فيلم «نازا» يفتح جبهة داخلية في إسرائيل: حرية التعبير والمساءلة تحت ضغط الحسابات الانتخابية

فيلم «نازا» يفتح جبهة داخلية في إسرائيل: حرية التعبير والمساءلة تحت ضغط الحسابات الانتخابية

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

باحث في القانون الدولي

لم يعد الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا» مجرد عمل سينمائي أثار جدلاً حول الحرب على قطاع غزة، بل تحول إلى قضية سياسية وقانونية وإعلامية تتقاطع فيها حرية التعبير، وأمن المعلومات، وصورة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، والصراع الداخلي على إدارة الرواية المتعلقة بالحرب وتداعياتها. ومع مطالبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتحقيق مع المشاركين في الفيلم، تتجاوز القضية حدود النقد الفني لتطرح أسئلة بشأن قدرة المجتمع الإسرائيلي على مناقشة السياسات العسكرية، وحدود المساءلة، وكيفية توظيف هذه الملفات في التجاذبات السياسية والانتخابية.

من الجدل السينمائي إلى المواجهة السياسية

وفقاً للتقارير المتداولة، يتضمن الفيلم شهادات من جنود وضباط إسرائيليين سابقين وحاليين، قُدّمت من دون الكشف عن هويات أصحابها، تتناول آليات اختيار الأهداف العسكرية في قطاع غزة، واستخدام أدوات تكنولوجية وخوارزميات مساعدة في تحديد الأهداف، وطبيعة الاعتبارات المتعلقة بالخسائر المدنية المتوقعة.

وقد رفضت جهات إسرائيلية ما ورد في الفيلم، وشككت في دقة الشهادات ومصداقيتها، بينما اعتبر مخرجاه أن العمل يطرح أسئلة جوهرية بشأن الممارسات العسكرية والنتائج الإنسانية للحرب. وبين هذه الروايات المتعارضة، تبقى ضرورة التحقق المستقل من الوقائع أساساً لأي تقييم مهني أو قانوني، بعيداً عن إصدار أحكام مسبقة أو التعامل مع الاتهامات باعتبارها حقائق قضائية ثابتة.

لكن دلالة القضية لا تقتصر على مضمون الفيلم؛ فانتقال المواجهة إلى المطالبة بالتحقيق مع صانعيه يضع حرية التعبير والنقد الداخلي أمام اختبار سياسي، خصوصاً عندما تتعلق الانتقادات بسلوك الجيش في حرب تحظى باهتمام دولي واسع.

نتنياهو وأمن الرواية السياسية

إن مطالبة نتنياهو بالتحقيق في الفيلم، وفق ما نُسب إليه، تعكس مواجهة بين روايتين: رواية رسمية تسعى إلى حماية صورة إسرائيل ومؤسستها العسكرية، ورواية نقدية ترى أن كشف الشهادات ومناقشتها جزء من حق المجتمع في معرفة ما يجري باسمه.

ولا يعني ذلك أن كل ما يرد في فيلم وثائقي يتمتع بالحصانة من التحقيق، كما لا يعني أن الانتقادات الموجهة إلى الجيش تشكل بذاتها جريمة. فالمعيار القانوني يتطلب تحديد الأفعال المنسوبة إلى كل شخص، وطبيعة المعلومات التي كُشفت، وكيفية الحصول عليها، ومدى انطباق نص قانوني محدد عليها، مع ضمانات المحاكمة العادلة وحرية التعبير.

أما استخدام أوصاف سياسية مثل «الخيانة» أو «التشهير الجنائي»، فلا يحسم المسألة قانونياً، ولا يغني عن الأدلة والإجراءات القضائية المستقلة. فالفصل بين النقد المشروع والمخالفة القانونية لا يجوز أن يخضع لمجرد الموقف السياسي من مضمون العمل أو أثره في صورة الدولة خارجياً.

الانعكاسات على المشهد الانتخابي الإسرائيلي

تأتي القضية في سياق الانقسامات الإسرائيلية بشأن إدارة الحرب، وأهدافها، وكلفتها البشرية والاقتصادية، وحدود المسؤولية السياسية والعسكرية. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يتحول «نازا» إلى مادة في النقاش الانتخابي، لا بسبب الفيلم وحده، بل لما يثيره من أسئلة تتعلق بمحاسبة المسؤولين، وحرية الإعلام، والعلاقة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية، ومدى استعداد القيادة السياسية لتحمل تبعات قرارات الحرب.

وقد تستخدم أطراف سياسية مضمون الفيلم لتأكيد مطالبها بإجراء تحقيقات مستقلة ومراجعة القرارات العسكرية، في حين قد توظف أطراف أخرى الجدل للدفاع عن الجيش ورفض ما تعتبره تشويهاً لسمعة إسرائيل أو استغلالاً سياسياً لشهادات غير معلنة الهوية. وهذه احتمالات سياسية مرتبطة بطبيعة الجدل، وليست دليلاً بحد ذاتها على أن الفيلم سيغير اتجاهات الناخبين أو يحسم نتائج الانتخابات.

وتتوقف التداعيات الانتخابية الفعلية على عوامل أوسع، منها تطورات الحرب، والملفات الأمنية، والأوضاع الاقتصادية، ومواقف الأحزاب، ونتائج التحقيقات إن أُجريت، ومدى ظهور أدلة مستقلة تؤيد الشهادات أو تنقضها. لذلك، فإن الربط بين الفيلم ونتائج الانتخابات يجب أن يبقى تحليلاً مشروطاً، لا استنتاجاً قطعياً.

غزة والقانون الدولي: من الجدل الإعلامي إلى المساءلة

تتجاوز أهمية الفيلم حدود التنافس الحزبي الإسرائيلي؛ إذ يثير، إذا ثبتت الوقائع التي يتناولها، أسئلة قانونية تتعلق بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

ويحظر القانون الدولي الإنساني توجيه الهجمات ضد المدنيين بصفتهم هذه، كما يفرض التزامات تتعلق بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين، وبالتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة. ولا يكفي استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي أو أدوات الاستهداف التقنية لإعفاء البشر من المسؤولية القانونية؛ غير أن تحديد المسؤولية في واقعة بعينها يتطلب فحص الأدلة، وسياق الهجوم، والمعلومات المتاحة وقت اتخاذ القرار، وطبيعة الهدف والخسائر المتوقعة.

ومن هنا، فإن الشهادات التي يتضمنها الفيلم تستدعي التحقق والتوثيق، لا الاكتفاء بتوظيفها في السجال السياسي. كما أن أي اتهام بارتكاب جريمة حرب يجب أن يستند إلى أدلة موثوقة وتحقيق مختص، مع التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية الفردية.

وخلاصة القول

تكمن أهمية «نازا» في أنه يفتح نقاشاً حول حدود النقد الداخلي في زمن الحرب، والعلاقة بين حرية التعبير وأمن الدولة، ومدى استعداد المؤسسات السياسية والعسكرية للخضوع للمساءلة. وقد ينعكس هذا النقاش على الخطاب الانتخابي الإسرائيلي، لكنه لن يتحول بالضرورة إلى عامل حاسم في صناديق الاقتراع.

أما المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه، فهو ألا تتحول حماية صورة الدولة إلى بديل عن فحص الوقائع، وألا تتحول الشهادات الإعلامية إلى أحكام قضائية قبل التحقق منها. فالحقيقة لا تُحسم بالاتهامات المتبادلة، بل بالأدلة والتحقيق المستقل وسيادة القانون.

وفي المحصلة، فإن القيمة السياسية والقانونية للفيلم لا تتحدد بحجم الضجة التي أثارها، بل بقدرته على فتح مسار جاد للتحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم الإفلات من المساءلة، أياً كانت هوية المتورطين أو مواقعهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...