موسى مليح - من الحزب الذي يصنع السياسة إلى الحزب الذي يطلب السلطة.. أزمة الأحزاب المغربية والعربية بين الشعارات والممارسة

لعل جانبًا من اللغط الحاصل حول الأحزاب السياسية في المغرب خاصةوالعالم العربي عامة يعود إلى الخلط بين ماهية الحزب ووظيفته، وبين السياسة باعتبارها خدمة للصالح العام والسياسة باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة والاستفادة من مناصبها. وحين نقارن ما يفترض أن تقوم به الأحزاب بما تمارسه على أرض الواقع، نكتشف فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود الانتخابية والنتائج المحققة.
فالحزب السياسي ليس مجرد اسم رنان أو لافتة تحمل شعارات الديمقراطية والاشتراكية والعدالة والمواطنة والتنمية والاستقلال والتقدم والاتحاد. إنه مؤسسة يفترض أن تقوم على مشروع مجتمعي واضح، وأن تؤطر المواطنين، وتنتج الأفكار، وتقترح البدائل، وتساهم في تدبير الشأن العام ومراقبة السلطة ومحاسبتها. غير أن الحزب، في عدد من تجاربنا المغربية والعربية، يبدو وكأنه اختزل وظائفه في التنافس الانتخابي والسعي إلى المقاعد، بينما يتراجع حضوره في الحياة اليومية للمواطنين.
إن المشكلة ليست في الأسماء التي تحملها الأحزاب، بل في مدى وفائها لمعانيها. فالديمقراطية لا تعني تنظيم الانتخابات وحده، بل تقتضي أيضًا ديمقراطية داخلية وتداولًا على المسؤولية واحترامًا للاختلاف. والعدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد رفع شعاراتها، وإنما بسياسات تقلص الفوارق وتكافؤ الفرص وتحمي الفئات الهشة. أما التنمية، فلا تقاس بكثرة الوعود والمشاريع المعلنة، بل بما تحدثه من أثر ملموس في التعليم والصحة والتشغيل والعيش الكريم.
وفي المغرب، كما في بلدان عربية أخرى، يطرح واقع الممارسة الحزبية أسئلة جوهرية حول قدرة التنظيمات السياسية على التجدد، وتكوين نخب جديدة، والانفتاح على الشباب والكفاءات، وإرساء قواعد حقيقية للمحاسبة الداخلية. فالتاريخ النضالي، مهما كانت قيمته، لا يكفي وحده لضمان الاستمرار، والرصيد الرمزي لا يعوض غياب الأفكار الجديدة والحلول العملية لمشكلات المجتمع.
لقد تغيرت انتظارات المواطنين، ولم يعد استحضار الأمجاد السابقة كافيًا لإقناعهم بجدوى الانتماء الحزبي أو المشاركة السياسية. فالمواطن يريد أن يعرف ماذا سيقدم الحزب لمعالجة البطالة، وتحسين الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتوسيع فرص الشباب. كما يريد أن يرى أثرًا لبرامج الأحزاب خارج الحملات الانتخابية، وأن يجد فيها فضاءً للتعبير والمشاركة، لا مجرد تنظيم يستحضر وجوده كلما اقترب موعد الاقتراع.
وتتجلى إحدى المفارقات الأساسية حين تتحول المشاركة الحكومية من وسيلة لتنفيذ البرنامج السياسي إلى غاية في حد ذاتها، ويصبح الاستوزار معيارًا للنجاح الحزبي. فلا عيب في السعي إلى تحمل المسؤولية الحكومية، ولا في الدخول في تحالفات تفرضها نتائج الانتخابات، لكن الإشكال يبدأ عندما تتقدم الحسابات المتعلقة بالمناصب على الالتزامات المعلنة أمام الناخبين، أو حين تصبح المحافظة على الموقع الحكومي أهم من الدفاع عن الاختيارات التي تأسس عليها البرنامج الانتخابي.
فالسلطة ليست غاية مستقلة عن المجتمع، وإنما وسيلة لتطبيق السياسات وتحقيق الأهداف. والحزب الذي يصل إلى الحكومة مطالب بتفسير اختياراته، وتوضيح ما حققه وما تعثر في إنجازه، وتحمل مسؤوليته عن القرارات التي شارك في اتخاذها. أما الاكتفاء بتبرير الإخفاقات بالظروف والشركاء، مع الاستمرار في تسويق الوعود نفسها، فإنه يضعف الثقة ويعمق المسافة بين المواطن والسياسة.
ولا يمكن، في المقابل، تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية جميع الاختلالات، أو اعتبار التجارب المغربية والعربية متطابقة. فالعمل الحزبي يتأثر بطبيعة المؤسسات، وشروط المنافسة السياسية، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومدى توفر آليات المحاسبة والشفافية. ومع ذلك، تبقى للأحزاب مسؤولية أساسية في مراجعة أساليب اشتغالها، وتجديد برامجها، وتعزيز استقلالية قراراتها، وربط خطابها بنتائج قابلة للتقييم.
إن استعادة الأحزاب لدورها تبدأ من الداخل: بديمقراطية حقيقية في اتخاذ القرار، وتداول المسؤوليات، وإشراك الأعضاء في صياغة الاختيارات، والقطع مع الولاء للأشخاص على حساب المبادئ. كما تقتضي الانتقال من الحضور الموسمي إلى العمل اليومي، ومن الوعود العامة إلى البرامج المحددة الأهداف والوسائل والآجال، ومن اعتبار المواطن كتلة انتخابية إلى التعامل معه باعتباره شريكًا في صناعة القرار ومراقبة تنفيذه.
إن نقد الأحزاب لا يعني إنكار الحاجة إليها؛ فالمجتمع يحتاج إلى تنظيمات سياسية تؤطر مطالبه، وتنتج البدائل، وتضمن التنافس على البرامج، وتربط السلطة بالمحاسبة. لكن وجود الحزب لا يكتسب معناه من اسمه أو عدد مقاعده أو المناصب التي يتولاها أعضاؤه، بل من قدرته على تحويل الأفكار إلى سياسات، والوعود إلى نتائج، والمشاركة السياسية إلى أثر ملموس في حياة الناس.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أحزابنا ليس: كم مقعدًا حصلتم عليه، أو كم حقيبة وزارية توليتم؟ بل: ماذا تغير في حياة المواطنين بفضل مشاركتكم؟
فالحزب الذي يجعل الوصول إلى السلطة غايته النهائية قد ينجح في بلوغ الحكم، لكنه يظل مطالبًا بالإجابة عن السؤال الأهم: ماذا يفعل بالحكم، ولصالح من يمارسه؟
إن أزمة الأحزاب، في نهاية المطاف، ليست أزمة شعارات أو أسماء، بل أزمة علاقة بين الفكر والممارسة، وبين المسؤولية والمحاسبة، وبين السلطة والمصلحة العامة. ولن تستعيد السياسة مكانتها إلا حين تدرك الأحزاب أن شرعيتها لا تتجدد بالوعود، وإنما بما تقدمه للمجتمع من أفكار ومواقف وإنجازات. فالسياسة ليست فن الوصول إلى الكراسي، بل مسؤولية تحويل السلطة إلى وسيلة لبناء مجتمع أكثر عدلًا وكرامة وتقدمًا.
غابة بوسكورة
الدار البيضاء
موسى مليح 12/10/202‪6

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...