الشعب الفلسطيني كله أن تجدد شرعيتها من داخلها، من دون أن يعود المجتمع نفسه إلى المشاركة في تجديد هذه المؤسسة؟
كان ذلك سؤالًا عن منظمة التحرير، وليس عن شخص أبي مازن وحده.
أما داخل فتح، فلم تكن الصورة بهذه البساطة.
فالحركة التي اعتادت عقودًا طويلة أن ترى أبا عمار في مركزها، وجدت نفسها أمام تاريخ كامل من العلاقات والمواقع والقيادات التي لم تكن كلها داخل الوطن.
كان فاروق القدومي، أبو اللطف، أحد أبرز قادتها التاريخيين في الخارج، وتولى موقعًا قياديًا مركزيًا في الحركة بعد رحيل أبي عمار. وكان محمد راتب غنيم، أبو ماهر غنيم، من القيادات التاريخية التي بقيت خارج الوطن سنوات طويلة. وكان سليم الزعنون، أبو الأديب، يرأس المجلس الوطني الفلسطيني.
ثلاث شخصيات، وثلاثة مسارات في التجربة الوطنية، لا يجوز الخلط بينها.
كان بعض رجال فتح قد دخلوا الوطن وأصبحوا جزءًا من السلطة، وبقي آخرون في الخارج، يحتفظون بمواقعهم التنظيمية وبقراءتهم الخاصة لأوسلو وللعلاقة بين المنظمة والسلطة.
لم تكن وفاة أبي عمار قادرة على إزالة هذه الاختلافات دفعة واحدة، ولم يكن اختيار رئيس للسلطة يعني أن الحركة كلها اختارت قائدها الجديد بالطريقة نفسها.
كان واضحًا أن توزيع المواقع يحتاج إلى تفاهمات داخلية، وأن تاريخ الحركة لا يمكن اختصاره في قرار واحد.
لكن ما جرى خلف الأبواب، ومن وافق ومن تحفظ، وما الذي قيل لهذا القائد أو ذاك، لا ينبغي أن نحوله إلى وقائع محسومة لمجرد أن النتيجة ظهرت أمام الناس.
ما يمكن قراءته من المشهد هو أن فتح كانت تحاول العبور من قيادة الرجل الواحد إلى ترتيب مؤسساتها وقياداتها بعده.
وكان هذا انتقالًا أصعب مما توحي به الصور الرسمية.
في تلك الأيام، كان الحزن قد أخذني بعيدًا عن كل هذه الغرف.
انتهت مراسم العزاء، وعادت المقاطعة شيئًا فشيئًا إلى العمل، لكنني لم أعد إليها كما كنت.
كانت علاقتي بروحي فتوح جيدة، ومع ذلك لم أتصل به بعدما أصبح رئيسًا مؤقتًا، ولم أشعر بحاجة إلى أن أذهب إلى مكتب الرئيس الجديد.
كنت أعرف أن زمنًا انتهى.
لم يكن أبو عمار بالنسبة إليّ مجرد رئيس أذهب إلى مكتبه.
كنت أعرفه منذ زمن الفدائي والثورة، قبل أن يصبح رئيس سلطة، وقبل أن تكون لنا وزارات ومراسم وحرس رئاسي.
كنت أختلف معه أحيانًا، ولم أكن أوافق على كل ما يفعله، لكنني عرفت فيه رجلًا يعرف المقاتلين بأسمائهم، ويسأل عن عائلاتهم وأبنائهم، ويحمل في ذاكرته تفاصيل قد لا يعرفها كثير ممن يعملون حوله.
كان رحيله ضربة شخصية قاسية.
بعد رحيل والدي، ثم ماجد أبو شرار، شعرت أنني أتلقى ضربة ثالثة في مكان عميق من حياتي.
وكنت أردد لنفسي ولمن حولي:
لكل زمان دولة ورجال.
لم تكن العبارة حكمًا على الذين جاؤوا بعده.
كانت اعترافًا بأن زمنًا مضى، وأن الذين سيأتون بعده عليهم أن يصنعوا علاقتهم الخاصة بالمجتمع.
فلا أحد يستطيع أن يعيش إلى الأبد من رصيد رجل سبقه.
في تلك الأثناء كانت حركة فتح تستعد لانتخابات رئاسة السلطة.
اختارت أبا مازن مرشحًا لها، لكن المجتمع الفلسطيني لم يكن كتلة واحدة تنتظر أن تتلقى اسم المرشح من الحركة الأكبر.
كان هناك آخرون يريدون خوض الانتخابات، وكانت هناك أسئلة عن مستقبل الانتفاضة، وعن المفاوضات، وعن المقاومة، وعن الإصلاح، وعن الفساد، وعن شكل النظام السياسي الذي ينبغي أن يأتي بعد أبي عمار.
وبرز اسم مروان البرغوثي، الأسير في السجون الإسرائيلية، بوصفه أحد رموز جيل سياسي مختلف داخل فتح.
أُعلنت نيته الترشح، ثم انتهى الأمر بانسحابه ودعمه ترشيح أبي مازن.
لم يكن هذا مجرد تفصيل انتخابي.
كان علامة على أن الحركة نفسها لم تعد تستطيع أن تفترض أن شرعيتها التاريخية تعني تلقائيًا إجماع أجيالها على الطريق السياسي المقبل.
وكان هناك مرشحون آخرون، أبرزهم الدكتور مصطفى البرغوثي.
أما حماس فلم تشارك بمرشح في الانتخابات الرئاسية.
وهكذا اتجه الفلسطينيون إلى صندوق الاقتراع من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن أبو عمار بين المرشحين.
في التاسع من كانون الثاني/يناير 2005، ذهب الناخبون إلى مراكز الاقتراع.
كان المشهد مختلفًا عن عام 1996.
في المرة الأولى كان المجتمع ينتخب الرجل الذي يعرفه منذ عقود، أما الآن فكان ينتخب رئيسًا بعد غياب ذلك الرجل.
كان أبو مازن يحمل تاريخه السياسي والتنظيمي، لكنه لم يكن يحمل تاريخ أبي عمار نفسه.
وكان عليه أن يحصل على تفويضه من الناس، لا من مجرد قربه السابق من الرئيس الراحل.
فاز محمود عباس برئاسة السلطة الفلسطينية بنحو 62.5 في المئة من الأصوات الصحيحة، وجاء مصطفى البرغوثي ثانيًا بنحو 19.5 في المئة.
كانت النتيجة واضحة.
اختار الناخبون رئيسًا جديدًا.
وهذه شرعية انتخابية لا يجوز إنكارها.
لكن الاعتراف بها لا يلغي الأسئلة التي تحيط بها.
فمن الذين شاركوا في الاختيار؟
ومن الذين بقوا خارجه؟
كانت الانتخابات انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع ترتيبات خاصة بالقدس.
لم تكن انتخابات لكل الفلسطينيين في مخيمات لبنان وسوريا والأردن، ولا في الشتات الأوسع، ولم تكن انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.
وهنا يصبح التفريق ضروريًا.
أبو مازن أصبح رئيسًا منتخبًا للسلطة، وكان قد أصبح رئيسًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير باختيار مؤسستها.
مصدران مختلفان للشرعية، ولا يجوز أن نمحو المسافة بينهما لمجرد أن الشخص الذي يشغل الموقعين واحد.
بعد انتخاب أبي مازن، غادرت إلى الولايات المتحدة.
لم أذهب لأبحث عن مكان في الرئاسة الجديدة.
كنت أذهب لتنفيذ مهمة كان أبو عمار قد كلفني بها قبل رحيله.
جولة عروض في الجامعات الأميركية لفيلمي «ريتشل – ضمير أمريكي».
كان الفيلم يحمل قصة إنسانية وسياسية إلى جمهور أميركي، ويطرح من خلال السينما أسئلة عن فلسطين والاحتلال والضمير الإنساني.
أذكر أن الدكتور سلام فياض، الذي كان وزيرًا للمالية آنذاك، وافق على نفقات المهمة وترتيبات السفر.
وكانت بالنسبة إليّ رحلة مختلفة عن كل الرحلات.
الرجل الذي كلفني بها لم يعد موجودًا.
والرجل الذي انتُخب بعده بدأ ممارسة مهامه.
أما أنا فكنت أحمل فيلمًا إلى الجامعات، وأحمل معه آخر تكليف وصلني من أبي عمار.
وفي الطائرة، وفي القاعات، وبين الطلبة، كان سؤال الشرعية يرافقني بطريقة أخرى.
فلسطين لم تكن موجودة فقط في مكتب الرئيس.
كانت موجودة في الفيلم، وفي الجامعة، وفي الطالب الذي يسأل، وفي اللاجئ الذي لم ينتخب، وفي المخيم الذي لا يزال ينتظر العودة، وفي الإنسان الذي لم يرَ رام الله يومًا، لكنه يرى في منظمة التحرير عنوانًا سياسيًا لقضيته.
وهنا عادت إليّ الفكرة التي رافقتنا منذ بداية هذا الكتاب:
المجتمع أكبر من السلطة.
وأوسع من حدودها.
وأقدم من مؤسساتها.
في رام الله، كان الرئيس الجديد يمارس مهامه.
وفي منظمة التحرير كانت المؤسسات تواصل عملها.
وفي فتح كانت الأسئلة التنظيمية تنتظر أجوبتها.
لم يحدث انهيار شامل، ولم تختفِ المؤسسات برحيل أبي عمار.
وهذه حقيقة مهمة.
لكن استمرار المؤسسات ليس هو نفسه اكتمال شرعيتها.
فالقانون يستطيع أن ينظم انتقال المنصب، والتنظيم يستطيع أن يختار مسؤولًا، والصندوق يستطيع أن يمنح تفويضًا انتخابيًا.
لكن المجتمع هو الذي يمنح كل ذلك معناه.
وعندما تصبح المؤسسة قادرة على الاستمرار من دون أن يعود المجتمع إلى تجديد علاقته بها، تبدأ مسافة جديدة بالتشكل.
مسافة بين استمرار السلطة وتجدد الشرعية.
كان أبو عمار قد جمع في شخصه مواقع متعددة، لكنه ظل يحمل تناقضاتها معه.
كان رئيسًا لسلطة تعمل تحت الاحتلال، ورئيسًا لمنظمة تمثل شعبًا أوسع من حدود تلك السلطة، وقائدًا لحركة ما زالت ترى نفسها حركة تحرر وطني.
بعد رحيله، أصبح السؤال: هل تستطيع المؤسسات أن تعالج هذه التناقضات، أم أن جمع المواقع في شخص جديد سيخفيها لبعض الوقت فقط؟
لم يكن المطلوب من أبي مازن أن يصبح نسخة ثانية من أبي عمار، ولا كان ممكنًا أصلًا أن يرث حياته.
كان المطلوب أن يثبت أن الشرعية الفلسطينية تستطيع الانتقال من زمن الزعيم المؤسس إلى زمن المؤسسة القابلة للمحاسبة والتجديد.
وهذا امتحان أكبر من الفوز في انتخابات واحدة.
لكن المجتمع الفلسطيني لم يكن قد قال كلمته الأخيرة.
ففي الوقت الذي جرى فيه انتخاب رئيس جديد للسلطة، كان هناك مجلس تشريعي انتُخب عام 1996، ومؤسسات تأخر تجديدها، وقوى سياسية واجتماعية تغيرت أوزانها خلال سنوات الانتفاضة والحصار.
كان الفلسطيني الذي انتخب رئيسًا في كانون الثاني/يناير 2005 يستعد لأن يعود إلى الصندوق مرة أخرى.
لكن السؤال المقبل لن يكون:
من سيخلف أبا عمار؟
بل:
من يملك حق الحكم عندما لا تتطابق شرعية الرئاسة مع شرعية الأغلبية البرلمانية؟
فماذا لو اختار المجتمع رئيسًا من حركة، ثم أعطى أغلبية المجلس التشريعي لحركة أخرى؟
هل تصبح الشرعيتان شريكتين في إدارة النظام؟
أم تتحولان إلى صراع على من يملك القرار؟
وهل تستطيع منظمة التحرير أن تكون مرجعية وطنية جامعة عندما تختلف القوى التي تتنافس على السلطة حول موقعها وتمثيلها؟
لقد استطاع القانون أن ينقل كرسي الرئاسة.
واستطاع الصندوق أن ينتخب رئيسًا جديدًا.
لكن الامتحان التالي سيكون أصعب.
لأن المجتمع سيعود ليقول كلمته، وقد لا تكون الكلمة التي تتوقعها القيادة.
وهنا نصل إلى سؤال الحلقة الثانية عشرة:
ماذا يحدث عندما يمنح المجتمع شرعية الرئاسة لقوة سياسية، ثم يمنح الأغلبية البرلمانية لقوة أخرى؟
وهل تستطيع القوى التي تتحدث باسم الشعب أن تحترم اختياره عندما لا يأتي على مقاسها؟
يتبع…
يحيى بركات
13/10/2026