حسني الإتلاتي - موت نبي وميلاد شاعر قراءة في ديوان الشاعر محمد المصري

المصري شاعر يعرف أن الشعر لسان الأشياء يعبر عنها ويعيد اكتشافها، يعمق إحساسنا بها ( ورث عادته من النخلة اللي فوق دارهم) (فعاش عمره على الشارع .. ينادي الصبح ويحني بدماه الفجر) ابن بيئته الحاضنة ثقافتها الروحية والتصوف في مركز دائرتها يراها تطمئن روحه من صراعات الحياة المادية الصارخة (تطلقني في هواك الحبيب الرحب

أمشي الطرق ماتركش فيها طريق) وهو لا يمل من إخلاصه لوطنه ( وأرض تشرب دم أولادها

لا دم عيالها راح يخلص.. ولا هي ف يوم بتبور ) يصطاد الحكمة من أفواه الناس ويعيد صياغته لا ينقلها كما تلقاها ( يغور الجار إذا هيجور) و وهو يمثل المصريين فهم يؤمنون بالستر لا الغنى والبركة في القليل وعزة النفس لا الطمع (ونندر للوضوء روحنا ولا ننظر إلى الإبريق

ولا نحلم لأطفالنا بخواتم م اللي ليها بريق)

وحين يتناص المصري مع التراث الديني أوالإنساني يتناص بإعادة خلق النص أو الأسطورة أو الحكاية ولا يقوم بنسخها أو بتقليدها (طريق للخِضر أوصله

يدوق من صبري

وأكون بعد اللُقا ده كليم)

يعيد إنتاج الموروث إنتاجا خاصا يليق برؤيته للذات وللعالم ( وياخد إيدي للسفن اللي سارقينها ملوك الإنس

وأقابل كل من بيضل أهله معاه بقلبي الجبس

أهد السور، وأبني مكانه بكرا سبيل

وأكون آدم

وتخرج حوا من ضلعي بتكره ريحة التفاح) وهو يرصد واقعه المخيف لا يزّور شهادته عن ناس مستسلمة في ثوب الرضا والحلم ( واشوف الناس بقت راضية وحليمة) وهو يستفيد من الفنون الشعبية الشفاهية الواو والكف يشكل بها نصوصه ويدخل صلب بنيتها اللغوية فيخلق حالة من التطريب والشجن ( الدور يصيب.. ولا فيش نصيب .. إن الحبيب تجمعني بيه الأمكنة.. ف ادور وراه، واحفظ غناه، .. واتوه معاه .. وإن عُدت، مش برجع أنا ) وهو شاعر إذا أحب فالمحبوبة عنده تأخذ صورتها الأسطورية ( وكانت أم موسى في اليقين بالبعد.. وكانت كالبتول .. عدرا.. وكانت فاطمة، .. زينب .. وصارت أمنا زينب .. وكان هذا الزمان اليم) ( بتحملينا وسع أحزانك .. وتورثينا سهدنا ف الضيق .. وتكوني مرة قشتين لغريق)

وهو رغم أنه في شرخ الشباب عجوز من عواجيز الستينات محاط بالخوف والعسس (واحنا

لا عيون تشوف.. ولا قدم تمشيه .. يا سر أقدر اكتمه وبفشيه .. شاعر، لساني للعسس بوشيه)

صادق في حبه وكل محب صادق مجنون وكل مجنون في الحب أوتي حكمته البالغة منتبه لما ليس في مقدورنا الالتفات إليه ( أنا مش غريب عنك ولا أنتِ غريبة.. وأنا مش بعيد عنك ولا أنت قريبة) يقدر الحزن النبيل حق قدره ( الشعر قاعد والوجع موزون ) وحين يحب الوطن لا يتملقه بل يمجد شهداءه وينوح عليهم نوح الثكلى لا المستأجرة ( ياقبر توسع كد إحسانه .. جايلك فتى وعلته لسانه

ياقبر أعلي لفوق وضلل له .. جايين رفاق من بعده هيضلوا) وهو مزدحم بالناس مستدفئ بهم لكنه وهو مزدحم وحيد ( بعكز ف الطريق الندل

وماشي وحيد) وهو مغني الربابة وبائع المواويل للعشاق في سهرات الكف والنميم والمديح النبوي (أهل الغرام وصفوني م المجاريح

و أهل الجروح وصفوني انا الجاني) منصهر في جماعته الشعبية في تسامحها الديني الذي يقبل الآخر ويحبه ويحنو عليه ( واحنا اللي خطينا الصراط بلا ميل .. ف دير ومسجد قُمنا صلينا) وحبيبته الأسطورية تشبه مصر ( تشبه حبيبتي ولا شُفت لحبيبتي شبيه_ ولمعة السكاكين بتضوي ليالي التيه والحب ناره تضوي ضلمتها )

موت نبي ديوان يسمح لك بمتعة طويلة المفعول وشجن وحزن نبيل وكل شاعر صادق حزين بالفطرة

.....

مابين الأقواس نصوص من ديوان الشاعر المصري موت نبي الصادر حديثا عن شركة المر للنشر والتوزيع 2026





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...